أسرة ومجتمع / صحة

الإصلاح منهج الأحرار

231-232

بقلم: د. أكرم جلال(*)

 

إنَّ اللّه لم يخلق الوجود عبثاً بل لحكمة من لدنه جلَّ جلاله، فقد أودَع فيه قَوانينَ وأنظمةً مُحكَمة وخَلق الإنسان وأمَره بالإصلاح والسَعي والجّد ومُجالَدة النَفْس وتَهذيبها وتأديبها، ونَهاه عن الإفساد وقول الزور، وأمره بالتَدبّر في آياته والتأمّل في مَصير الذين خَلَوا مِن قبل وأخْذِ العِبَرَ ممّن اتّبَعوا خطوات الشيطان فأستَحبّوا العَمى، وأمَروا بالفَساد واتّبَعوا الشَهَوات ونَهَو عن الإصلاح فكان جزاءهم أن غَضِبَ اللّه عليهم ولعنهم وأعدَّ لهم عذاباً شديداً. قال الله تعالى: : إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ”  [المائدة: ۳۳].

لقد بدأ الصِراع بَين الحقّ والباطل مُنذ أن خَلَقَ اللّهُ البَشر، بين الخَير والشر، أنّه صِراعٌ دائِم بَين الإصلاح والفَساد. فَجَيّشَ الشَرُّ جُيُوشَه وسَخّر أدَواته من أجْلِ إخْضاع العَقل السَليم، الذي خَلَقَهُ اللّهُ على الفطرة، لعَمليّة تَجهيلٍ مُمَنْهجة مِن خِلال تَغييب وَمَحوِ مَنهَجِ الإصلاح وَحَرْفِهِ عَنْ مَعناهُ الحَقيقي، والذي يُنْبىء عَن إنحرافٍ واضح في مَنظومة التَصحيح، بل هيَ أشارةٌ جَليّة لانتكاسة في النَهضة المُجتَمَعيّة سَبَبُها تَرَدّي الوَعي الإصلاحي واسْتِشْراء مَنهَج الفَساد.

 الإصلاح:

الإصلاح مَنهج الأنبياء والمُرسلين ومَن سارَ على دَرْبهم مِنَ الأولياء والصِدّيقين، إنّه مَنهَجُ أهل البَصائِر، وَصَرخَةُ الأحرار المُدَوية بوجه الظُلم والفَساد أينما حَل. فالشِّعار الذي أطْلَقَه سيّد الأحرار أبي عبدالله الحسين (ع): «إنّي لم أخرج أشراً، ولا بطراً ولا مفسداً، ولا ظالماً، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدي»(1)، إنّما هو نِداءٌ لكُلّ زَمان، وَصَوتٌ مازال يُدَوّي وَمَنْهَجٌ وَمَنار يُسْتَدلّ به ما بَقيَ الدَّهر. وَلأنَّ الإصلاح مَرتَبةُ الأشراف ورايةٌ لا يَنالُ شَرَفَ حَمْلِها الّا العُظَماء، فَقَد اختارَ اللّهُ جلّ جلاله لها خَير َالناس وأطهَرهم وأزكاهم، مُبَشّرين ومُنذرين، لِيُبحروا بسَفينة المُستَضْعفين نَحو شاطىء الأمن والأمان. فمنهج الإصلاح مَهَمّةٌ سامية لا يَنالها إلّا مَن وَهَبَ نَفْسَه للّه.

إذن هِيَ مَهَمةُ الأنبياء والأوصياء والأولياء وَمِن بَعدِهُمُ الصادقين مِمّن اهتدى بِهَديهم وسارَ على نَهجِهِم، اجتباهُم اللّهُ وأنارَ بَصائرهم، فَقَلّدَهُم بحِلْيَةِ الإصلاح والبَسَهُم لِباسَ التَقوى وأيَّدَهم بِروحٍ منه، فَحَمَلوا الأمانة صادقين وساروا على المنهاجِ المستقيم بوعي ويقين.

