أعلام وشخصيات

عَلَمُ الأمّة: الشيخ حسين علي آل مغنيّة

231-232

بقلم: الدكتور يحيى الشامي
بين النجف وبلاد عاملة:

في صبيحة يومٍ أغرٍّ من أيامِ واحدةٍ من السنين الخمس ما بين ١٢٧٥ و١٢٨٠هـ، ـ لم نوفَّق في تحديدها بالضبط ـ وفي النجف الأشرف حاضرة العلوم الدينية، كانت ولادة العلم العلامة، والفقيه الفهامة، الشيخ حسين بن الشيخ علي بن الشيخ حسين بن الشيخ مهدي آل مغنيّة العاملي، أحد أبرز العلماء العاملين فى عصره، من انقادت له أزمّة الفقاهة والنباهة، ولانت له أعطاف الحكمة والكلمة الطيبة، فما عُرِف إلاّ برجاحة العقل، وسجاحة الخُلُق، وعلوّ الهمّة، وجودة الرأي، ومحمود السيرة، وصفاء السريرة، وسخاء اليد، وكرم الطبع، والبراعة في كتابة الشعر والنثر(1).

في النجف، كما أسلفنا، كانت ولادة الشيخ الذي وشكانَ ما حُرم عطف الأب ولمّا يتجاوز الرابعة من عمره، غير أنّ هذا الحدث الفاجع ما كان ليفتّ من عضده، وما كان اليُتم بالنسبة إليه، سوى قَدحٍ بزندٍ أخرج ناره مفجراً فيه كوامن الرجولة والبطولة والصبر على زعازع الدهر، كيف، وسيّد الكائنات محمد (ص) النبيّ العربيّ نشأ يتيماً، لا، بل هو من عرف اليتم قبل أن يولد بشهرين، فجاء بالنور الذي ملأ الخافقين، يشير شيخنا المترجَم له، إلى هذه الحادثة في شعر من بواكير شعره، يقول:

رأيت اليتم في سنّ الطفولةْ            يسير بأهلهِ نحو الرجولهْ

فذاك نبيّنا أمسى شعاعاً                  يهلّ، ولا ترى أبداً أفولهْ

أضاء المشرقين عُلىً بشمسٍ          هي الإسلام في دنيا مهولَهْ

شعرٌ هادفٌ ينمُّ عن نبوغ مبكّر، وأسوة برسول الله (ص) ما كان أحسنها أسوةً حتى إذا ما بلغ الطفل الثامنة، يرعاه جدّه لأمِّه، استبدّ به وبها الحنين، فجاءت به من الأرض التي فتح فيها عينيه لأول مرّة، عنيتُ مثوى سيّد الوصيين، إلى الأرض التي بارك الله، عنيتُ بلاد عاملة موطن محبّي عليّ ومواليه، وتحديداً إلى طيردبّا تلك القرية الوادعة المُشرفة على صور، إذ راح الطفل يدرج شيئاً فشيئاً منصرفاً إلى الدراسة في كُتّاب قريب له، فلما ختم القرآن في ثمانية أشهر لا غير، التحق بالمدرسة الرشيدية في صور، تحوطه عناية أستاذه الشيخ جعفر آل مغنية، ثم بمدرسة حنَوَيْه، ثم بمدرسة بنت جبيل الدينية، فكان بما أوتيَ من ذكاء وسرعة بديهة ونضوج عقليّ، ومقدرة على التحليل والتعليل، مثار إعجاب أساتيذه الذين كان منهم الشيخ علي عز الدين، والشيخ موسى شرارة، هذا الذي تنبأ للتلميذ بمستقبل علميّ زاهر مستنداً في ذلك إلى لطيفة سمعها منه فنالت إعجابه(2)، وبالفعل صحّت نبوءة الأستاذ فانطلق التلميذ إلى النجف ليقيم بها ردحاً من الزمن متابعاً دراسته الدينية متفوّقاً على العديد من أقرانه، خاتماً مسيرته العلمية بالحصول على أرقى الإجازات المقرّة له بالفضل والاجتهاد، وإنّ من أصحاب تلك الإجازات الشيخ محمد طه نجف، والشيخ آقا رضا، والسيد محمد تقي الطباطبائي من آل بحر العلوم(3).

سنوات عشر أو تزيد، مرّت على إقامة الشيخ حسين في النجف الأشرف، من قَبل أن يعود إلى الوطن الأمّ والإقامة بدارته المتواضعة في طير دبّا، فأضحت تلك الدارة مقصداً لذوي الحاجات، ومحجّة لطلاّب العلم الذين نبغ فيهم كبارُ أمثال الشيخ عبد الكريم محمود مغنيّة، والشيخ محمد العسيلي.

