وهدوا إلى صراط الحميد

المفكر السويسري روجيه دوباكييه

231-232

«الإسلام آخر تعبير عن الرحمة الإلهية»

 

نشأ روجيه في بيئة مسيحية بروتستانتية، غير أنّه تأثر بالفلسفة الحديثة، ولا سيما الفلسفة الوجودية، فقد كان يعتقد أنّ الأديان معتقدات خرافية.

وعندما اشتغل بالصحافة بدأ يسافر إلى أكثر من بلد… فسافر إلى السويد، وعمل فيها مراسلاً صحفيّاً في نهاية الحرب العالمية الثانية لأكثر من خمس سنوات، لكنّه اكتشف أنّ الناس تعساء، برغم التقدم والرخاء الذي يعيشون فيه، ولاحظ عكس ذلك عندما سافر إلى بعض الدول الإسلامية في الشرق، فقد وجد المسلمين برغم فقرهم الشديد يشعرون بسعادة أكثر، وأنّ حياتهم ذات معنى…

هذه الملاحظة جعلته يفكِّر مليّاً في معنى الحياة ويتأمّلها من خلال هذين النموذجين… فيقول في ذلك:

كنت أسأل نفسي: لماذا يشعر المسلمون بسعادة تغمر حياتهم برغم فقرهم؟!.. ولماذا يشعر السويديون بالتعاسة والضيق برغم سعة العيش والتقدم الذي يعيشونه؟! كذلك الأمر في بلدي (سويسرا) الذي يُعتبر بلداً ذو رخاء، ومستوى معيشةٍ مرتفع!

وأمام هذا كلّه وجدت نفسي بحاجة لأن أدرس ديانات الشرق. لذا بدأت بدراسة الديانة الهندوكية فلم أقتنع كثيراً بها، ثم انتقلت لدراسة الدين الإسلامي وأول ما شدّني إليه أنّه لا يتعارض مع الديانات الأخرى، بل إنّه يتّسع لها جميعاً…. وهذه حقيقة كانت تزداد يقيناً عندي باتساع قراءاتي، حتى رسخت في ذهني تماماً بعدما اطّلعتُ على مؤلفات الفيلسوف الفرنسي المعاصر «رينيه جينو» الذي اعتنق الإسلام.

لقد اكتشفت ـ كما الكثيرين ـ أنّ الإسلام يعطي معنى للحياة، على عكس الحضارة الغربية التي تسيطر عليها المادية، ولا تؤمن بالآخرة، وإنما تؤمن بهذه الدنيا فقط.

وهكذا فقد تأثر «روجيه دوباكييه» بفكر الفيلسوف الفرنسي «رينيه جينو»، مثلما تأثر سابقاً بزياراته للدول الإسلامية، فبرغم الظروف المادية السيئة في تلك الدول فإنّ أهلها يتمتعون بقدر كبير من الإيمان الراسخ في نفوسهم…

ويصل إلى نتيجة يعبِّر عنها بقوله: «لقد تبيّنت أنّ الإسلام بمبادئه يَبسُط السكينة في النفس… أمّا الحضارة المادية فتقود أصحابها إلى اليأس، لأنّهم لا يؤمنون بأيّ شيء… كما تبيّنت أنّ الأوروبيين لم يدركوا حقيقة الإسلام، لأنّهم يحكمون عليه بمقاييسهم المادية».

السِّر الكبير

عندما سُئل دوباكييه عن السِّر الذي جذبه نحو الإسلام؟ أجاب:

في البداية، إنّ الذي جذبني إلى الإسلام هو شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمداً رسول الله… فقد اكتشفت أنّ الإسلام دين متكامل، وكلُّ شيء فيه مرتبط بالقرآن والسنّة.. وفي اعتقادي أنّ الإنسان يُمكن أن يتأمَّل في هذه الشهادة طيلة الحياة.

الشهادة تقول: لا إله إلا الله .. وهذا يعني أنّه ليس هناك حقيقة نهائية ودائمة سوى الله. أمّا الفلسفة الحديثة فتقول إنّه ليس هناك حقيقة سوى هذه الدنيا، ذلك ما تقوله الفلسفة الوجودية وغيرها… وقد دُهشت ُلأنّ الإسلام يعبِّر عن الحقيقة التي تناساها العلم والفلسفة الحديثة».

