آفاق معرفية

المعقول واللامعقول والمنطق الآخر

بقلم: حسن العاملي(*)

 

في حياتنا اليومية، إعتدنا أن نشاهد ظواهر نراها مألوفةً ومعقولةً، كونها تتماشى مع الفطرةِ أو المنطق أو التعليم، فهي لا تثيرُ فينا غريزة التساؤل وحب الإستطلاع. لكننا لو شاهدنا ظاهرةً، غير مألوفةٍ، لاعتبرناها (غير مفهومة). أي أنَّها تخضعُ إلى منطق آخر يختلفُ عن منطقنا الفطري. بعض الظواهر الطبيعيةِ تحدثُ نادراً، و تثير في نفوسنا الخوف والتساؤل. مثل خسوف القمرِ أو كسوف الشمسِ، أو الزلازل والبراكين، أو النيازك والشهب، أو المذنّبات، كمذنّب هالي الذي يزورنا من آخر المجموعة الشمسية، كلّ ثلاثة أرباع القرن، مرةً واحدة. أو غزل العنكبوت: أي (لعاب الشمس، أو مخاط الشيطان، أو  “gossamer”) التي  تسقطُ على الأرضِ من السماء، ثم تغطي مساحاتٍ شاسعةً بخيوطٍ حريرية، كلّ 35 سنة مرَّة.

لماذا تبقى السمكةُ في الشبكةِ ويذهب الماءُ في حال سبيلهِ؟

هذا سؤالٌ يبدو أنّه طفولي ومضحك، ولكنّه يفتحُ باباً للتفكير والتأمُّل. السلةُ تحمل حجراً، ذلك لا يثيرنا فكلاهما صلبٌ. والسلةُ لا تحملُ سائلاً، لأنّه يخضعُ إلى منطقٍ آخرَ. كذلك يتمرَّد الغاز على السائل والصلب، والسائلُ يتمرَّد على الصلب وعلى الغاز.

من تزاوجِ حالاتِ المادةِ، تنشأُ ظواهرَ ندعوها (اللامعقول). منها ما تولِّده الطبيعة ومنها ما يصنعه الإنسان. هل رأيتم مثلاً : غازاً متجمداً يُحمَلُ باليد: إنَّه (غاز ثاني اُوكسيد الفحم). وهل شاهدتم حجراُ يطفو على سطحِ الماء: إنّه (حجر الخفان) أفلا يحقُّ للسمكةِ أن تبقى في الشبكةِ وتترك الماءَ ينسابُ نحو الماء؟!

المعقول واللامعقول:

كثير من الظواهر غيرِ المألوفةِ تكون من صنعِ الإنسان. بعضُ الناسِ يصفها بأنّها (سحرٌ أبيضٌ)، الذي يختلفُ عن السحرِ الأسود: سحرُ الشعوذة والتلاعب وتعمية الأبصار. المنطق (السحري الأبيض) غير معقول، رغم أنّ خفاياه تخضع للعلمِ وإلى منطقنا المألوف. فيما يلي بعضُ المشاهدِ:

العنبُ في القنينة:

هذه تجربةٌ توضحُ (اللامعقول) غير المألوف.

ـ نعلِّقُ قنينةً في عريشة عنب، ثم ندخلُ برعماً صغيراً من براعمها في فوهة القنينة ونترك البرعمَ يتغذى من أمه العريشةِ طوال الصيف.

ـ  في آخر الموسم، نشاهدُ عنقوداً من العنبِ وقد نما وأخذ كاملَ حجمِ القنينةِ وشكلها وكأنّما هو سائلٌ قد سُكب فيها.

ـ كلُّ شيءٍ في هذه التجربةِ طبيعيٌ وواقعيٌ، ورغم ذلك نرى عجباً من عنقود عنبٍ في داخلِ قنينة.

الخيطُ يمرُّ من قالب الثلج ولا يقطعه:

أولاً: نعلقُ قالباً طولياً من الثلج على ركيزتين جانبيتين، ليصبح جسراً في الهواء، ثم نأخذ خيطاً من النايلون ونعلّقُ على طرفيه ثقلين متساويين، فيبدو كأنّه ميزانٌ بكفَّتين، ثم نضعه من فوق سطح قالب الثلج.

بعد فترة يبدأ الخيطُ بقصِّ الجليد، رويداً رويداً، حتى يسقط على الأرض. أمّا لوحُ الثلجِ فيبقى معلّقاً في مكانهِ كما كان، دون أن يترك أثراً لمرور الخيطِ من خلاله.

ما حدث هو أنّ الخيط وهو يتدلى نحو الأسفل، اذاب الثلج من تحتهِ ثم تجمَّد الماءُ من فوقهِ مباشرةً. مثل هذا وإن حدث في الواقع فهو سيظلّ (غير معقول) في منطق الصلابةِ.

