من سير الأطهار/ أدب ملتزم

كلمة الله

بقلم: رجاء محمد بيطار

 

يرفّ فؤادي إذ يتمثّل عظمة ذاك الجِنان، ويتقلقل الدمع في عيني إذ يعكس عبر مرآة الزمان، شعاع تلك المقلة الذائبةِ بكلّها في ضياء الرحمن، وتتلجلج كفّي وهي تقبض على يراعٍ مغمّسٍ بنور الشمس، قد انتضته مذ تراءى لأصابعها الخمس طهر تلك النفس، وقد أذهب عنها قرَّ الجهل وعمى الألوان، دفء ذاك الكساء …

وأستلّه، ذا فقارٍ مرهف الحدّ قد شحذته أنوار القدس، مستوي القدّ قد قوّمته استقامة الصراط، حتى غدا القلب مشبوب الأنياط، مرهف العشق، ينسكب فوق نصوع الروح ليخطّ حرف البوح على أسفار الحق.

… وتنخفض الأبصار كليلةً داوية دون مرأى أنواره، ولكن الإصرار على حمل الأمانة يحدوها لتتغلغل في موج أسراره، فتغوص وتنفذ إلى جزءٍ ولو يسيرٍ من عمق أغواره.

أيها المولود حيث لم يولد سواك، حين لم يولد سواك، كيفما لم يولد سواك…

لو كانت حروف الهجاء في كل اللغات والأصوات دواةً لمدادي، لما نفدت كلمات شكري للباري على نعماء معرفتي لمرادي، وأعجب كيف تعجز الحروف عما أحاط به فؤادي!

ولكني سأحاول، .. والبعض قبسٌ من الكلّ، فهو شعاعٌ من نوره الكلّيّ مستلّ، ولعله يكفي لينير القلوب بحبّه الأمثل، لتعبّ من معينه وتعلّ وتنهل.

ولكن، ما بالي كلما خططت حرفاً شطبته ونبذته؟!

بلى، .. وإنّي لأجدني مقصّرةً في حقِّ حرفه، فمن أنا ليتكلّم بناني بشرفه، وهو أشرف الشرفاء؟!

ولكن يراعي يتمرّد، فهو يبغي أن يخوض في هذا العباب الممرّد، وأن يرد مورد الكوثر ليكون له نصيبٌ من سقائه الأوحد.

وأستجيب، ويتّصل المداد بالوريد، وتنزف الروح فوق الصعيد، وتنثال الأشواق منضّدةً فوق الأوراق، عساها تترجم هذا العشق النضيد.

… هناك، ببطن مكَّة حيث ينتصب بيتٌ وُضع للناس مباركاً وهدىً للعالمين، تخطو سيدةٌ من سيدات أهل الجنة، فضّلها الله على كثيرٍ ممن خلق تفضيلا … ويلفّها ضياء الصادق الأمين ودعاؤه … أوليست هي من جعلت يديها له، في طفولته ويتمه، وسادة، ومن قلبها محراب عبادة، حتى دعا لها بطيب الولادة وجوهر السعادة؟!

هو قلبها إذاً، يحدّثها بأن في بطنها سيدٌ يبزّ سائر السادة، شرفاً وسؤدداً وقيادة، بل هو جنينها المطهّر يحدّثها ويسلّيها ويؤنسها، فما بالها تسأل الله أن يهوّن عليها هذا الأمر المقدور، وهي قد ولدت قبله ثلاثةً من الذكور؟!

بلى … فإنَّ ربيب فؤادها محمداً قد أخبرها أن هذا الوليد له شأنٌ مذكور، ولذا فإنَّ الرهبة تطوّقها، والهيبة له وهو لم يزل في أحشائها تؤرّقها.

ولا يخيّبها الربُّ، بل إن البيت الحرام كان يتلوّع من هوىً ويتلهّف من جوى، وقد آذنه الله بأن ينفرج، باباً ومحراباً، وأن ينشقّ، قلباً وأثواباً، ليضمّ فاطمة ووليدها الموعود في حرمه المقدّس طوى، ثلاثة أيامٍ بلياليها، ثم تلتحم جنباته فلا يُؤذن لأحدٍ بولوجه عليها.

هي عِدّةُ أيامِ عيسى، نطق بعدها في المهد صبياً، ولكن مريم بنت عمران التجأت إلى ظلِّ النخلة لتساقط عليها رطباً جنيّاً، أمّا فاطمة بنت أسدٍ فقد انفرج لها ظل الكعبة لتساقط عليها من طعام الجنة!…

وانشقّ البيت ثانيةً من حيث التحم، وخرجت فاطمة إلى قومها ليرَوا وليدها ملتفّاً بكمّها، فتقدّمه مزهوّةً به إلى ابن عمها، وتخبرهم بحقيقة أمرها وأمره، وعظيم قيمته وقدره.