مؤهّل العلماء:

وتثبت الأبصار في الشيخ حسين، وتعلَّق عليه الآمال، وتشدُّ إليه الرحال، فتوكل إليه مسؤولية القيام بأعباء رئاسة الجمعية الدينية الإصلاحية الاجتماعية والعلمية، وإن تعجب فاعجبْ لِلَّقب الذي أُطلق عليه في حينه، وهو لقب مؤهّل العلماء.

جمعية العلماء العاملية عام 1934، يظهر الشيخ حسين مغنية ثاني الصف الثاني من اليمين وإلى يمينه السيد محسن الأمين

أمّا كيف ذلك، فإنّ ثمّة حادثة طريفة أوردها الشيخ عبد المجيد الحر في أدبياته العاملية مفادها أنّ شيخاً من مشايخ عاملة، حديث العهد بالمشيخة، كان حضر للتوّ من النجف الأشرف فأقام في إحدى القرى العاملية، فرغب الشيخ حسين في زيارته، وكان الوقت وقت الظهر، فلما فرغ الشيخ الشاب من صلاته الجامعة، وأراد الخروج من المسجد وقعت عين الشيخ حسين على رجل طاعن في السنّ يتقدم الشاب، حاملاً له نعليه، ما أثار استياء مترجمنا الذي راح يسأل عمَّن يكون هذا الطاعن في السنّ، فقيل له: هو والد الشيخ الحديث العهد بالمشيخة، فانفجر مترجمنا غاضباً قائلاً لهذا المعمّم: انزعْ عمامتك عن رأسك، فنزعها، فاقتطع شيخنا أذرعاً معدوداتٍ مبقياً على النزر اليسير منها قائلاً له: «الرجل في مثل قيافتك، ويدّعي أنّه كنز العلم، وعرف الغثّ من السمين، ويسمح لأبيه أن يحضر له نعليه، ليس بعالمٍ. هيّا عُد من حيث أتيتَ، واطلب من النجف الآن أن تعلّمك علم التواضع في احترام الأبوين لئلا تخسر دينك ودنياك. إنّ علماً مثل علمك لا يعرف ما للأبوين من حقوق وواجبات مهلكة وأيّة مهلكة…»(4).

تلك الحادثة التي قد تُنسب إلى غير مترجمنا أيضاً، والتي تناقلها عدد من العامليين، فانتشرت في البلاد، كانت وراء تلقيب مترجمنا بلقب مؤهّل العلماء.. وهذا ما حصل بالفعل، إذ راح العديد من العلماء العامليين العائدين حديثاً من النجف، يتحرّجون حذراً من الوقوع في مثل ما وقع فيه زميلهم الشيخ الشابّ من قبل.

نماذج من نثره وشعره:

وعدَّ عن هذا، فلقد كان لمترجمنا الشيخ مواقف وطنية مشهودة، ومشاركات في فضّ الخصومات، ورفع الظلامات معدودة، وفي الإبداع الشعري والنثري مساهمات غير محدودة، وإن من هذه التي يغلب عليها طابع العقل، وصدق العقيدة، وعمق الإيمان، والرضا بما قسم الله، والتسليم لمشيئته، كان ذلك لما ذاق مرارة اليتم بفقد الأب وكان حدث السنّ، إنّ منها قوله: «الحمد لله الذي ابتلاني بالصبر وشدّ عزيمتي بالإيمان منذ أن رأت عيناي دنياي بلا أبٍ يعينني على تليين صلبها، وردِّ عنادها، فجعل من نفسي رضىً بقناعة دؤوبة السعي لا تعرف الملل، ومن روحي تعلقاً بخالقها ما زاغت معه عن إيمان، ولا افترقت عنه إلى ضلال.. ولمّا كان العقل دالّاً على أسباب ما تدعو إليه الحاجة جعل الله الإدراك، والظفر موقوفاً على ما قسم الله وقدّره، وأتوجه بذلك إلى المؤمنين الأتقياء من بني البشر كيلا يعتمدوا في الأرزاق على عقولهم، وفي العجز على فِطنهم، لتدوم له الرغبة والرهبة، ويظهر منه الغنى والقدرة.. وأتوجه إليه بالشكر تعالى، إذ حصّنني بالثبات على إيمانه، والعناد على احتمال البلايا بعيداً عمّن ساء ظنّهم بخالقهم حتى صار ذلك الظن سبباً في ضلالهم.. ولو حسن ظنّ العاقل في صحّة نظره لَعَلِم من علل المصالح ما صار به صدّيقاً لا زنديقاً، لأنّ من عِلَل المصالح ما هو ظاهر، ومنها ما هو غامض، ومنها ما هو مغيّب، حكمة استأثر بها، ولذلك قال النبي (ص): «حُسن الظنّ بالله من عبادة الله»(5).

