آفاق معرفية

صراع العقول (الجزء الأول)

231-232

بقلم: حسن العاملي(*)

 

على مرّ العصور، وفي مختلف المجتمعات، جرى الإنطباع أنّ الدماغ هو مركز العقل والتعقُّل والإحساس والشعور. هو المنظِّم الذي يفكِّر ويتخيَّل ويتّخذ القرار، وقد نال العناية الدائمة والمستمرة في التربية والتعليم والتهذيب، وحصل على منزلة رفيعة من التقدير والاحترام. إنّه سلطان مستقل آمر ناهٍ.

أمّا الجسم، فهو كتلة ثقيلة لها متطلّبات حيويّة عديدة ومعقدة. هو يتعب ويتألّم ويمرض ويحتاج إلى انتباه دائم وترويض مستمر. هذا الانطباع، يعكس ظاهر الأمور فقط. في الحقيقة، إنّ للإنسان عقلان منفصلان ومستقلان، ولكلٍّ منهما طريقته المختلفة للتفكير واتخاذ القرار. فعقل الدماغ يعمل ضمن المنطق والتحليل هو يفهم العلوم والرياضيات وأسرار التكنولوجيا، هو عقل رقمي (digital) يبحث عن الأسباب والنتائج.

أمّا عقل الجسم، فهو مبرمج ليعمل بالفطرة ويتعامل مع المتغيرات الآنية. هو يترجم الشّم والذوق والحرارة والبرودة، أو الجوع والخوف إلى أحاسيس فاعلة، وليس إلى درجات رقمية. هو عقل تماثلي (analog). كِلا العقلان يعملان معاً لديمومة الإنسان وكلٌّ بأسلوبه المميز.

عقل الدماغ رقمي:

عقلنا الواعي يفكِّر بهدوء ويحلِّل بمنطق ويتذكر ببطء شديد، ويرسم الخطى متتابعة. الغريب أنّنا نُعلِّم هذا الدماغ جميع العمليات الحسابية، وعلى مدى سنوات عديدة، لكنّه عند الحاجة يتلكأ ويغلط ويتيه في تفاصيلها. دماغنا ينسى ويتناسى رغم استمرار التلقين والتعليم وتواصل التمرين. هذا العقل الذي يفهم العالم الخارجي ويتعامل معه، يُصدَم إذا تعرَّض لموقف غير مألوف. فلو هاجمه أسد أو رأى ثعباناً، لقفز متراجعاً إلى الوراء، ولو شاهد أحدهم حجارةً تطفو فوق الماء وأشجاراً تطير في الهواء، لتملَّكه ذهول. فالخوف عند مواجهة المجهول هو وسيلة دفاع تشلُّ الدماغ وتُربكه وتوقف عمله. في تلك اللحظات يُبادر عقل الجسم لاتخاذ الموقف الملائم. عقل الدماغ  يفكِّر ويحلِّل ويتأمّل ويقرِّر، ويمكنه أيضاً أن يُبدع ويبتكر ويخترع  ويتخيَّل. ومع ذلك، فعقل الدماغ يقع في المغالطة والخطأ ويتيه بآمال وأوهام وتمنيات. وفي ظروف خاصة، يخضع لغسيل الدماغ. وحينما يتعب، يتغابى ويرفض العمل.

عقل الجسم تماثلي:

خٌلقت الأجسام لتحافظ على ذاتها، وتتجنَّب ما يؤذيها، هي تَعرف ماذا تأكل وبماذا ترتوي. عقل الجسم واقعي، فهو لا يخفي شعوراً ولا يقبل وهماً. فالنعسان لا يقبل بديلاً عن النوم، والخائف لا يقبل بديلاً عن الأمان. عقل الجسم يتفاعل مع الواقع والمحيط، يتماهى مع الطبيعة فلا يغلط، تُمسِكه الجاذبية فلا يمشي على الحبال، وتخيفه النار فلا يقترب منها. هو يعرف كيف يمشي ولا يتعثَّر، حتى لو كان نائماً (somnaubulism).

عقل الجسم يتراجع إذا لاحظ خطورة وشذوذاً في قرار الدماغ، فيتردَّد في الإستجابة له. ولو تسمَّم عمداً أو خطأ، فيتخلَّص من السّم ويتقيأه، وإذا دخله ميكروب قاومه. عقل الدماغ يتأنّى ليفهم، وهو يستسلم لكلمة حلوة، وينخدع بوعدٍ وهمي، أو صوت ناعم. أمّا الجسم فيصادر وظيفة الدماغ عند المرض والوجع والتعب والخوف، ويُظهر انزعاجه بالصوت أو الحركة أو الحرارة، أو من خلال الأحلام.

قبل أن يتعلَّم دماغ الطفل الرضيع شيئاً عن أمور الدنيا، فجسمه يَعرف منذ الولادة، كيف يرضع الحليب ويهضمه، وكيف يستنشق الهواء ويزفره، يعرف متى ينام ومتى يستيقظ وكيف يسمع وكيف يرى، دون الرجوع إلى خبرات سابقة، أو إلى أوامر من عقل الدماغ. ليس غريباً أن يتعامل الجسم بالفطرة والمنطق الطبيعي. فلغة الجسد واضحة مثل براءة الأطفال، فيها حركة وايماءة ولفتة. وفيها أيضاً، قوّة الفعل ورد الفعل والأحاسيس الحيوية. الجسم يشعر بإشارات الخطر وإشارات الأمان، ويحسّها مباشرة، دون ترجمة أو تأويل.

