أخلاق

أساس بناء الشخصية: الظروف أم الصفات؟

233-234

بقلم: الشيخ يحيى رسلان

 

أيّهما يبني شخصيّة المؤمن، الظروف المحيطة؟ أم نفس المؤمن وصفاته؟

كثُر في هذا العصر التنظير للبناء على أساس الظروف؛ فمثلاً: إذا أردت منعَ السرقة عليك أن تنزعَ الناس من الفقر، لأنّ الفقر هو الذي يدفع الناس نحو السرقة.

وللأسف الشَّديد: أضحت هذه النظريات الأساس في ثقافتنا، وأصبحت تصيب حتّى المؤمن فتراه يؤجِّل قيامه بواجباته الدينيّة والتزامه بالعبوديّة منتظراً حصول هذا الأمر أو ذاك، بانياً بذلك التسويف على الظروف. وهذا ما نلحظه أيضاً عند طالب العلم غير المتزوِّج مثلاً فنراه يؤجِّل أعمالاً معيَّنة إلى ما بعد الزواج؛ فيبني على هذا الأمر قائلاً: «حينما أتزوج سأفعلُ كذا وكذا»، ويأتي الزواج، ولا تتبدل الأحوال، فمن يبني على الظروف لن ينال خيراً.

إذا انتقلنا إلى المجتمع ككلّ، نرى أنَّ رُقيّ الأمم وتقدّمها قد بُني على الاقتصاد، أي على الظروف:

  • فإذا كان وضع الأمّة حسناً من حيث الرفاه والتمدُّن، كانت في عِداد الأمم الراقية.
  • أمّا إذا كانت ظروفها سيئة، وكانت تعاني من الفقر أو المجاعة أو غيرها من الظروف الصعبة فهي أمَّة غير راقية.

فقد بنوا هذه الفكرة على أساس الظروف، وللأسف الشديد، فقد انتقلت إلى مجتمعاتنا التي تدَّعي الإيمان.

ولتأكيد هذا الأمر يكفي أن نلاحظ حركاتنا وتفكيرنا وبناءنا اليومي، فترى الواحد يقول: إذا تيسَّر الأمر الفلاني سوف أستريح وأعمل كذا. هذا يعني أنّنا نرى رقيّنا ودنوّنا مبني على  الظروف، وهذا خطأ.

فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ” [الفجر: 15 ـ 16].

فليس الغنى بإكرام ولا الفقر بإهانة، بل كلاهما بلاء: «ينعم عليك ليبتلي شكرك، ويبتليك بالفقر ليعرف صبرك».

فإذاً ليس الغنى مطلوب ربّانيّ ولا الفقر مطلوب ربّانيّ، وكذلك ليس الغنى إكرام ولا الفقر إذلال. فالإسلام بنى على الشخصيّة وعلى الإيمان، وليس على الظروف.

فقد ورد عن أبي عبد الله (ع) قال: «ينبغي للمؤمن أن يكون فيه ثمان خصال: وقور عند الهزاهز، صبور عند البلاء، شكور عند الرخاء، قانع بما رزقه الله، لا يظلم الأعداء ولا يتحامل للأصدقاء، بدنه منه في تعب والناس منه في راحة»(1) .

وعنه (ع): «المؤمن أشدّ من الجبل والجبل يستقلّ منه بالفأس فينحت منه والمؤمن لا يستقلّ على دينه»(2).

فليقرأ كلّ واحد منّا التاريخ وليسأل نفسه: ألم يكن صفوة أصحاب النبي محمد (ص) أفقر الناس؟
كيف كان الذين قاتل معهم علي بن أبي طالب (ع)؟

ومن المعروف في التاريخ أنّ الفقراء هم أتباع الأنبياء، لماذا؟

لأنّ الأنبياء بنوا إيماناً في نفوس قومهم فتحمّلوا الفقر وشكروا عند الغنى وصبروا عند البلاء. ومن يَبني إيمانه على الظروف لا يصل. بالمقابل، من يبني إيمانه على ما حباه الله (سبحانه وتعالى) من صفات ويسعى لتحصيلها، فإنّ إيمانه يكون حقيقياً.