الإصلاح ومقومات النجاح:

أنّ مهمة الإصلاح والبناء لا يمكن لها أن تتحقق إلا بتوفر مُقوّماتٍ أساسية نُجملها بالآتي:

الأول: القائد المصلح

ولأنّ الإصلاح أمرٌ الهي ومَهَمة سامية فلابد لها من رُبّان وقائد يَحمل رؤيةً وبرنامجاً اصلاحياً دقيقاً، صادق مع رَعيّته، قويٌ أمين، قائدٌ يَلوذُ به المُضطهَدون ليُوحّد جُهودهم ويصهرها في بوتقة واحدة، يوجّه أهدافهم نحو الصلاح والخير، بعيداً عن المنافع الدُنوية والمكاسب الشخصية.

فلو تأمّلنا خُطبة للإمام الحسين (ع) التي يقول فيها:

«اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ الَّذِي كَانَ مِنَّا مُنَافَسَةً فِي سُلْطَانٍ وَلَا الْتِمَاسَ شَيْ‏ءٍ مِنْ فُضُولِ الْحُطَامِ وَلَكِنْ لِنَرِدَ الْمَعَالِمَ مِنْ دِينِكَ وَنُظْهِرَ الإصلاح فِي بِلَادِكَ فَيَأْمَنَ الْمَظْلُومُونَ مِنْ عِبَادِكَ وَتُقَامَ الْمُعَطَّلَةُ مِنْ حُدُودِكَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَنَابَ وَسَمِعَ وَأَجَابَ»(2)، نُدرك أن الإصلاح لا يتحقَّق تحت إمرة قادة الفساد، جوانِحُهم تفور باللؤم والأنى والغدر، يظهرون الحق كذِباً ويضمرون الغدر والخداع للوصول إلى غاياتهم الدنوية ومآربهم الشريرة، فالله قد وَعَدهم وهو لا يُخلف الميعاد بقوله: ” إنَّ الله لا يُصلِح عمل المفسدين “ [يونس: 81].

ولو أمعنّا النظر في منهجَ عليٍ (ع) في تعامله مع الأمة لَوَجدناه قائداً فريداً وأنموذجاً لا يجارى في مسيرة الإصلاح ومدرسةً يَستَلهِمُ منها المُصلحون أروَع الدروس والعِبر، ولكن ما أكثرَ العِبر وأقل الإعتبار. لقد ازدحمت جماهير الأمّة وتوجهت نَحوهُ سلامُ الله عليه لمبايعتهِ فقال قَولته الشَهيرة: «دَعُونِي والْتَمِسُوا غَيْرِي، فَإِنَّا مُسْتَقْبِلُونَ أَمْراً لَهُ وُجُوهٌ وأَلْوَانٌ، لا تَقُومُ لَهُ الْقُلُوبُ، ولا تَثْبُتُ عَلَيْهِ الْعُقُولُ، وإِنَّ الآفَاقَ قَدْ أَغَامَتْ، والْمَحَجَّةَ قَدْ تَنَكَّرَتْ. واعْلَمُوا أَنِّي إِنْ أَجَبْتُكُمْ رَكِبْتُ بِكُمْ مَا أَعْلَمُ ولَمْ أُصْغِ إِلَى قَوْلِ الْقَائِلِ وعَتْبِ الْعَاتِبِ»(3). وحينما تَسَلّم الأمرَ سلامُ الله عليه بَدأ بتطبيق مَنهجهِ الإصلاحي سيراً واتباعاً لمنهج رسول الله (ص) بإرادةٍ صَلبةٍ وعزيمةٍ لا تَلين ومنهجٍ واضحٍ مُبين رغم إدراكه للعوائق الضخمة والعراقيل الهائلة التي ستواجهه. وعليه فلا بُد للقائد المُصلح من رؤيةٍ وبرنامجٍ واضحَين يُؤهلانه لاستنهاض الأمّة ويُمكّنانه من الاضطلاع بدَوره بشَكل لا يَجعل المسيرة مجرد استبدالَ طاغيةٍ بآخر ولا مُستبدٍ بآخر.