لقد أتاها النداء من رب السماء أني قد اشتققت له من اسمي ما يليق، فهو العلي وأنا الأعلى، وهو الوليّ الصدّيق، مولود بيت الله العتيق.

وتصل البشارة إلى محمدٍ صلى الله عليه وآله، أن قد ولد في بيت الله وصيُّك المُمجّد.

ويقبل باسماً متهلّلاً، لحبيبه مستقبلاً، شاكراً حامداً، وراكعاً ساجداً، ثم يغدو في كلِّ حينٍ لعليٍّ حاملاً، حتى يقترن اسماهما في الورى، فإذا محمدٌ وعلي، نبيٌّ ووصي، مربٍّ وربيب، مؤدِّبٌ وأديب، حاملٌ ومحمول، ثم محمولٌ وحامل في ذلك اليوم العصيب.

وها هو علي يعيش طفلاً بين أكنافه، يحنو عليه ويرعاه كالدرّ في أصدافه، ثم يغدو ذائداً عنه مقتدياً بأوصافه، فيزوّجه بضعته ويغطّيه بلحافه، وقد أتاه الأمر من الباري بأن يفضّله ويؤاخيه، ثم غدا يستخلفه بعده على الكون ومن فيه وما فيه.

وحينما تتوارى شمس المصطفى خلف حجاب الأيام، يعلم الزمان أنه ما استطاع أن يواريها، فهي أبداً ماثلةٌ للأنام، تشرق من عيني وصيّه، ويلج الظامئون لعلمه الملكوتيّ مدينته من باب عليّه، فعليٌّ هو نفس محمَّد، وولداه سبطاه، وذريّتُه ذريتُّه، «فكلُّ ذرية نبيٍّ من صلبه، إلا ذريّتـي فهي من صلب علي».. كذا قال وصدق رسول الله (ص).

إيه أيُّها القلم، رويدك فإنّي أراك تتيه وتتباهى على الأقلام!

مالك لا تذوب خجلاً من عظيم تلك الصفات التي تجسّدها بالكلمات؟!

وما لك لا تتجمّد وجلاً من ذاك الأسد الهصور، الذي ما برح يبكي في الليل كالمقرور، خشيةً من الربّ وهو المعصوم من كل ذنب، ورأفةً بأهل الدور والقبور، وهو يرى اغترارهم بالدنيا وسعيهم وراء المنظور، وقد نسَوا كل محذور ومحظور، وغاب عنهم أن الحليم الغفور هو أيضاً عادلٌ لا يجور!

إيه أيَّها القلم، كفاك …

لقد أخذتَ نصيبك من النور فدع لي نصيبي، ولا تزد على ما خططتَ فلقد كدتَ تحرقني بلهيبي، ودع عنك تعداد فضائله فلستَ على إحصائها بقادر، إذ لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدداً.

ولئن استطعت أن ترمز إلى «العظيم» بعين وإلى «اللّيث» بلام، وإلى «يد الله» بياء، فلعمري لقد نطقت مادتك الصمّاء بـ «علي» أشرف الأسماء!

ومهما أطلتَ يا قبلة الأنامل، فإنك لن تجوز صراطه إلا معتصماً بحبله الكامل.

وإن كان هو «الأول»، أول من آمن بالنبي الأعظم، و«الآخر»، آخر الناس عهداً به، و«الظاهر»، من أظهر علمَه، و«الباطن»، من أبطن سرَّه، و«هو بكل شيءٍ» علّمه إياه المصطفى «عليم»، فلا عجب أن يختم الله له بأفضل وأشرف ختام، شهادةٌ تدوّي لها السماء فإذا هي ركام، بصوت جبريل ينعاه بأشجى كلام:

«تهدّمت والله أركان الهدى، وانفصمت والله العروة الوثقى».

شهادةٌ يفوز بها فوزاً لا يفوزه إلا إمام المتقين، وليد الكعبة وشهيد المحراب، وتتزلزل لها الأرض وتنشقّ لتضمّه بجوار ضجيعيه آدم ونوح، حيث يلحده الإمام المجتبى سراً في الخفاء، كما صفيّته الزهراء، في ذلك اللّحد المشقوق الذي وجده مكتوباً عليه:

«هذا ما أعدّه نوحٌ نبي الله لعليٍّ وصي محمد!»

كلمة الله أنت يا سيد الأولياء، نطقت بها الأرض لتخاطب السماء، ومهما شحذت الأقلام حدَّها ورفعت الأصوات وِردها، فلن تحيط بك يا باب مدينة علم النبي، وخلاصة النفس الشذي، فعذراً يا إمام المتقين، إذ تطاولنا لعلاك، وأقتبسنا بعض نداك، ويكفينا من الفضل أن نمسّ بعض هذا الطهر لنبلغ عليين، مضمّخين بأنوار اليقين، وسلامٌ على المصطفى في المرسلين، وعلى المرتضى في الوصيين، والحمد لله رب العالمين.

إغلاق