منزل الشيخ حسين مغنية في طيردبّا

وإنّ منها شعر الرّثاء الذي رثى به الشيخ محمد بن الشيخ أمين شرارة رفيق دربه في الدراسة الدينية، قوله :

أرى الدنيا على عجلٍ تزولُ                ولا يبقى بساحتها نزيلُ

تدور بأهلها كـأس المنايا                  كما دارت بشاربها الشمولُ

فقلْ للغافلين على غرورٍ                  ألا، هبّوا ، فقد أزف الرحيلُ

ألا، لله ما صنعتْ بنفسي                 مصائبُ ليس يحملها حمولُ

فجعتُ بكلّ وضّاح الثنايا                    كأنّ جبينه سيفٌ صقيلُ

ورزء محمدٍ أودى بصبري                   وهاج به ليَ الداءُ الدخيلُ

كريم الأصل، مِن سروات قومٍ             بهم يُستدفع الخطب الجليلُ

علا من دوحة العلياء فرعاً                 فلمّا طال عاجله الذبولُ

وأشرق من سماء المجد بدراً             فلمّا تمّ أدركه الأفولُ(6)

شعرٌ لا يخلو من مبالغات كانت سائدة في ذلك العصر، لكنّه في الغاية من رقّة الطبع، وحلاوة الجرس، وجزالة التعبير، أمّا الشعر الذي رثى به أستاذه الشيخ موسى شرارة، فهو كالشعر السالف الذكر لجهة الإفراط في المبالغة، ومنه قوله:

جـبـلٌ هـوى فـي عـامـلٍ فتزايلتْ                فـي كلِّ نـاحـيةٍ له أجـبـالُهـا

تـنعى الشـريعة كهفَهـا وعـمـادهــا             مَنْ فـي يـديـه حـرامهـا وحـلالُهـا

ورقت بـه فـوق الثّريـا مــنزلاً                       هِمَمٌ تدوس النـيّراتِ نعـالُهـا

يـا بُلغةَ السـاريـن أنّى أتهــــمَتْ                 أو أنجـدت فـي السـائريـن جِمـالهـا

أنّى استطـاع بأن يـنــازلك الرّدى                 أوَ يُستطـاع مـن اللـيـوث نزالهــا

عهدٌ عـلـيَّ فلـيس بعـدك مـنطقـي لا          يلـد القـوافـي الـمستـنـير هلالها(7)

ما قيل في تأبينه:
ضريح الشيخ حسين مغنية في طيردبّا

هذا عن شعر المترجم له، هو شعر كما لاحظته، ينمّ عن فصاحة في التعبير، وجودة في التفكير، وإن غلبت عليه النزعة التقليدية، أمّا ما قيل في تأبينه، وهو الذي وافته المنيّة في صيدا سنة ١٣٥٩هـ/١٩٤٠م، فدُفن في مسقط رأس والديه، طير دبّا، فإنّ منه شعراً هو أقرب إلى الشعر الذي يكتب فوق شواهد القبور، قاله ولده الشيخ خليل، نقتطف منه قوله:

أيّها السائر مهلاً فهنا                      يقف الركب لنيل البركات

ها هنا يرقد من كان له                   مجلس الأحكام فوق النيرات

عيلم العلم الذي في علمه              هتك الجهل وأجلى الظلمات

فعليه رحمةٌ فياضة                         تتوالى في صباح وغداة(8)


المراجع:

(1) الأمين، محسن: أعيان الشيعة ٢٦/١٥٥، دار التبليغ الإسلامي.

(2) انظر: مقالة عبد المجيد في العرفان مجلد ٧٤، عدد ١ ـ ٢، ص ٧١.

(3) أعيان الشيعة، 26/١56.

(4) العرفان، مجلد ٧٤، عدد ١ ـ ٢، ص 72.

(5) العرفان، مجلد ٧٤، عدد ١ ـ ٢، ص ٦٧.

(6) أعيان الشيعة، 26/١56.

(7) نفسه.

(8) أعيان الشيعة ٢٦/١٥٦ ـ 159.

إغلاق