سلسلةٌ من الرخام:

من الجائز أن نشاهد يوماً ما وفي مكانٍ ما، سلسلةً ذات حلقاتٍ من الرخام مترابطةً مع بعضها بإنتظام، أو أخرى من خشبٍ أو من عظمِ العاج. هذه السلسلةُ يمكن تحريكها كالمسبحة.

تلك السلاسلُ كانت قبل أن ينتحتها النحاتُ، قطعةً مستطيلةً من الرخام او الخشب أو عظم العاج، ثم حفرها النحات إلى حلقاتٍ متداخلةٍ وهي في مكانها.

تلك التجارب تبيِّن أن (اللامعقول) هو أمرٌ نستغربه، لكنّه في الواقع أمرٌ طبيعيٌ. مثل ذلك كمثل من لا يفهم غير لغته التي نشأ عليها، أمّا اللغات الأُخرى فهي بالنسبةِ اليه رطانةٌ (غيرُ مفهومة).

الخيارة تُقطَع إلى أربعٍ وتبقى كما هي هذه تجربةٌ يمكن إجراءها على مائدةِ الطعام، للتحايلِ على منطقِ الصلابة:

نأخذ خيارة، ثم نقطعُ أولاً، قُمعيها الاثنين بالسكين، وليكن رقم القمعِ العلوي هو (1) ورقم القمعِ السفلي هو (2). ثم من القمعِ العلوي رقم (1) نقطعُ الخيارة إلى نصفينِ، بحيث لا تصل السكينُ إلى نهاية القمعِ رقم (2). بعد ذلك نقلبُ الخيارة إلى الأعلى. ومن القمع رقم (2)، نقطعُ الخيارة إلى نصفينِ، بحيث لا تصل السكينُ إلى نهاية القمع رقم (1). في النتيجة، تبدو الخيارة كما هي، لكنّها مقطَّعة إلى أربع أعمدةٍ متساوية ومتصلةٍ ببعضها. وإذا تركناها على المائدةِ، ترجعُ خيارة كاملة، كأنّها لم تُقطع بالسكين.

 منطقُ الصلابةِ:

أغلبُ الناسِ يرى أنّ منطقنا هو الوحيد السائد في الكون وأنَّ كلّ ما هو منطقي هو معقول، وكلّ ما هو غير منطقي فهو غير معقول. ما نعنيه بمنطقنا الذي تعودنا عليه وألفناه، هو أنّ 1+1 = 2، وأنَّ الأصغرَ لا يسع الأكبر، وأن هذا الشيء لا يمكن أن يكون هنا وهناك، في آنٍ واحد. ولكن لماذا يسمح للغاز أن يأخذ حجماً أكبر من حجمه أو أصغر منه وليس مسموحاً للحجرِ أن يفعل ذلك؟ ولماذا يسمحُ للسائلِ أن يتّخذ شكل الإناء الذي هو فيه ولا يسمحُ له أن يخرج من القفص ولا يسمحُ لقطعة خشب أن تفعل ذلك؟

وكيف تستطيعُ الحيةُ أن تمرَّ من ثقبٍ أصغر من جسمها؟ وهل تستطيعُ أن تفعل ذلك لو كانت من مادةٍ صلبةٍ ؟ فلكلٍّ من الحالة الغروية والحالة السائلة والحالة الغازية، منطقُها الخاصُ بها. فالحالة الغرويةُ تتمرَّد على الحالةِ الصلبةِ، وهي أصلُ الحياة والخلق.

المثلث بزوايا أكثر من 180 درجة:

من المعروف أن مجموع زوايا المثلث يساوي 180 درجة.

إذا رسمنا مثلثاً على ورقٍ من مطاط، تصبحُ مجموع زواياه 180 درجة، ولا غرابة في ذلك. أمّا إذا مططنا الورق من جميع الجهات يصبح مجموع زواياه أكبر من 180 درجة. وإذا رسمنا على بالون دائرة، ثم نفخناه، تصبح الدائرةُ المسطحةُ جزءاً من كرةٍ مجسمةٍ.

وهل من المعقول، أن تتشكَّل أصلبُ مادةٍ نعرفها (الماس)، من مجموعة فراغات شاسعة تفصلُ بين ذرّاتها بحيث تسمح للضوءِ أن يمرَّ من خلالها بكلِّ حرية.

وهل من المعقول أن تتحول الطاقةُ إلى مادةٍ صلبةٍ نضعها في جيوبنا؟ 

منطقنا إذاً هو منطقُ الصلابةِ الذي لا ينطبق على السوائلِ، ولا على الغازات، ولا على الحالة الغرويةِ، ولا على القوى الذرّية، ولا على الجاذبية. وإذا اعتمدنا فقط على منطق الصلابة، فسنصادفُ كثيراً من  الظواهر الغريبةِ كتموجات الضوء والكهرباء والزمن وكثيراً من أسرار الكون الخفيةِ التي لا تصل إليها عُقولنا.

