وهدوا إلى صراط الحميد

عالِم البِحار « جاك كوستو »

يكاد يكون الإسلام الدين الأسرع انتشاراً بين الناس في فرنسا.....

 

يكاد يكون الإسلام الدين الأسرع انتشاراً بين الناس في فرنسا، ليس فقط بين السكان العاديين بل كذلك بين الأشخاص البارزين في مجالات المعرفة والعلم والنشاطات المختلفة.

ولعلّ أحد أبرز هؤلاء الأشخاص، عالِم البِحار جاك إيف كوستو الذي كرَّس حياته لدراسة البحار والمحيطات، وبما فيهما من أشكال الحياة كما كان عضوا في أكاديمية اللغة الفرنسية.

يقول كوستو في عبارة شهيرة: «لقد رأيت آيات الله الباهرة في هذه البحار التي درستها لسنوات طويلة من حياتي، ثم وجدت القرآن الكريم قد تحدّث عنها وذكرها قبل 14 قرناً».

وعندما سُئل عن الأمر، أجاب: لقد درست مضيق جبل طارق ومضيق باب المندب عند البحر الأحمر، حيث يفصل الأول جبل طارق ما بين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، ويفصل الثاني ما بين البحر الأحمر وبحر العرب والمحيط الهندي، وكان من المفترض أنّ المحيط الكبير يطغى بمائه على البحر الأصغر منه، كمثل الأواني المستطرقة ولكن هذا لم يحدث ولن يحدث أبداً، لقد وجدت أنّ هناك بحراً ثالثاً يفصل بينهما، هذا البحر له خصائصه التي يتفرّد بها عن البحرين، وهذا التفرّد في كلّ شيء، في الملوحة والكثافة وفي الأسماك وفي درجة الحرارة، بل الأمواج والأسماك لا تدخل هذا الفاصل أبداً.

وحدَّثت أحد البحّارة الزملاء من أهل اليمن، فقال لي: إنّ هذا الأمر الذي ذكرت موجود في القرآن الكريم وتلى عليّ هذه الآيات: مرج البحرين يلتقيان*بينهما برزخ لا يبغيان (الرحمن: ٢٠،١٩)، وقوله تعالى: “أمّن جعل الأرض قراراً وجعل خلالها أنهاراً وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزاً أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون(النمل: ٦١) .

إنّ هذه اللفتات العلمية تدلّ دلالة واضحة وصادقة وقاطعة أنّ الله هو الذي أنزل على محمد (ص) هذه الآيات وهذا القرآن العظيم، وإلا فمن أخبر محمداً (ص) بأنّ هناك حواجز وفواصل مائية بين البحار والمحيطات؟

إنّه الله .. إنّه الله.

ويواصل جاك كوستو حديثه قائلاً:

والأمر الآخر الذي دعاني إلى الإسلام هذه الآية: “ والطور* وكتاب مسطور* في رق منشور* والبيت المعمور* والسقف المرفوع * والبحر المسجور” (الطور: ١،٦)، إنّها آية عجيبة ورهيبة..

البحر المسجور أي: البحر يشتعل نيراناً، نعم إنّ كل المحيطات والبحار الكبرى تخرج من قيعانها النيران وقد صورنا هذه الظاهرة .. نعم صورناها ودرسناها.. ألم أقل لكم إنّ هذا القرآن من الله وليس من عند محمد (ص).

نبذة تاريحة عنه وعن إنجازاته في علوم البحار:

يكاد يكون جاك إيف كوستو المتفرد بتعريف ملايين البشر بالجزء المغمور تحت الماء من العالم، ورحلة كوستو مع البحر التي استغرقت ستين عاماً لم تكن مجرّد مغامرة استكشاف، فـ «تقني المحيطات» كما كان يسمي نفسه قد أسهم في ابتكارات ومشاريع ترتكز عليها كثير من الأبحاث البيئية اليوم.

