أخلاق

اللسان

229-230

بقلم: مرتضى السيد حيدر شرف الدين

 

جعل الله للسان مكانة بين الجوارح لم يجعلها لغيره من الأعضاء؛ فهو قوام إنسانية الإنسان الظاهرية، لكونه المفصح عن مكنونات قوام إنسانيته واقعاً ـ أي العقل ـ فهو ترجمانه الأمين الذي يظهر رجاحته أو خموله، ومواقفه و ميوله؛ حتى قال أمير الكلام (ع): “ما الإنسان لولا اللسان إلا صورة ممثَّلة أو بهيمة مهمَلة”(1).

فباللسان تظهر قدرة الإنسان على الاختيار. فالناس تأخذ على الإنسان ما صدر عن لسانه فتقيِّمه على أساسه وتؤاخذه على مضامينه.

ومن هنا حثَّ الشارع الأقدس الناس على مراقبته وضبطه حفاظاً على صورة الإنسان المعنوية وعلاقاته بمحيطه وبخالقه لما يترتب على ما يصدر عنه من آثار.

ولذا جعل الإمام الصادق(ع) نجاة المؤمن في حفظ لسانه(2)، وعدَّ أمير المؤمنين(ع) اللسان سبعاً إن أطلقته عقر (3) فدعا إلى حبسه قبل أن يطيل حبس صاحبه ويرديه، خاصة إذا كان عادلاً عن الصواب ومتسرِّعاً إلى الجواب(4)، فالكلمة أسيرة وثاق الرجل فإن أطلقها صار أسيراً في وثاقها(5).

حتى أنّه (ع) مرَّ برجل يتكلم بفضول الكلام فوقف عليه وقال: “يا هذا إنّك تُملي على حافظيك كتاباً إلى ربك فتكلم بما يعنيك ودع ما لا يعنيك”(6).

وكذلك ولده سيد الشهداء(ع) حيث أوصى حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنه قائلاً: “لا تتكلمن فيما لا يعنيك فإني أخاف عليك الوزر ولا تتكلمن فيما يعنيك حتى ترى للكلام موضعاً”(7). فللخلل الكمي والنوعي للكلام تأثيره السلبي على مسار حياة الإنسان في الدنيا ومصيرها في الأخرى.

يقول أمير المؤمنين (ع): “إياك وفضول الكلام فإنه يظهر من عيوبك ما بطن ويحرِّك عليك من أعدائك ما سكن”(8).

فزلات اللسان مفتاح الدخول إلى غياهب اللاوعي ـ كما قرَّر علماء النفسـ فإذا انكشفت مكنوناته ظهرت عيوبه ونقاط ضعفه فتلقفها الأعداء وتحركوا بعد ترقُّب لمحاربته بها. كما أنه بكشفه لمكنونه يظهر لأعدائه ما يكنه لهم من الشحناء فيحرك ضغائنهم بعد سكونها ويخرج أحقادهم إلى عالم الفعلية.

كما أنَّ كثرة الكلام تنقض الغرض المراد منه ـ وهو البيان والإفهام ـ لما يلازمها من تشعُّب عن الفكرة الرئيسة وتمدُّد في المعاني موجب لملالة السامع وفوت المعنى عليه بتشتيت ذهنه بين الأفكار الفرعية.

وفي هذا يقول أمير المؤمنين(ع): “كثرة الكلام تبسط حواشيه وتنقص معانيه فلا يُرى له أمد ولا ينتفع به أحد”(9).

كلّ هذا في الدنيا، وأمّا في الآخرة فكفانا أنَّ الحبيب المصطفى (ص) جعل كبَّ الناس على مناخرهم في النار حصائد ألسنتهم مستخدماً أداة الحصر (إلا)؛ حيث قال لمن طلب منه وصية “احفظ لسانك” وحين ساءله في ذلك قال له: “ويحك، وهل يكبّ الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم” (10).

