أحيوا أمرنا

عصمة السيدة الزهراء (عليها السلام)


بقلم: سماحة المرجع الديني الكبير الشيخ الوحيد الخراساني دام ظله .

 

روى البخاري عن أبي الوليد عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن أبي مليكة، عن المسور بن مخرمة، أنّ رسول الله(ص) قال: “فاطمة بضعة مني، من أغضبها أغضبني”(1).

أمّا سنده فهو عندهم في الدرجة العليا حيث رواه البخاري.

وقد صحَّح هذا الحديث الذهبي الذي يعتبرونه أنقد نقادهم للحديث، وصحح حديث: “إنّ الرّب يرضى لرضا فاطمة ويغضب لغضب فاطمة” (2) فالحديث عندهم في حد مقطوع الصدور عن النبي(ص)، ونحن أردنا حديث البخاري مفسّراً ومؤيّداً لحديث الذهبي، فعلى ماذا يدلّ هذا الحديث؟

من أين ينشأ الرضا والغضب في أنواع الناس؟

تقوم حياة النبات على قوتين، قوة جذب الملائم، وقوة دفع المنافر. وتظهر هاتان القوتان في حياة الحيوان بصورة قوة رضا وقوة غضب، وتستمدان وجودهما من الطبع والغريزة.

وأمّا في حياة الإنسان، ولا نقصد بها حياتنا نحن، إنّ معنى حياة الإنسان أن يصل أحدنا إلى درجة الإنسان الذي دعامة وجوده العقل: دعامة الإنسان العقل. حينئذ يكون العقل منشأ كلّ رضاه وغضبه، أمّا قبل ذلك فمنشؤهما الطبع والغريزة!

هل وصلت أنا إلى مرحلة الإنسان الذي ينشأ رضاه وغضبه من عقله؟ أقول: كلا، أبدا، وكلّ عاقل لابد أن يعرف في أول درجات تعقّله أنّه لم يبلغ درجة الإنسان العاقل، وهذا الاعتراف أمر مهم!

نحن إلى الآن لم نلتفت إلى محكِّ إنسانيتنا وميزانها ما هو؟ فنحن نرضى ونغضب لذواتنا ومكانتنا الاجتماعية، ولا أقول إن رضانا وغضبنا لحاجاتنا البدنية!

فلن يصير أحدنا إنساناً إلا إذا صار منشأ غضبه ورضاه العقل، وليس الغريزة!

وإنّ فوق هذه المرتبة مقاماً يمكن أن يبلغه الإنسان، حيث تصير إرادته فانية في إرادة الله تعالى، فلا يكون له مع إرادة ربه إرادة! وهي درجة تجعله في كلِّ أموره يرضى لرضا الله ويغضب لغضب ربه! يعني لو قتلوا ابنه فهو يغضب لغضب الرب وليس لنفسه، ولو أحيوا ابنه فهو يرضى لرضا الرب، وليس لنفسه!

إنَّ تصور هذا المستوى أمر صعب، فكيف بتحقّقه؟!

وهذا هو مقام عصمة خاتم الأنبياء(ص)، عصمة ذلك المخلوق الذي لا نظير لوجوده في جميع المخلوقات، الذي ذاب حبه وبغضه وفني في حب الله وبغضه! فلا يحب إلا ما يحبه الله، ولا يبغض إلا ما يبغضه الله تعالى!

وهذا هو البشر الذي وصل إلى درجة: “إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ” (الكهف٣ – ٤) وهذه المرحلة والدرجة هي التي يعبر عنها بالعصمة الخاتمية وهي غير العصمة الإبراهيمية، والعصمة الإبراهيمية غير العصمة اليونسية.

إنّ عصمة يونس(ع) عصمة، لكن فيها: وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ” (الأنبياء: ٨٧).

إنّه نبي معصوم، ولكن في حياته نقاطاً يحتاج أن يصل منها إلى درجة : “سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ” (سورة الأنبياء: ٨٧) وقبل بطن الحوت لم يصل إليها!

ونبي الله يوسف نبي معصوم، وبرهان ربه الذي رآه هو عصمته: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ  كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ” (يوسف: ٢٤).

لكنّها عصمة بمستوى: ” وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ” (يوسف: ٤٢).

أما التسليم المطلق لحب الله وبغضه ورضاه وغضبه، فهو مقام خاص بأفضل الخلق وخاتم النبيين وسيد المرسلين (ص) ، ففي هذا المقام نستطيع أن نقول إنه يرضى لرضا الله ويغضب لغضبه مطلقاً، وأن الله تعالى يرى لرضاه ويغضب لغضبه!

فهل فهم البخاري والذهبي ما روياه عن خير الخلق وصححاه: إنّ الرب يرضا لرضا فاطمة ويغضب لغضب فاطمة؟! وهل فهما أنّ النبي (ص)لو قال: إنّ فاطمة ترضى لرضا الرب وتغضب لغضبه، فقط، لدل ذلك على أنّ رضاها وغضبها منشؤه من الله تعالى فقط، وليس من نفسها ولا من عالم الخلق، وكان معناه درجة العصمة الكبرى التي لرسول الله (ص)؟!