ثم يستطرد حديثه بعد لحظة تأمُّل ليقول:

«لقد تأثرتُ بالقرآن الكريم كثيراً عندما بدأت أدرسه، وتعلَّمتُ وحفظتُ بعض آياته.. والحمد لله فأنا أستطيع أن أقرأ فيه: وتستوقفني كثيراً الآية الكريمة: {وَمَن يبتَغِ غيرَ الإسلام ديناً فَلَن يُقبلَ منهُ وَهُوَ في الآخرةِ مِنَ الخاسرين}(آل عمران، الآية 85) وقوله تعالى: {لا إكراهَ في الدين قَد تبيَّنَ الرٌّشد منَ الغيّ}( سورة البقرة ، الآية 256).

ثم يضيف في سعادة غامرة قائلاً:

«والسنّة النبوية الشريفة قرأتها أيضاً، وتأثّرت بما فيها من حِكَم وبيان دقيق».

نور الإسلام

في هذا يقول دوباكييه: لقد أحسست منذ اللحظة الأولى التي أعلنت فيها الإسلام ونطقت فيها بالشهادتين بأنّ داخلي قد شعَّ بالنور الأبيض بعد أن استوقفني الظلام لسنوات عديدة، أحسست بأنّ الفراغ الكبير الذي سكنني قد امتلأ للتو، وأخذت أشعر بأنّ من واجبي أن أُخرج هذا النور إلى العلن، وعُدت سريعاً إلى موطني سويسرا وأعلنت إسلامي للملأ لأنّه لم يكن هناك مبرِّر لإخفائه، وبدأت بنشر العديد من المقالات عن الإسلام وعدله وحريته بُغية تغيير الصورة التي رُسمت حوله وغُرست في عقول الشباب، وكانت أولى لقاءاتي مع صحيفة «جورنال دي جنيف» وصحيفة «جازيت دي لوزان» السويسرية التي عمدت إلى نشر حوارات طويلة ونَشر بعض المختصرات من الكتب التي تتناول موضوعات إسلامية أو شخصيات بارزة اهتدت إلى الإسلام، بل إنّني أخذت في كتاباتي أدافع عن قضايا الإسلام والمسلمين لأمهَّد للآخرين طريق الإسلام الذي فتح أبواباً وقدَّم حلولاً لمشاكل كثيرة كانت قد وصلت إلى طرقٍ مسدودة.

وعن نظرته للمسلمين كأشخاص يؤمنون بالإسلام باعتباره قوميّة أو أيديولوجية، يقول بغضب:

« أنا أختلف مع بعض الأشخاص الذين ينظرون إلى الإسلام باعتباره قومية، وهذا اعتقاد خاطىء لدى كثير من المسلمين… إنّهم يعتبرون الإسلام أيديولوجية وهو خطأ… إنّما الإسلام طريق إلى الله، وأفضل طريقة للوصول إلى معرفة الله والتصالح والوئام بين الخالق والخلق».

وعن رأيه في النقد الموَجَّه إلى الإسلام بأنّه دين تخلُّف لا يقود إلى التقدّم، قال ساخراً:

«الحمد لله أنّ الإسلام لم يتّجه إلى هذا التقدُّم المادي الذي يقصدونه… ولو كان كذلك لما أثار انتباهي ولا انتباه هؤلاء المفكّرين الذين وجدوا فيه الخير والسعادة للبشرية، أمثال «روجيه غارودي» وغيره …

وعن رأيه فيما يُثار من أنّ هناك فرقاً بين الإسلام كدين، والمسلمين كأشخاص… هزَّ رأسه مبتسماً:

وردّ على هذا السؤال من خلال قصة، فقال: أعرف صديقاً اسمه «محمد» كان يهوديّاً واعتنق الإسلام في السادسة والعشرين من عمره، وألّف كتاباً بعنوان «الطريق إلى مكة» وأصبح من علماء الإسلام، وله مؤلفات أخرى كثيرة. قابلته منذ فترة وسألته نفس هذا السؤال: هل هناك فرق بين الإسلام كدين والمسلمين كأشخاص؟

فقال لي: إذا كنا قد اعتنقنا الإسلام فليس هذا بسبب المسلمين، ولكن السبب أنّ الإسلام حقيقة لا ينكرها أحد.

حتى إذا كان المسلمون في حالة تدهور، فإنّ دينهم قادر على منحهم الحياة السعيدة المطمئنة التي تعينهم على التغلب على الأزمات الأخلاقية. «فالإسلام يجدِّد الصلة بين المرء وربِّه التي قطعها إنسان اليوم».

إغلاق