التعامل مع الجسد أسهل من مخاطبة الدماغ، وترويض الجسد أريح من إقناع الدماغ. جسم الحيوان كذلك، يشعر بالطمأنينة عند معاملته بلطف، ويشعر بالخوف إذا عومل بخشونة.

عقل الجسم يفهم المتغيِّرات التماثلية، كتبدُّل درجات الحرارة والأحوال الجوية واختلاف حقول الجاذبية وقوة الحركة وشدّة الضوء وتبدّل الألوان والأشكال وطعم الأغذية ورائحتها، وغيرها من الظواهر الطبيعية التي لا تُقاس بالأرقام. تلك المتغيّرات يمتصُّها الجسم كالإسفنجة، ويتفاعل معها حسب شدَّتها. بينما عقل الدماغ لا يستطيع أن يغيِّر لون الشعر الأبيض إلى أسود. حينما يشيخ الإنسان ينسى دماغه أسماء الأشياء التي تعامل بها، لكن الجسد يعرف أشكالها ووظائفها وتفاصيلها. فالحار يبقى حاراً، والبارد يبقى بارداً، والحلو يبقى حلواً، والمالح يبقى مالحاً.

الجسم طبيب نفسه، فالجلد يتذكَّر آثار الخدوش والجروح والعمليات الجراحية، فيرمِّمها ويبدّل أنسجتها، ويعتني بها باستمرار. وإذا قُلّمت الأظافر أو قُصّ الشعر، فيعيد الجسد نموها، وإذا قٌطع جزء من الكبد، فيعيد الكبد بناء هيكله الكامل. الجسم يقبل زرع عضو جديد بدلاً من عضو مقطوع. باستثناء الدماغ، الذي هو خارج مملكة الجسد. فإذا تلف قسم منه، فإنّه لا يُبنى ثانية، وإذا انقطع عصب، فلا يستطيع أن يرمّمه. الدماغ يموت فوراً، من أول طلقة نارية، ويتخدَّر فوراً من أول حقنة، أمّا الجسم فيعرف كيف يرمِّم وريداً أو شرياناً أو عظماً أو عضلةً.

هذه الظاهرة موجودة أيضاً لدى الحيوانات والنباتات. فالحرذون، يقطع ذنبه ويتركه يتحرّك، من أجل أن يلهي الحيوان المهاجم ثم يهرب إلى مكان بعيد، وإذا هاجمته حيّة لابتلاعه فيمسك بفمه عوداً أو غصناً، فيتعسَّر ابتلاعه.

عقل الجسم هاديء ومسالم:

يمتاز عقل الجسم عن الدماغ بأكثر من ميزة، فهو يميل إلى الاعتدال والهدوء. هو أطول صبراً على الجوع والعطش، بعكس الدماغ الذي إذا جاع دخل في غيبوبة، وإذا استفزَّه أحد، غضب. الجسد لا يأكل أكثر من ملء معدته، ولا يشرب أكثر من سدّ عطشه. ولا يتنفّس أكثر من سِعة رئته. الجسد لا يحسد جسداً آخرَ، وليس في سلوكه تلون وتحايل وكبرياء، كما يفعل عقل الدماغ. عقل الجسم يرتاح إلى الحب والتعاطف. وهذه منافذ تدخل منها الملائكة لتطهير الأجساد. أمّا الشياطين فتدخل من وسوسات عقل الدماغ. هذان العقلان يتعاونان معاً، ولكنّهما يختلفان عند التطرّف.

عقل الجسم، خُلِق منذ ولادته مدرَّباً بالفطرة، فهو يعرف كيف يهضم الطعام وينقّي الدم ويدافع عن نفسه. هو أكثر تعقلاً وحكمة من عقل الدماغ. فإذا غضب الدماغ، هدأه. إذا نسي، ذكّره. بالمقابل لا يستطيع عقل الدماغ أن يعالج أمراض الجسد، أو يلغي الألم. وفي حالة الغيبوبة (الكوما)، ينام الدماغ، أمّا الجسد فيستمر بحياته. الجسم يستجيب للتحدي، فيقرر ويواجه فوراً. فإذا اعتدي عليه دافع عن نفسه. بعكس الدماغ الذي يفكر ويؤجِّل، أو يراوغ ويعاند. لكن الجسد يفضح ما يخفيه، فالعين التي هي مرآة الدماغ، تكشف بحركاتها باطن الفكر وخفايا النيّات، كما يقول المثل: (أطعم الفم تستحي العين). وكما أن العين هي مرآة الدماغ، كذلك الفم هو مرآة الجسم، فعند الغضب تنطبق الأسنان وعند التعجب تفتح الشفاه وعند العطش يجف اللسان.