فكلمة ترضي الله توصل الإنسان إلى رضوانه إلى يوم يلقاه، وكلمة تسخط الله توصل الإنسان إلى سخطه إلى يوم يلقاه يقول الحبيب المصطفى(ص): “إن الرجل يتكلم بالكلمة من رضوان الله جل ثناؤه فيكتب له بها رضوانه إلى يوم القيامة، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة في المجلس ليضحكهم بها فيهوي في جهنم ما بين السماء والأرض”(11).
ذلك أن كلمة قد تصدر عن شخص فتصل إلى المشارق والمغارب فتسفَك بها الدماء وتُنهَب الأموال وتُنتَهك الأعراض فيبوء بإثم هذه الجرائم كلّها، إذ هو الشريك المسبِّب لها بلسانه.

كمـا أنَّ الكـلام ـ بـوصفـه نـاطقـاً عـن العقل ـ فهـو كاشـف عن معالم شخصية الإنسـان، فـالمـرء مخبـوء تحـت لسـانه.

ومن هنا، فقد بيَّن لنا أهل البيت(ع) مجموعة صفات يمكن لنا استكشاف وجودها فـي إنسـان مـا بمـجرد مراقبتـه فـي منطقـه فنحكـم بوجودهـا أو عدمـه.

فهذا سلطانهم الضامن وإمامهم الثامن(ع) قد جعل الصمت ثالث علامات الفقه في الدينـ إلى جانب العلم والحلم ـ وباب من أبواب الحكمة،ومكسبة للمحبة ودليل على كل خير (12).

وهذا أميرهم الأكبر(ع) قد جعل من فقه الرجل قلة كلامه فيما لا يعنيه (13)، كما جعل نقص الكلام أمارة تمام العقل(14) حيث وصف العاقل بأنّه: “لا يتكلم إلا بحاجته أو حجّته” (15).

كما جعل سيِّدهم المصطفى (ص) استقامة اللسان دليل استقامة القلب الدال على استقامة الإيمان. (16)

وبالمقابل، فإنَّ إطلاق اللسان بما يشاء من كلام علامة لكثير من الموبقات:

فالجاهل أسير لسانه كما أبان هادي العترة (ع) (17)، وهانت عليه نفسه من أمَّر عليها لسان (18)، كما ذكر أمير العترة(ع) الذي لم يكتفِ بمنع الكلام فيما لا نعلم بل تجاوز ذلك ليقول: “لا تتكلَّم بكل ما تعلم فكفى بذلك جهلاً”(19).

ولا يخفى أنَّ الجهل في الأخبار يقابل العقل لا العلم كما هو الشائع في استخداماتنا.

هذا الضبط يؤدي ـ بمقتضى الترويض والاعتياد ـ إلى تعوُّد اللسان على قول التي هي أحسن والصمت عن سواها، وهنا يصبح الكلام شمساً والصمت قمراً، وشتّان بين مصدر النور وعاكس النور، كما نطق الحق بلسانه الناطق سجاد العصمة وزين عباد الأمة(ع) حيث سئل عن الكلام والسكوت فقال: “لكل واحدٍ منهما آفات، فإذا سلما من الآفات فالكلام أفضل من السكوت”. قيل: وكيف ذلك يا ابن رسول الله؟! فقال: “لأنَّ الله (عزّ وجلّ) ما بعث الأنبياء والأوصياء بالسكوت، إنما بعثهم بالكلام، ولا استحقَّت الجنة بالسكوت، ولا استوجبت ولاية الله بالسكوت، ولا تجنب سخط الله بالسكوت، إنما ذلك كله بالكلام. ما كنت لأعدل القمر بالشمس، إنما تصف فضل السكوت بالكلام، ولست تصف فضل الكلام بالسكوت”(20).

