أعلام وشخصيات

الشيخ موسى مغنيّة: مدرسة علمية متنقِّلة

بقلمالدكتور يحيى الشامي

 

في قرية عاملية ساحلية وادعة  تطل على مدينة صور من الشرق، هي طير دبّا، إسم مركب من طير السريانية بمعنى حظيرة، ودبا السريانية بمعنى الدببة(1). كانت ولادة ونشأة مترجمنا الشيخ موسى  بن جعفر ابن علي آل مغنيّة سنة ١٢٧٨هـ/١٨٥٩م، وآل مغنيّة ـ كما هو معلوم ـ واحدة من أشهر الأسر أو العائلات  العاملية العلمية، نبغ فيهم العديد من العلماء والأدباء والشعراء، وإن منهم على سبيل المثال لا الحصر، كلاً من العلامة الشيخ حسين مغنيّة الذائع الصيت، والشيخ محمد جدُّ مترجَمنا لأبيه، من كان يُضرب به المثل في الزهد والورع والعبادة، ( ١٢٤٩هـ/١٨٢٤م) والشيخ خليل بن حسين مغنيّة المتوفى سنة ١٣٨٧هـ/١٩٥٨م، والعلامة المفكر الشيخ محمد جواد مغنيّة المتوفى سنة ١٩٨١م.

والشيخ جعفر والد مترجَمنا، من كان له وللشيخ محمد بن علي آل خاتون الفضل في تأسيس مدرسة جويّا الدينية، التي لمع اسمها في النصف الثاني من القرن الثالث عشر الهجري(2).

في مجدل سِلم وشقراء:

بعد الإلمام بدراسة اللغة والقرآن ومقدمات الفقه على يد والده في طيردبّا وجويّا، يمّم الشيخ موسى وجهه باتجاه مدرستي مجدل سلم وشقراء الدينيّتين، فكان له ما أراد، جامعاً ما بين الدراسة والتدريس، متبوئاً فيهما منصب الطالب المثالي والمعلم الألمعي. أمّا المدرسة الأولى فكان انشأها العلامة الشيخ مهدي شمس الدين، وأمّا الثانية فكانت برعاية العلامة السيد أبي الحسن موسى الحسيني أحد أشهر علماء عاملة في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الهجريين(3).

في بنت جبيل:

مضى زمن غير يسير على مترجَمنا الشيخ وهو ينتقل من بلدة إلى بلدة، ومن مدرسة إلى مدرسة غير مستقر على حال إلى أن حطَّ رحاله في أمّ قرى بلاد عاملة بنت جبيل حاضنة أول مدرسة دينية كان أرسى بنائها على أسس علمية متطورة العلامة المجدد المغفور له الشيخ موسى أمين شرارة(4)، هذا الذي تخرج أو قرأ عليه العديد من العلماء الدين منهم السيد جواد بن السيد حسين مرتضى العاملي، وأخوه السيد حيدر والسيد نجيب فضل الله، وحسب هذه المدرسة الدينية شرفاً أن يكون صاحب “أعيان الشيعة” السيد محسن الأمين أحد من قرأ فيها حاشية ملَّا عبدلله، وشرح الشمسية، والمطوّل في علم البلاغة، والمعالم وشيئاً من الشرائع.

أقول، في بنت جبيل حطَّ مترجَمنا رحاله ليكون واحداً من ألمع طلاب مدرستها الدينية، وواحداًـ في الوقت عينهـ من ألمع مدرسيها الذين كان يُرجع اليهم في علوم العربية على وجه الخصوص.

في عيناثا:

لم تستمر الحال في مدرسة بنت جبيل التي فُجعت بوفاة مؤسسها الشيخ موسى شرارة على ما كانت عليه طويلاً، فأوصدت أبوابها بوجه طلاب العلم الذين راحوا يتوافدون على مدرسة عيناثا الدينية التي سرعان ما أصابها هي الأخرى، وكانت بإشراف السيد نجيب فضل الله، ما أصاب سابقتها، فانفرط عقد طلاب العلوم الدينية كما انفرط عقد الأساتذة الذين تفرّقوا شذر مَذَرَ إلّا واحداً منهم هو مترجَمنا الذي لم يمنعه كفُّ بصره عن المضي في أداء رسالته، فصمّم على البقاء في هذه البلدة التي كان ظهر فيها منذ القدم ثلّة من العلماء والشعراء من أمثال ناصر بن إبراهيم البويهي المتوفى سنة ٨٢٢هـ(5)  والشيخ محي الدين بن خاتون العاملي، والشيخ يوسف بن احمد بن خاتون العاملي(6).

عيناثا، هذه التي سبق للشيخ موسى أن صاهرها بزواجه من إحدى فضليات نسائها، من آل بسام، كانت آخر محطة حط بها الشيخ موسى رحاله، ومنها وفيها راح يتابع إعطاء دروسه الدينية واللغوية غير آبهٍ بتقلبات الدهر وعاديات الزمان، جاعلاً من شخصه مدرسة دينية قائمة بنفسها من نوع خاص، مدرسة في رجل، متنقلة دوّارة لا تكفّ عن العطاء، هي في المنزل الذي كان يقيم فيه الشيخ، أو هي في المسجد، مسجد البلدة المحاذي لمنزله، حيناً، في الطريق من عيناثا إلى بنت جبيل نفسها، حيناً آخر، وتحديداً في منزل أحد طلاب الشيخ ومريديه، ما همّ، طالما كان الطلبة يتنافسون في الإستفادة من علومه التي ما ضنّ بها على أحد منهم، درساً من الدروس، أو فتوى من الفتاوى، أو موعظة من المواعظ، أو أيّ مسألة فقهية أو لغوية أو نحوية من المسائل.

