وهدوا إلى صراط الحميد

الأديب الفرنسي : فانسان مونتييه

233-234

 

كان مونتييه يشغل منصب أستاذ اللغة العربية والتاريخ الإسلامي في جامعة باريس، وكذلك منصب رئيس «مؤسسة الدراسات الإسلامية في «داكار، وله عدَّة مؤلفات منها:

  • كتاب «الإرهاب الصهيوني».. و«المسلمون في الاتحاد السوفيتي».
  • كتاب «الإسلام في إفريقيا السوداء».
  • كتاب «مفاتيح الفكر العربي».
  • كما قام بترجمة مقدمة ابن خلدون إلى الفرنسية.

اختار الإسلام ديناً بكلِّ اقتناع ورضا، واتّخذ من العرب المسلمين إخوة له في الإسلام، دون أن يتخلّى عن جنسيته الفرنسية، إذ كان مؤمناً بأنّه لا تناقض بين عقيدته الإسلامية وجنسيته الفرنسية.

وعن اختياره للإسلام ديناً أوضح قائلاً: «لقد اخترت الإسلام ديناً، ألقى به وجه ربي لأسباب شتّى، منها الأسباب الدينية، والأسباب الأخلاقية، والاجتماعية، والثقافية والعاطفية».ثم استطرد في تفصيل ما أجمله..

فقال: «لقد اخترتُ دين الفطرة.. وهو الإسلام، وكنت فيما مضى كاثوليكيّاً.. وفي الكاثوليكية أمور كثيرة لم أقتنع بها ولم أفهمها، في حين أنّه في الإسلام يكفي المسلم أن يتوجّه إلى ربّه مباشرة بدون وسيط.

المرة الأولى

حدث أن وقع بين يدي ـ لأول مرة في حياتي ـ ترجمة لمعاني القرآن الكريم، واستوقفتني معاني كلماته، مثل: “قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ اللهُ الصّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ” [الإخلاص].

فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ “. (سورة الروم: 30)

كما يذكر أيضاً أنه قرأ حديثاً لرسول الله (ص)، شعر تجاهه بأنّ الإسلام دين الفطرة بحق: «كل مولود يُولَدُ على الفِطْرة، فأبواه يُهَوّدِانه أو يُنَصّرِانه، أو يُمَجّسَانِهِ».

ولذلك يقول فانسان مونتيه: «لقد آمنت برسالة محمد ومصداقيتها، مثلما آمنتُ تماماً بوحدانية الله.. إن محمداً رسول الله حقاً.. والقرآن الكريم مُوحىً به من عند الله وليس من إنشاء محمد أو صُنعه…. ورسالته السماوية السمحاء ليست مقصورة على العرب.. وإنّما هي للناس كافّة.

وعمَّا لفت نظره في الإسلام أيضاً يقول: «رأيت في الإسلام تسامحاً مدهشاً، والأخلاق الرفيعة هدف كلّ مسلم، فالإسلام يحفظ للإنسان إنسانيته، ويدفعه إلى التمتع بالحياة وطيباتها، ما لم تتعارض المتعة مع تعاليم الله تعالى.. ثم طأطأ برأسه، ووجهه شرق بابتسامة عريضة تالياً قوله تعالى: :” وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ”[الحج: 78]، ثم غابت ابتسامته فجأة وهو يتذكّر المتحاملين على الإسلام، وما يرمونه به من تُهم باطلة لا صحة لها على الإطلاق، فيستعـــرضها مفنّداً: أعداء الإسلام يَدَّعُون أنّ المسلمين لا يرضون من غيرهم إلا أن يكونوا مسلمين، فإذا لم يكونوا مسلمين أشهروا عليهم سيف الجهاد … في حين أنّهم لو عقلوا ذلك جيداً لعلموا أنّ الجهاد الإسلامي مفروض، ولكن من أجل إحقاق الحق وإزهاق الباطل».

قام «مونتييه» برحلات إلى مختلف الدول العربية، والسنغال، وأندونيسيا، ومالي، وغانا، وساحل العاج، والنيجر، وموريتانيا، وسيراليون، وفي هذه الدول تعرّف على الإسلام والمسلمين عن قرب، وعرف حقائق عديدة كان يجهلها من قبل عن الإسلام والقرآن وعادات وتقاليد المسلمين الرفيعة، ومن ثم كانت نهاية هذه الرحلة الميدانية والفكرية الطويلة، الإعلان عن إسلامه في مدينة «نواكشوط» في موريتانيا في صيف عام 1977.

ترجمة مونتييه لمقدمة ابن خلدون إلى الفرنسية
يواصل «مونتيه» تفنيده لادعاءات الحاقدين على الإسلام فيقول:

«إنّهم يتهمون الإسلام بالقسوة المفرطة، مع أنّ الإسلام دين السلام، والتسامح، والعفو، والمغفرة».

كما أنّهم يتّهمون الإسلام بظاهرة الرَقّ التي وُجِدَتْ قبل الإسلام وليس بعده، بل حين انتشر الإسلام وطُبقت تعاليمه كان يسعى لإلغاء الرّق، بل إنّ كثيراً من الكفَّارات للذنوب التي يقدم عليها المرء هي تحرير الرقاب الذي عَدَّه الإسلام تقرباً وطاعة لله.

ثم يحاولون الإساءة إلى الإسلام من زاوية تعدّد الزوجات، ولو عقلوا لوَجَدُوا أنّه، وإن سمح حقّاً بذلك، فإنّه في الوقت ذاته وضع شروطاً دقيقة أساسها العدل المطلق، والمعاملة الطيبة، كما نظر إلى النساء اللواتي حالت ظروفهنّ دون الزواج، أو لمرض الزوجة، أو لأسباب أخرى.

ثم يصمت برهة ليجزم بالقول: «إنّ الإسلام بعظمته وعمقه، وبنقائه ورقُيه، وبتسامحه ودعوته لكرامة الإنسان في كل زمان ومكان لن يستطيع أحدٌ أن ينال منه.. لأنّ الإسلام في ذاته قوي، وتعاليمه تدعو إلى القوة بعدم ارتكاب المعاصي والذنوب التي تضعف القوة، مثل الزّنَا، وشُرب الخمر، وأكل لحم الخنزير، وغير ذلك مما يحرّمه الدين الحنيف». ويختم كلامه وقد غمرته سعادة إيمانية وهو يقول: «لهذا اخترت الإسلام.. من أجل أن أشعر بالراحة في رحابه وظلاله … نعم، اعتنقتُ الإسلام لأشعر وأدرك أنني اعتنقت ديناً لا يفصل بين البدن والروح، بين النفس والجسد، يدفع إلى الأخلاق والتحلّي بها، وإلى الكرامة الإنسانية والتمسّك بها».

كتاب الإسلام في إفريقيا السوداء

في السابع والعشرون من فبراير سنة 2005 وعن عمرٍ يناهز الـ91 عاماً، رحل فانسان مونتييه عن هذا العالم، تاركاً خلفه أعمالاً وفيرةً بين دراسات وشهادات وترجمات غنيّة، فقد كان أحد أكثر الباحثين غنىً في تخصصه وواحداً من أكثر الباحثين تواضعاً.

إغلاق