ولد ـ كوستو ـ منتصف عام 1910، وبدأ اهتمامه بالابتكار في سنّ الحادية عشرة قبل أن يُنمي اهتماماً بتصوير الأفلام ثم ليتبلور شغفه بآليات الغوص واستكشاف الأعماق بعد تخرجه من الأكاديمية البحرية والتحاقه بسلاح البحرية الفرنسي.

خلال الحرب العالمية الثانية اشتغل كوستو بأعمال استخباراتية لصالح الجيش الفرنسي، وفي العام 1943 وضع مع زميله المهندس ” إيميل غاغنان” تصميم رئة الماء ” Aqualung ” أو اسطوانة الهواء المضغوط التي يستخدمها الغواصون اليوم والتي مثّلت فتحاً معرفياً مكَّن المستكشفين أخيراً من البقاء تحت الماء من دون الاعتماد على مخزون الرئتين.

طرحت الفكرة في الأسواق الفرنسية عام 1946 ووصلت إلى أميركا عام 1952 لتفرض نفسها على عالم الغوص بعد ذلك.

رُقي كوستو بعد الحرب إلى رتبة كابتن، ثم عُيِّن رئيساً لبرنامج دراسة المحيطات (Oceagraphy) الفرنسي. وفي عام 1950 اشترى سفينة (الكاليبسو) التي اقترنت شهرته بها لتكون بمثابة مركز أبحاثه البحرية خلال الستة والأربعين عاماً التالية.

وقد عمد كوستو إلى إنتاج عدد من الأفلام الوثائقية والكتب من أجل تمويل رحلاته ولنشر الوعي ببيئة الأعماق في بادرة غير مسبوقة وقتها حقَّقت نجاحاً مدوياً. بل أنّ فيلمه الوثائقي الأول العالم الصامت ” The Silent World” فاز بالجائزة الأولى في مهرجان «كان» لعام 1956.

تقاعد من البحرية الفرنسية ليتفرّغ لمشاريع أبحاثه، حيث عُيِّن عام 1957 مديراً لمتحف موناكو للمحيطات، وأسس مجموعة لأبحاث الأعماق في طولون، بالإضافة إلى رئاسته لبرنامج ” Conshelf ” الخاص بتجارب إقامة البشر لمدد طويلة في مستعمرات مقامة في أعماق البحار.

كما أنّ جهوده الرائدة في تطوير الآليات لم تتوقف، ففي العام 1963 طور كاميرا للتصوير تحت الماء اشترت شركة “Nikon “حقوقها لاحقاً لتنتجها تحت اسم «Nikos»،  كما عمل على بناء الغواصة  SP-350 التي تتسع لشخصين وتعمل تحت عمق يصل إلى 350 متراً في قاع المحيط. ليحقق عام 1965 إنجازاً بالوصول بنسخة مطورة منها إلى عمق 500 متراً، وقد دشَّن عام 1980 نموذجاً آخر لغواصة أعماق نفاثة ذات راكب واحد أسماها TURBOSAIL.

في عام 1968م طُلب منه الاشتراك في سلسلة برامج تلفزيونية لتعريف الجمهور بعالم البحر الخفي، وهكذا كان برنامج عالم الأعماق «Undersea World» الذي قدَّم للجمهور العادي صورة لعالم أبحاث المحيطات طيلة ثماني سنوات، واعتُبر كأحد أهم معالم التثقيف التلفازي.

كذلك كرّمته الأكاديمية الفرنسية، ونال وسام الحرية الأميركي مرتين من قبل الرئيسين كارتر وريغان، بالإضافة إلى حصوله على جائزة الأمم المتحدة الدولية للبيئة وعُيِّن مستشاراً لديها ولدى البنك الدولي.

توفي كوستو في 25 حزيران/يونيو عام 1997 إثر أزمة قلبية عن عمر يناهز الـ 87 سنة  في باريس، إلا أنّ تراثه لا يزال حياً ومحركاً للكثير من الجهود العالمية. ولا يزال البعض يشكك في حقيقة اعتناقه للإسلام ويعتبرون أنها مجرّد شائعات.

إغلاق