ولا بُد للقائد المُصلح أيضاً أن يكون على استعداد تام لتحمّل كافَّة تَبِعات المسيرة الإصلاحية وما يَترتّب عليها من تضحيات في الأنفس والأموال من أجل الوصول نحو الأهداف وبلوغ الغايات، حيث يتضح ذلك جَلياً في كلام للإمام الحسين (ع) يقول فيه: «إنّ هذِهِ الدُّنْيا قَد تَغَيَّرَت وَتَنَكَّرَتْ وأدْبَرَ مَعرُوفُها، فَلَمْ يَبْقَ مِنْها إلاَّ صُبابَةٌ كَصُبابَةِ الإناءِ، وَخَسِيسُ عَيْشٍ كَالمَرعَى الوَبِيلِ، ألا تَرَوْنَ أنَّ الحَقَّ لا يُعْمَلُ بِه، وَأنَّ الباطِلَ لا يُتناهى عَنهَ، لِيَرْغَبْ المُؤْمِنُ في لِقاءِ اللهِ مُحِقّاً فَإنِّي لا أرَى الْمَوتَ إلاّ سَعادَةً، وَلاَ الحَياةَ مَعَ الظَّالِمينَ إلاّ بَرَماً»(4).

الثاني: الوعي والثقافة

أنَّ القيادة المُصلحة هي تلك التي تَبُثُّ ثقافة استنهاض الأمّة وتحثّها علی القيام بدورها في معالجة الإنحراف وتصحيح الإعوجاج وهَدمِ الهُوّة بين طَبقات المجتمع الواحد من أجل إيجاد حالةٍ من التآلف والتجانس رُغم اختلاف الأطياف والأعراق والمذاهب.

فلا إصلاح في مجتمعٍ تَسودُه الصَنميّة والعَصَبيّة والبَداوة، فالجَهل يُعَدُّ من أوسع بَوّابات الفساد والإفساد، والمجتمع الساعي نحو الإصلاح لا بُدّ له من بيئةٍ ثقافيةٍ قوامها العلم والثقافة والوعي وحرية الرأي والتعبير.

فعن الإمام الصادق (ع) أنّه قال: «لست أُحِبُّ أن أرى الشاب منكم إلا غادياً في حالين، إمّا عالماً أو متعلِّماً، فإن لم يفعل فرَّط وضيّع، فإن ضيّع أثم، وإن أثم سكن النار والذي بعث محمداً بالحق»(5).

كما ولابد للإصلاح من زَرع ثقافة الشجاعة والاستبسال والإقدام وتحطيم قيود الخوف والجبن والتردُّد التي تراكمت نتيجة الانصياع والخضوع لسلطة الفساد لتكون الأمَّة مؤهلة ومستعدّة للقيام بواجبها الإصلاحي.
فحينما تَشيعُ ثَقافة الثَبات على المبادىء وعدم التنازل عن المنهج الحق، فإنَّ النَصر سيأتي ولو بعد حين، وإنَّ تَرتّب علي ذلك تقديم القرابين والأضاحي، بل حتى لو قُدِّرَ استشهاد القائد والأتباع، لأنَّ الأثر الفعلي لمسيرة الإصلاح لا يُحدد نتائجه الزمن الآني ولا تَنمحي مع غياب القيادة، فالمبادئ التي نَهض وضحّى من أجلها ستبقى ثابتة راسخة، بل ستتحول تلك القيادة، والتي حَمَلَت منهج الحريّة ورفض العبودية، من قيادة في زمن محدد إلى رمزٍ خالدٍ ونموذج تُستَلهَم منه الدروس والعِبَر لاستكمال طريق الإصلاح ضد كلِّ أشكال الإنحراف والفساد.