شهرته العلمية والأدبية:
SONY DSC

إلى جانب كون مترجَمنا واحداً من الذين تمرّسوا بالعلوم الدينية والفقهية فإنَّ شهرته الكبرى قامت على كونه واحداً من المتبحرين في علوم العربية، واحداً من الذين قرضوا الشعر فأبدعوا فيه، كمروّض لقوافيه، متخصّص عالم بما دقَّ من أساليبه ومبانيه ومعانيه.

أمّا في اللغة وقواعدها صرفاً ونحواً، فإنّي لا أزال أذكر ما كنت سمعته ذات مرَّة عن المرحوم المغفور له السيد عبد اللطيف فضل الله، وهو حجة في نحو العربية، كنت أفزع إليه كلّما أعوزني فهم مسألة من مسائله، حتى إذا أثنيت عليه شاكراً جميل تفضله عليه بادرني بالقول: بل اشكر فضل أستاذي الذي علمني هذا العلم، يريد أستاذه الذي نترجم له في هذه العجالة، عنيت الشيخ موسى مغنية، هذا الذي أطلق عليه بعضهم لقب سيبويه الثاني، لقب إن دلَّ على شيء فإنّما يدل على طول باع هذا العلامة في هذا العلم الذي تستقيم به اللغة، وبه يكتمل فهم الآيات القرآنية، والنصوص الدينية من رواية أو حديث.

هذا من علمه بنحو العربية وصرفها، أمّا في الشعر، وهو فنّ ثقفه الشيخ وأجاد فيه كل الاجادة، فإن من المؤسف حقاً، وبسبب عاديات الدهر، وتعرض العديد من صحائفه وأوراقه للتلف أو الإهمال، أن لا يصلنا من شعره سوى النزر اليسر،وقد ضاع الكثير،لكن ما بقي منه وهو ما يتميز بالأصالة والإبداع، كفيل بالدلالة على موهبة نادرة في حسن التصوير، وبراعة التعبير، وجدّة الرأي والتفكير، وإنَّ منه تخميس الشيخ لأبيات من قصيدة أبي فراس الحمداني، قالها في مدح أئمّة أهل البيت (ع) ومطلع القصيدة هو :

الدين مهتضمٌ والحق مخترمُ                           وفيء آل رسول الله مقتسمُ

وتخميسه الآخر لعدّة من أبيات قصيدة الحمداني الثانية الذائعة الصيت ومطلعها :

أرَاكَ عَصِيَّ الدّمعِ شِيمَتُكَ الصّبرُ                    أما للهوى نهيٌّ عليكَ ولا أمرُ

أمّا تخميس مترجَمنا لهذا الشعر فإنَّ منه:

اجُنَّ الذي عن حمله يثقل الدهرُ                وبي فرطُ أشجانٍ يضيق بها الصدرُ

           وقائلةٍ لي والحشا ملؤه جمرُ

أرَاكَ عَصِيَّ الدّمعِ شِيمَتُكَ الصّبرُ                           أما للهوى نهيٌّ عليكَ ولا أمرُ

فعيني لما تهوى إليك مطيعةُ                             وأذني لما توحي إليّ سميعةٌ

فقلتُ وبي من صبوة الحبّ لوعةٌ                       بلى أنا مشتاقٌ وعنديَ لوعةٌ

        ولكنَّ مثلي لا يذاعُ لهُ سرّ

أما وسواد الليل والنجم إذ هوى                       فما ضلَّ قلبي عن هواكم وما غوى

أبيتُ ولي قلبٌ يفتّته الجوى                           إذا اللَّيلُ أضواني بسطتُ يدَ الهوى

             وأذللتُ دمعاً منْ خلائقهُ الكبرُ

سلامٌ إلى روح الشيخ موسى آل مغنية في مثواه، سلامٌ عليه شاعراً، وسلامٌ عليه عالماً متبحّراً صاحب مدرسة علمية متنقّلة ـ انتقل إلى رحمته تعالى سنة ١٣٥٨هـ ـ ما كان أفصح لسانه وأنصح بيانه.


المصادر:

  • (1) ظاهر، سليمان، معجم قرى جبل عامل ١/٦١ ـ ٦٢، دار التعارف، بيروت ٢٠٠٦.
  • (2) أنظر ترجمته في: أعيان الشيعة ١٠/٧٨، دار التعارف، بيروت ١٩٨٣.
  • وانظر ترجمته مفصلة في: منارة الفقهاء، الشيخ موسى مغنية، ليوسف نظام الدين فضل الله، دار البلاغة، بيروت ٢٠١٠.
  • (3) أعيان الشيعة ١٠/١٨٢.
  • (4) أنظر ترجمته في: أعيان الشيعة، ١٠/١٧٢ ـ ١٧٨.
  • وأنظر بعضاً من سيره في: تكملة أمل الأمل، للسيد حسن الصدر ١٢٥ و١٦٩ و٣٢٠ الأضواء، بيروت ١٩٨٦.
  • (5) الحر، محمد: أمل الأمل في علماء جبل عامل ١/١٨٧، مؤسسة الوفاء، بيروت ١٩٨٢.
  • (6) نفسه، ١/١٧٦ و١/١٩٠.
  • (7) منارة الفقهاء، ٩٢ ـ ٩٣.
إغلاق