وليس هذا بدعاً من القول، فجده المختار (ص) من قبله جعل السكوت خيراً من إملاء الشر وإملاء الخير خيراً من السكوت(21)؛ ونهى العالِم عن السكوت على علمه وعدم نشره، والجاهل عن السكوت على جهله وعدم السؤال(22).

وجدُّه الكرار(ع) جعل اللسان الصادق في الناس خيراً للمرء من مالٍ يورثه لمن لا يشكر له ذلك. (23)

فحسن الكلام يوجب حسن السيرة وأمن اللوم، وحفظ اللسان يؤدي إلى كرامة الإنسان، وعذوبته تكثر الإخوان، يقول أمير المؤمنين(ع): “ليِّن الكلام وابذل السلام يكثر محبوك ويقل مبغضوك(24). ولنعم ما قال سيد الساجدين(ع): “القول الحسن يثري المال وينمي الرزق وينسئ الأجل ويحبِّب إلى الأهل ويدخل الجنة”.(25)
وليس هذا صعباً على أحد، فاللسان بضعة من الإنسان، لا ينطلق إن منعه ولا يمسك إن أطلقه(26)، فهو يستدعي ما عوَّدته عليه كما أنَّ نفسك تطلب ما ألِفَته منك.

نعم، يحتاج الأمر إلى دقة وتروٍّ قبل الكلام وعدم انجرارٍ خلف العواطف والإنفعالات، وخاصة في مقامي المدح والذم.

يقول أمير المؤمنين (ع): “قلّما ينصف اللسان في نشر قبيحٍ أو إحسان”. (27)


المصادر:

  • (1) الواسطي؛ عيون الحكم والمواعظ؛ ص ٤٨٣.
  • (2) المجلسي؛ بحار الأنوار؛ ج٧١؛ ص٢٨٣.
  • (3) الواسطي؛ عيون الحكم والمواعظ، ص ٤٦.
  • (4) المصدر نفسه، ص ٨١.
  • (5) الكراجكي، كنز الفوائد، ص١٨٦.
  • (6) الصدوق؛ مَن لا يحضره الفقيه؛ ج٤؛ ص٣٩٦.
  • (7) الكراجكي؛ كنز الفوائد؛ ص١٩٤.
  • (8) الواسطي؛ عيون الحكم والمواعظ؛ ص٩٩.
  • (9) المصدر نفسه؛ ص٣٩٠.
  • (10) الكليني؛ الكافي؛ ج٢؛ ص١١٥.
  • (11) الشيخ الطوسي؛ الأمالي؛ ص٥٣٦.
  • (12) الكليني؛ الكافي؛ ج٢؛ ص١١٣.
  • (13) الشيخ الطوسي؛ الأمالي؛ ص٦٢٢.
  • (14) نهج البلاغة؛ ج٤؛ ص١٥.
  • (15) الواسطي؛ عيون الحكم والمواعظ؛ ص٢٣.
  • (16) نهج البلاغة؛ ج٢؛ ص٩٤.
  • (17) القمي؛ الشيخ عباس؛ الأنوار البهية؛ ص٢٨٦.
  • (18) نهج البلاغة؛ ج٤؛ ص٣.
  • (19) الواسطي؛ عيون الحكم والمواعظ؛ ص٥١٨.
  • (20) الطبرسي؛ الاحتجاج؛ ج٢؛ص٤٦.
  • (21) الشيخ الطوسي؛ الأمالي؛ ص٥٣٥.
  • (22) الطبراني؛ المعجم الأوسط؛ ج٥؛ ص٢٩٨.
  • (23) نهج البلاغة؛ ج١؛ ص٢٣٣.
  • (24) الواسطي؛ عيون الحكم والمواعظ؛ ص٣٤٠.
  • (25) الصدوق؛ الخصال؛ ص٣١٧.
  • (26) الواسطي؛ عيون الحكم والمواعظ؛ ص١٠٨.
  • (27) المصدر نفسه؛ ص٣٦٩.
إغلاق