” يعلم خائنة الاعين وما تخفيه الصدور ” (غافر :19)

الأعمى يبكي والأصم يضحك:

عقل الدماغ يتأثر بالصورة والصوت. لذا يحتاج من يرى ويسمع إلى عينين وأذنين اثنتين. أمّا عقل الجسم، فيتأثر باللمس والذوق والشم. فإذا فقد الدماغ الصورة أو الصوت أو كليهما، فإنه يفقد توازنه. عندئذ، يستلم جسم الأعمى القيادة. فهو يلمس بيده، فيميّز الدائرة من المربع، والطويل من القصير. عقله لا يحتاج إلى ألوان، فالتفاحة شهية، أكانت بيضاء أو حمراء. هو يقرأ بأصابعه (لغة برايل)، ويمشي بعصاه فيرى المكان من صدى صوت العصا. بهذه الآلية، يتجنّب الأعمى مساوئ الدماغ، مثل التسرّع  والكبرياء والغرور والحسد والخداع  وغيرها من الصفات. لذا يتّصف الأعمى بالهدوء والرزانة والاعتدال. هو واقعي وحكيم ولا يطلب أكثر من حاجته، ولا يخطو أبعد من خطاه.

أمّا الأصم، فلا يميز بين من يبكي أو يغني، ولا يجد علاقة بين البرق والرعد. لهذه المفارقة، يضحك ويرقص، لأنّ سرّ الفكاهة، هي في اللامألوف. دماغ الأصم، يرى ولا يسمع. فهو لا يربط الأمور بأسبابها، فتبدو الغرابة في تصرّفاته، وكأنّه في متاهة. كما يصفه المثل: (مثل الأطرش بالزفة). وحينما يعجز عن التعبير بالصوت، يلجأ إلى لغة الإشارة، فلغة الجسد أصدق تعبيراً من لغة الدماغ.

عقل الدماغ أناني:

لكلِّ عقل وظيفة ممّيزة. عقل الجسم لا يقوم بعمل يضرُّ به. بل عكس ذلك، يحفظ ديمومته ويتجنّب ما يزعجه. ورغم أنّ الدماغ منطقي ويشارك في أغلب العمليات الحيوية، لكنّه عاجز عن السيطرة على الجسم. والمثل القائل: (لا رأي لحاقن)، بمعنى من يكون محشوراً، يترك دماغه لوحده ويدخل الحمام فوراً.  فلو كان الدماغ هو الذي يتحكَّم بالجسم، لأصبح الضحوك باكياً، والباكي ضاحكاً. ولو كان الدماغ هو الذي يقرِّر، لأوقف ألم المريض وأسكت صرخة الموجوع. ولو كان هو المسيطر، لما احتاج إلى تعليم وتلقين وتدريب وتمرين.عقل الدماغ يتصرَّف على هواه، كطفل مراهق. مرَّة يتبع أوهاماً ومرة تقوده الشهوات.

إذا اتسخ جسد الإنسان ينظِّفه بالماء والصابون. أمّا الدماغ، فتتراكم أوساخه في داخله، فتسبَّب للجسم أمراضاً وأوجاعاً عديدة، مثل الخرف والحزن والكآبة والشلل والصرع والجنون. وعند التسمّم يهرب الدماغ ويترك الجسد وحيداً يتقيأ. وفي التراث، تحذير موجه للعقل، بقوله: «إنَّ لأجسامكم عليكم حقاً».

” يوم تشهد عليهم السنتهم وايديهم وارجلهم بما كانوا يعملون ” (النور:24)

أين يقع عقل الجسم؟

هل يقع عقل الجسم في الشبكة الوراثية التي تُعيد الخلق والتكوين؟ أم في الكبد الذي يقنن التفاعلات الكيميائية؟ أم في الكلى التي تصفّي الدم؟ أم في قنوات الأذن التي توازن حركة الجسم؟ أم في الجلد الذي يتذكر الجروح فيرمِّمها؟ أم في المخيخ الذي يتحكَّم في الحركات اللاإرادية؟ ثم كيف ينمو شعر الجسد بعد الموت؟ ثم كيف تُزرع الأعضاء بعد بَترها من جسم ميت لتعمل في جسم حي؟ وكيف يبقى القلب نابضاً عندما يُخرج من الجسد ويوضع في سائل، وكأنّ حياته لم تنتهِ بعد؟

اختصر الأوائل كلّ ظواهر عقل الجسم، تحت اصطلاح (القلب)، الذي تُنسب إليه المشاعر والأحاسيس والعواطف والبصيرة والحكمة والرؤيا. إذ يقال: «قلبي حدثني، وتمنّيته من كلّ قلبي، وسامحته من كلّ قلبي، وأحببته من كلّ قلبي …إلخ» وفي حالة الارتباك نسمع من يقول: «أنا لم أفهم ما حدث لي؟ وكيف خانتني الذاكرة في تلك اللحظة؟ واللغة عجزت عن التعبير عن مشاعري!» وفي مواقف أخرى، تخرج الكلمة كزلّة لسان، لم يتمكّن الدماغ من لجمها. بلغة التراث، عقل الجسم هو عقل الفطرة والنفس، أي عقل الذات.

 

إغلاق