فما معنى قوله(ص) بعد هذا المقام: إنّ الرب يرضى لرضى فاطمة ويغضب لغضب فاطمة؟

ما معنى الصعود إلى درجة أعلى تكون لأم الرضا من جهة فاطمة(ع)؟! هنا يفهم الكلام من يعرف فاطمة(ع) ما هي؟

والذي يعرف فاطمة من هي هو الإمام جعفر الصادق(ع) الذي يقول: إنّما سُمِّيت فاطمة، لأنّ الخلق فطِموا عن معرفتها(3). فثبت بالدليل أنّنا مفطومون عن معرفتها، لأنّنا عاجزون عن معرفة تلك الدرجة الأعلى التي تجعل الله تعالى يرضى لرضاها ويغضب لغضبها!!

عاجزون عن معرفة هذه المخلوقة الربانية، والحوراء الإنسية، مَن هي، وفي أيّ أفق هي؟!

لقد كشف لنا أمير المؤمنين (ع) ليلة دفنها عن نافذة من مقامها (ع)، حيث قال: أمّا حزني فسرمد، وأمّا ليلي فمسهد!(4) وينبغي أن نعرف أنّ الذي يقول ذلك هو الذي عرف الدنيا والآخرة، لكنّ غصَّة فقد فاطمة أرهقته، لأنّه يعرف من هي فاطمة!

لاحظوا كلماته (ع) عندما صلّى على جنازتها، فقد حدث عند جنازتها ما لم يحدث عند جنازة أحد! ولا نستطيع أن نذكر أكثر من هذا:

في البحار عن مصباح الأنوار للخوارزمي عن أبي عبد الله الحسين (ع) قال:

إنّ أمير المؤمنين (ع) غسَّل فاطمة (ع) ثلاثاً وخمساً، وجعل في الغسلة الخامسة الآخرة شيئاً من الكافور، وأشعرها مئزراً سابغاً دون الكفن، وكان هو الذي يلي ذلك منها، وهو يقول: اللّهم إنّها أمتك، وبنت رسولك، وصفيك وخيرتك من خلقك، اللّهم لقِّنها حجّتها، وأعظم برهانها، وأعل درجتها، واجمع بينها وبين أبيها محمد (ص)(5). فلمّا جنّ الليل غسّلها علي، ووضعها على السرير، وقال للحسن أدع لي أبا ذرّ فدعاه، فحملاها إلى المصلّى، فصلّى عليها ثم صلّى ركعتين، ورفع يديه إلى السماء فنادى:

هذه بنت نبيك فاطمة، أخرجتها من الظلمات إلى النور، فأضاءت الأرض ميلاً في ميل!(6)

ماذا يعني هذا الكلام؟! لاحظوا أنّه (ع) قال ذلك مجملاً، فهذا المطلب لا يمكن أن يقوله لغير الله تعالى! قال له :إلهي إنّك أخذت فاطمة من هذه الدنيا المظلمة، إلى حيث نور السماوات والأرض.

ولاحظوا أنّ الله أجاب علياً وكأنّه قال له : نعم نقلتها إلى النور حيث خلقت روحها من نور ربها وفي نور ربها، وما أن أكمل أمير المؤمنين (ع) كلمته حتى أضاء نورها من نقطة بدنها الطاهر (ع) إلى ميل في ميل، تصديقاً لعلي (ع) وتطميناً له!

ماذا يعني هذا؟! يعني أنّ حقيقة: إنا لله وإنا إليه راجعون، للجميع، أمّا فاطمة فإلى نور عظمة الله الذي منه خلقت، وإليه عادت!

هذه فاطمة … وإلى ذلك النور ذهبت روحها، وبهذا النحو استقبل ذلك العالم بدنها!

وهذه فاطمة التي بلغت مقام: إنّ الرب ليغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها!

ومن المهم هنا أن نشير إلى أنّ البخاري يروي في صحيحه عن عائشة أنّها قالت: فغضبت فاطمة بنت رسول الله (ص) فهجرت أبا بكر فلم تزل مهاجرته حتى توفيت!(7).

وروى غيره أنّها أوصت علياً (ع) أن يدفنها سراً ولا يعلمهم بجنازتها!

والقرآن يقول: “وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَىٰ!” ( طه: ٨١).


المصادر:

  • (1)  صحيح البخاري، باب مناقب المهاجرين وفضلهم ج4؛ ص210.
  • (1)  الذهبي؛ ميزان الاعتدال؛ ج1؛ ص530. بلفظ مختلف.
  • (3)  تفسير فرات ص ٥٨١، البحار: ٤٣ / ٦٥.
  • (4) أمالي المفيد ص ٢٨١.
  • (5) المجلسي، بحار الأنوار؛ ج78؛ ص309.
  • (6) المجلسي؛ بحار الأنوار؛ ج43، ص215.
  • (7) صحيح البخاري؛ باب دعاء النبي؛ ج4، ص42.

 

إغلاق