الثالث: استجابة الجمهور

الأمَّةُ الواعية هي تلك التي تَستَجيب لنداء مُصلحيها وتَلتَزِم بوعيٍ وبصيرة ببرامج الإصلاح والتغيير، عندها فقط تَبدأ ملامح التغيير وتبدأ النهضة الحقيقية مُتمثّلة بتلاحم واندكاك الأمّة المُبصرة مع القيادة المصلحة. والعكس صحيح، فالأمَّة التي لا تمتلك الوعي وتكتفي بإطلاق الشعارات وأمنيات التغيير بعيداً عن الواقع الميداني، ستبني جدراً من العُزلة، مُتَخلّيةً عن القائد، ومتذرِّعة بشتّى الذرائع، تلك هي الأمَّة الغافلة، لن يتغيّر من واقعها شيء مادام التَقاعُسُ شعارُها والأنا والتَسويف والمُماطَلة مَنهَجُها.

برامج الإصلاح

لقد بدأت ثورة الإصلاح وحمل راية التغيير مُنذ أن خَلق الله البشر من أجل استنهاض الأمَم المضطهدة ومحاربة الطواغيت أينما حَلّوا وقطع الطُرق بوجه السائرين في دَرب الفساد والاستبداد لِئَلّا يَعِمّ الظلام ويُطفأ نور الله ويُفسَد في الأرض، قال الله (عزّ وجل): ” وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمينَ “[البقرة: ٢٥١] . ولأنّه وعد الله وأمل المحرومين الذي بشَّر به البشرية جمعاء فهو منهج خالد، وعطاءه مُتجدِّد، فلا يَحدّه زمان، ولا يُقيّده مكان، لذلك جاء الإصلاح لعموم البشرية مُتَحرراً من كلِّ القيود. ولأنّه منهج ربّاني ورسالة سماوية اختصَّ اللّه بها الخِيَرة منَ خلقه فقد استند إلى العلمية والمنهجية في تطبيقاته، وابتعد عن الزيف والعبثية. ولأنَّ مراحل ومراتب الإصلاح متنوّعة فنحن نجملها بالمراتب التالية:

1 ـ إصلاح النفس:

قال اللّهُ تعالى: ” إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ” [الرعد: ١١].

لقد خلق الله الإنسان وجعله مُخيّراً ” وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا  فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا” [الشمس: 11]، فقد أعطى سبحانه وتعالى ابنَ آدم مُطلق الحرية في اختيار منهجه في الحياة الدنيا، وكمال وتردٍّ، ـ ووَعَد وهو لا يُخلف الميعاد ـ أنّ الفَلاح والسَعادة لِمَن زَكّى نفسه وسعى بها نحو الكمال، والذي اختار طريق العمى والإفساد فإنَّ له معيشة ضَنكاً ” وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ ” [طه: ١٢٤].

إصلاحُ النفس وتَربيتها وتَهذيبها وتَزكيتها هو منهج الأنبياء والأولياء والمصلحين، أذلّوا كبرياء نُفُوسهم الأمّارة وعَقَلوها فأصبحوا أسيادها وتحرَّروا من عبوديتها، فانطلقوا بها مسرعين نحو شاطئ النجاة حيث القرب الإلهي.

لقد منّ الله تعالى على البشرية بأمرين هامين من أجل إصلاح نفوسهم: الأول: بعث فيهمُ الأنبياء والمُرسلين والمُصلحين” لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ” [آل عمران: ١٦٤] والثاني: أن رزقهم السَمع والبصر والفؤاد وكلٌّ له دوره في عملية البناء والتَكامل إن تمَّ الاستفادة منه بنحو صحيح، فتلك الجوارح هي منن من الله وهي النوافذ الحسية نحو التزكية والصلاح. فقد ورد عن أمير المؤمنين علي (ع) قوله: «إِنّما هِيَ نَفْسي أُرَوِّضُها بِالتّقوى لِتَأْتِيَ آَمِنَةً يَوْمَ الخَوْفِ الأَكْبَرِ، وَتَثْبُتَ عَلىَ جَوانِبِ المَزْلَقِ»(6).