هل في الكون منطقٌ آخر؟

من الظواهرِ الغريبةِ أنّ المادة لا تتصرَّف في داخل الذرّة كما في خارجها. كمثلٍ لذلك: في داخل الذرةِ، لا تتنافر شحنتان موجبات بل تتجاذبان، بعكس ذلك في خارجها. وإذا التقى (اليكترون) مع (بيزترون) فذلك يفنيهما كليهما، فتنعدم المادةُ. فكيف يمكننا أن نفهم ذلك من منطق الصلابة؟ هذا الموقف يشبه تطبيق قوانين البشرِ الأحياء على الأموات، وهم في قبورهم؟

في الكون أسرارٌ وآلياتٌ كثيرةٌ تخفى علينا.

نعرفُ ذلك حينما يقف العقلُ حائراً أمام ظاهرةٍ تبدو (غير مفهومةٍ) لسببٍ نجهلهُ. فالمعقولُ لدينا، هو ما يحدثُ في مكانٍ معيّن وزمانٍ معيّن ولسبب نعرفه، هذه هي حدودُ قدرتنا العقلية.

في الكون كثيرٌ من الظواهرِ، بعضها واضحٌ للعيان وبعضها مستتر. أكثر الناس يخافُ من الأجسامِ الصلبةِ التي تطحن أو تحطم، أو من سيولٍ تكسر السدودَ وتجرف الصخورَ، أو من العواصفِ التي تزعزع الصلب وتحطّم الأشجار وتتلاعب بأمواج البحارِ. أمّا القوى العظمى المدمِّرة فتخرق أجسامنا دون أن نشعر بها أو نسمعها أو نلمسها أو نذوقها أو نشمّها، مثل: الجاذبيةِ والكهربائيةِ أو المغناطيسيةِ أو الذرية. في الكون أكثر من منطق واحد، لكنّنا تعوَّدنا في حياتنا أن لا نتعامل إلّا بمنطق واحد.

المنطقُ الحيوي :            

تتشكل المادةُ الحيّةُ من الحالةِ الغرويةِ، فلا هي سائلةٌ ولا هي صلبةٌ. فمن غيرُ الممكنِ أن نجد كائناً حياً في حالةِ الصلابةِ أو السيولةِ أو الغازيةِ. أمّا المادةُ الهلاميةُ الغرويةُ، فهي من أبوين مختلفينِ: هما الصلابةً والسيولةُ. لذلك، فهي تلتهم السائل والصلب والغازات، وتركّب منها مقوّمات الحياة التي تعمل جميعها بتناغم وبمنطق الحالة الغروية. من هذه المرونةِ تنشأ الحياةً وتمنح الكائن الحي الإرادةَ لتغيير مظهره أو لونهِ أو صفاتهِ خلال مراحلَ حياتهِ.

” وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ” [الإسراء: 85].

أين الشجرة؟  

الشجرةُ في داخل البذرة، وإن لم تكن مرسومةً فيها. والبذرةُ في داخلِ الثمرةِ، وإن لم تكن مرسومةً فيها. والثمرةُ في داخل الزهرة، وإن لم تكن مرسومةً فيها.  والزهرةُ في داخلِ الشجرة وإن لم تكن مرسومةً فيها. والشجرةُ في داخلِ البذرة، وإن لم تكن مرسومةً فيها. فأين تكون الشجرةُ؟ الجواب لدى الحالةِ الغروية.

أهمُّ صفةٍ للكائن الحي هي (المنطقُ الحيوي)، الذي يختلف عن أيِّ منطقٍ آخر في الكون. كلُّ ما يجري في الطبيعة، يبدأ من السبب ويتَّجه نحو النتيجةِ. أمّا في (المنطق الحيوي)، فنبدأ بالنيجةِ ثم نفتش عن السبب، وهذا ما نسميه بالإرادةِ. فلكي نشعلُ ناراً نفتشُ عن وسيلةٍ لذلك. والعطشانُ يفتش عن الماء (السبب)، والجائعُ يفتشُ عن الطعام (السبب)، ومن له هدفٌ (نتيجة) يفتِّشُ عن الأسباب التي توصله إلى (هدفه). كذلك، يفتِّش النبات عن نورِ الشمسِ (السبب) ليصنع منه الغذاء. فأيُّ منطقٍ في الكون يقارن بقدرة الله سبحانه وتعالى في الخلقِ وإلابداع وما نعلمه وما لا نعلمه؟

” إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَىٰ ۖ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ ”  (الانعام : 95)

  “وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ” ( الروم: 20)


(❋) عضو معاهد الهندسة البريطانية، مدرّب تقني، كاتب ومترجم.
إغلاق