من سير الأطهار/ أدب ملتزم

جوهر الحبّ

أدب ملتزم

بقلم: رجاء محمد بيطار

 

وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ( سورة ق،١٦)

” من عرف نفسه فقد عرف ربه ” (1)

وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا

( سورة الشمس، الآيات ٧،٨،٩،١٠)

 

أيتها النفس المطمئنة، هلّا تمهّلتِ قليلاً قبل أن تعودي إلى ربك راضيةً مرضية، .. هلّا أفضتِ علينا شيئاً من نقائك لتَطهُر الطوية وتَسْلَم النية، فنرقى في سلّم الكمال إلى المراتب العليّة؟!

لقد خلقنا الله من نفسٍ واحدة، فما بالها قد غدت منفصلةً إلى نفسين، نازلةٍ وصاعدة، جاهلةٍ وعابدة؟!

.. أفلا تشعلين لنا نبراسك المبين، لنستبين أي الفريقين أهدى وأيهما أضل سبيلا؟!

بلى، وإننا لنعلم، أن الأقوم والأسلم من اتبع الهدى، وأن الهدى هدى الله يهدي به من يشاء، ولكننا كذلك نعلم أنّ  ” اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ” (الرعد:١١)، وهو قد خلقنا من آدم، الذي سوّاه ونفخ فيه من روحه، حتى جعله بشراً سويا، وأسْجَدَ له ملائكتَه إذ جعل له ما ليس لهم، وأمرهم بذلك فأطاعوه، وحاسب به إبليس وجنده، إذ رفعه فوقهم فرفضوا مشيئته وعصَوه، وقد فضّله على كثيرٍ ممن خلق تفضيلا، .. ولقد أخذهم الكره له ولذريته والحقد عليه وعليهم، ولو أنصفوه وأنصفوا أنفسهم وآمنوا بربهم حق الإيمان وعبدوه حق العبادة، لكان خيراً لهم .. وما نَفَعَ إبليسَ ما عبد من قبل، لأنه لم يطفئ في قلبه جذوة البغض والحسد والغلّ، وهي لعمري أساس كل شر قديمٍ ومستجد، ولو فعل لما هلك من الجِنة والبشر أحد.

إيه أيّتها النفس، تنوئين بحملك من المهد إلى الرمس، وتتدسَّين فتهبطين وتخيبين، أو تتزكَّين فترتقين، فأي شيء يقيك الضلالة والغواية، وأي سلاحٍ تنتضين لتصلي سالمةً غانمةً إلى شطّ الهداية؟!

أهو العقل الذي خاطبه الباري جلّ شأنه، أن ” أقبِلْ فأقبل « و»أدبرْ فأدبر” (2)، فكان فيما خُلق من أجله المطيع الأكبر، حتى جعله المولى مقياساً وأساساً للحساب، من عقابٍ وثواب؟!

ويلاه..  ولكن ظلمات العقل رهيبة، هي قد تسوق الإنسان إلى التيه بدلاً من أن تهديه، فما العمل؟!

وكيف تتحصّن هذه النفس بالأمل، حتى تدرك أنّها بالغةٌ غايتَها، دونما خشيةٍ على العلل من الشطط والخطل والزلل؟!

ولكن .. رباه “.. متى غِبت حتى تحتاج إلى دليل” (3)؟!

بلى، فالدليل فينا، وهو لا يحتاج إلى كثير تعليلٍ وتحليل..

“وتحسب أنك جرمٌ صغيرٌ         وفيك انطوى العالم الأكبرُ” (4)

وإنما هو هوى النفس، يجنح بنا ويزيّن لنا ذاك السبيل!

فكيف تتحصّن النفس إذاً من هواها، وتميّز بين ما يصلحها أو يفسدها، ويضلها أو يرشدها؟!

هو التمسك بذلك الحبل المتين، الذي” ما إن تمسّكنا به فلن نضلّ أبدا، كتاب الله وعترة نبيه (ص) (5)! ”

وقد تراودنا النفس، أن كيف نتمسّك بما لم نوقن، جازمين بأنه هو المسلك؟!

وتُشرق فوق رؤوسنا أشعةٌ قدسيةٌ تزلزل جوانب الليل الأحلك، وتشير بإصبعٍ من نورٍ إلى حقيقة ما نملك:

“هو أقرب إلينا من حبل الوريد!”

فلننظر جيداً في ذلك القرب، حيث يبصر القلب ما يضمّه القلب، وتعانق الجوارح جوهر الحب..

هو الكمال المطلق الذي لا يماثله كمال..

هو الجمال الذي يتماهى به كل جمال..

هي تلك الشخوص النورانية التي أراد الله بها أن يُظهر لنا أكمل الخصال، وأن يعكس على صفحتها النقيّة المشرقة صفات ذاك الجلال، فإذا حبنا لها وعشقنا إياها وتماهينا بها هو حبٌّ وعشقٌ للعليّ المتعال.

وحينما يمتلئ الوجود حباً، وتستحيل النفس قلباً، تتزكّى وتُفلح، وتترقّى وتنجح، وتبلغ غاية القرب في معرفة الرب.

حينئذٍ، تعود إلى ربها راضيةً مرضية، لتدخل في عباده، وتلِج جنّته العليّة، فهي إذ عرفت ما لأجله خُلقت، وتزكّت وتعلّقت بمن عشقت، جذبها ذاك الحبل الممدود بين الأرض والسماء، فارتقت ونجت من تلك الأهوال، وغدت ممهورةً بخاتم الآل، والتحقت بهم في كل الأحوال، فبلغت غاية المأمول وحسن المآل.

هو ذاك الهدف المنشود، أن نصل إلى الرشد فنفهم معنى الوجود، أن نتمسّك بالحبل الممدود، وأن نسلّم لله ورسوله وآله تسليماً، فندرك حقاً جوهر الحب الذي يجاوز كل الحدود، ونرتقي في سلم الكمال صعودا.


المصادر:

(1) الإمام علي (ع).

(2) حديث قدسي.

(3) الإمام علي (ع).

(4) الإمام علي (ع).

(5) حديث شريف عن النبي(ص) في خطبة الوداع.

إغلاق