2 ـ إصلاح الفرد والاسرة: 

يُعتبر إصلاح الفرد المحور والمنطلق الأساسي لتغيير المجتمع والارتقاء به نحو الكمال، فأيّ إهمال في إعداد الفرد إعداداً ثقافياً وسلوكياً واخلاقياً منذ مراحله الأولى، ستكون له ارتدادات عكسية على الفرد نفسه وبالتالي على المجتمع ثم الأمّة بأجمعها. مِن هنا تأتي ضرورة وواجب الإصلاح وإعداد الفرد انطلاقاً من مرتكزين أساسيين لهما الأثر الكبير في بناء الفرد الواعي:

أ ـ إصلاح المؤسسات العلمية والتربوية: 

تعدُّ المؤسسات العلمية والتربوية ركيزة أساسية في بناء الفرد وإعداده بالشكل الذي يكون فيه عنصراً بنّاءاً في المجتمع. فإنَّ المؤسسات التربوية التي تُسهم في بناء الفرد تشمل: الأسرة، والمدارس، والمساجد، والمعاهد والجامعات، جميعها ركائز تلعب دوراً محورياً في إعداد الفرد بالمستوى الذي أراده الله.

إنّ المتابع للواقع الأسري يرى أثر المشاكل التي تَعصِف بها خصوصاً مشكلة الطلاق والذي يقع ضحيتها الأولاد أولاً لما قد يترتب عليه من انحراف في السلوك النفسي والاخلاقي للطفل مما ينعكس سلباً على الواقع الاجتماعي. وللمدرسة دور لا يقل أهمية عن دور الأسرة، بل أن بعض الباحثين في علم الاجتماع أكدوا أنّ للمدرسة دورٌ قد يفوق دور الاسرة أهميةً وتأثيراً في اعداد النشأ وتربيته ورعايته، خصوصاً إذا توفَّرت مقومات النجاح كالمنهج العلمي الرصين والأساتذة الأكفاء ووسائل الايضاح بشتّى أنواعها. بالإضافة إلى تهيئة البيئة التعليمية المناسبة وَمَدّ جسور التعاون مع الأسرة يسهم بشكل فاعل في إنجاح عملية التعليم وتخريج كوادر كفوءة تُسهم في بناء مجتمع متقدم.
أمّا المسجد فأنه يُعَدُّ مدرسة تربوية وأخلاقية خلّاقة، فالإحساس بالخشوع من خلال الارتباط الحقيقي بالله جل جلاله له انعكاسات روحية على سلوك الفرد وتعامله مع الاخرين. ولأنَّ المسجد ملتقى لكلِّ اطياف المجتمع، يجتمع فيه المصلين في صفوف منتظمة، فلا فرق بين غني أو فقير، رئيس أو مرؤوس، أبيض أو أسود، عربي أو أعجمي، فالكل يسعى نحو القرب الإلهي فإنَّ أكرمكم عند الله أتقاكم.

ب ـ إصلاح الإعلام: 

وحيث أنَّ الإعلام سلاح ذو حدين، يمكن من خلاله بناء الفرد أو تهديمه من خلال شكل القيم والمبادئ التي يزرعها في نفوس أفراد المجتمع، فلا بد من وضع قوانين تُنظِّم عمل وسائل الإعلام، ولوائح توضح المنهج التربوي والإصلاحي الذي يجب أن يوفِّره الإعلام.

3 ـ إصلاح المجتمع: 

في البدء لا بدَّ من الإشارة إلى أنَّ إصلاح المجتمع قد لا يبدو بهذه البساطة، فالأفراد ضمن منظومة المجتمع الواحد متغايرون ومتفاوتون ويشكِّلون بالإجمال معادلة معقَّدة لِما يحملون من رؤى وأفكار قد تنسجم مع بعضها في الشكل لكنّها تختلف في المضمون نتيجة لاختلاف وتشابك العقائد والمفاهيم وتضارب المصالح لينشأ عن ذلك مجتمع متشابك تحكمه القبلية والحزبية وأعراف وتقاليد وأذواق مختلفة فتنعكس لاشعورياً تلك الافكار والمعتقدات فيستنكرون ما يراه غيرهم حسن ويستحسنون ما يراه غيرهم مستهجن قبيح.

إنطلاقاً من هذه الحقيقة يثبت أنَّ التغيير المجتمعي لا بدَّ له من الإعداد والتخطيط قبل الشروع بعملية الإصلاح. فالتفكير والمراجعة والقراءة المتأنّية والتقويم والنقد، وتشخيص مكامن الخلل، ومحاصرة الفساد، هي من مستلزمات إنجاح عملية الإصلاح نَحوَ مجتمع يسوده الأمن والاستقرار، والحياة المطمئنة.

إذن فالحديث عن دور المصلحين في بناء المجتمع ليس حديثاً نظرياً مبنياً على المثالية والخيال؛ وإنّما هو حديث التجربة العملية الواقعية. فعندما ينهض المصلحون بمهمة بناء الفرد فلأنّه نواة الاسرة، وحينما تصلح الأسرة يصلح المجتمع. فالقرآن الكريم وصف الساعين بين الناس بالإصلاح بأفضل الصِّفات في قوله تعالى: : ” لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ” [النساء:114]..

الإصلاح ثوب لا يليق بالأدعياء

تَسابقَ أدعياء الإصلاح، ممن لبسوا ثوب المصلحين وتقمّصوا هذا الدَور زوراً وكذباً محرفين الحقائق، يَقولون بالحق ولا يَعملون به وينكرون الباطل وهم يتسابقون اليه. وقد اشار القرآن لذلك بذكر فرعون حين قال: “ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ۖ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ” [غافر: 26] ليكون نموذجاً للطغاة والمستبدين والمزوِّرين على مرِّ العصور.

إنَّ أخطر ما يُهدد هذه الأمّة هو اللُّبس والانخداع الذي وقع فيه الكثير ممن ارتمى في أحضان الفاسدين ظناً منهم أنّهم مصلحون. فالطغاة آخر المضحين وأول اللاهثين نحو الدنيا، ولأنّ الشيطان زيَّن لهم أعمالهم فرأوه حسنا، فانطبق عليهم قول الباري: ” يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ  فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ  أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ ” [البقرة :9-12].

إنَّ الذين ظنّوا واهمين حالمين ومخطئين أنّهم بمنهج التخريب أنّهم محسنون وأنّهم بمفازة من العذاب، كلّا إنّهم الاخسرون اعمالاً كما وصفهم الله تعالى بقوله: ” قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً” [الکهف:103-105]. وفي آية أخرى يَصِفُ الله المنافقين ممّن ادّعُوا زوراً أنّهم منَ المُصلحین بقوله تعالی: ” وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ”[البقرة:204-206].

فالإصلاح مَنهَجٌ لا يقوى على حمله أولئك الذين مَلَكَتْهُمُ الدنيا وألبَسَتْهُم ثوب العبودية والمذلّة وملأت عقولهم أفكاراً مُعوجّة سقيمة، ولأنّها رسالةُ السماء فلا يتشرَّف بحملها إلّا الأحرار” وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ” [الانبياء :105].


المراجع:

(٭) رئيس مؤسسة (Centre for Higher Education Research and Academic Development) CHERAD ـ لندن.

رئيس تحرير مجلة (Journal of Higher Education Service Science and Management) JOHESSM ـ لندن.

(1) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، ج44 ، ص 329 ـ 330.

(2) ابن شعبه الحراني، تحف العقول، ‏تحقيق وتصحيح: علي أكبر الغفاري، ج 2، ‏ص 237 ـ 239.

(3) نهج البلاغة (بشرح عبده)، ج1، ص181 و 182، ومناقب آل أبي طالب، ج1، ص378، وبحار الأنوار، ج32، ص35 و36 وج41 ص116 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي، ج7، ص33، وموسوعة أحاديث أهل البيت للنجفي، ج12، ص15.

(4) معجم الطبراني تاريخ ابن عساكر، ج 13، ص 74.

(5) أمالي الطوسي : 303 ـ 604.

(6) نهج البلاغة، ج3، ص71.

إغلاق