حينما نقرأ صفة المتقين في نهج البلاغة، هل نجدهم من ذوي المال؟ أو من أهل الراحة والنوم؟

بل نجد أنّهم يحملون البلاء، يشكرون عند الرخاء، يدعون الله (سبحانه وتعالى) خوفاً وطمعاً، لا يلتفتون إلى أهل الأرض، خرجت الدنيا من قلوبهم.

فإذاً من أراد أن يكون عبداً لله (جلَّ وعلا) فليرَ كلّ ما في هذه الدنيا بلاء، فرخاؤك بلاء وتعبك بلاء. مع الرخاء تأتي الغفلة، ومع القلّة تأتي الشدّة. فيجب عليك أن لا تطغى حين الغنى وكذلك أن تصبر حين الفقر.

وللأسف، فإنّ ما نسمعه الآن من تنظيرات تتجه إلى أنّنا إذا أردنا أن نجعل المجتمع متكاملاً علينا أن نهيّء مرافق الراحة والرفاه. بينما نجد في الرواية الشريفة عن الإمام الباقر (ع): «لمّا خلق الله العقل استنطقه ثم قال له:
أقبل فأقبل ثم قال له: أدبر فأدبر ثم قال: وعزّتي وجلالي ما خلقت خلقاً هو أحبّ إلي منك ولا أكملتك إلا فيمن أحب، أما إنّي إيّاك آمر، وإيّاك أنهى وإيّاك أعاقب، وإيّاك أثيب»(3).

بعدها جعل الله (عزّ وجل) جنوداً للعقل فكان الحلم والعلم والصبر، وغيرها من الصفات الفاضلة. وكذلك جعل (سبحانه وتعالى) جنوداً للجهل فكان الشّر والكفر والجحود والقنوط والسهو والقطيعة والنسيان وغيرها من الصِّفات الذميمة.
فهل جعل من جنود العقل الغنى والنوم الهانئ أو الرياسة أو المال؟!

نحن وللأسف الشديد، نعيش ازدواجية فكريّة، نقرأ الروايات، ثم نكثر من التنظيرات. ولذا فإنّنا رغم توجهنا نحو الدين ومعارفه فإنّنا نربط بين تحسين المجتمع وتحسين وضعه الإقتصادي، ونحن بذلك نبني شخصيّة المؤمن بناءً على وضعه الاقتصادي. وهذا لا يعني أنّه لا يجب علينا السعي لتحسين وضعنا الاقتصادي، ولكن لا ينبغي أن يكون بناء  الشخصية وتقييمها مرتبطاً بهذا السعي.

ولتوضيح ذلك دعونا نرجع في التاريخ إلى انهيار الإتحاد السوفياتي حيث فقد القانون هيبته واحترامه: ألم يتحوّل «المواطنون» حينها إلى قطيع من الوحوش، فسادت الجرائم والسرقات؟

ما السبب؟

السبب في ذلك أنّ المجتمع كان مقيَّداً بالقانون فقط، فكان القانون هو الحاكم، وحينما سقطت هيبة القانون، تحوّل المجتمع إلى شريعة غاب، يفعل ما يشاء دونما حساب أو خوف من عقاب، وبالتالي كثُرت الجرائم والسرقات.

ونأخذ مثالاً آخر: عندما انقطعت الكهرباء لدقائق فقط في بعض مدن أمريكا، عمَّت السرقات بالجملة. لماذا؟

لأنّ الدولة كانت مبنيّة على القانون فقط، وهذا القانون غير قادر على تأمين الحماية في كلّ الحالات. ففي مثل هذه الحالة وكذلك في حالات الحروب والإنقلابات، تسقط هيبة القانون ويتوقف «المواطنون» عن الإلتزام به.

نأخذ مثالاً ثالثاً: من عايش منّا سنين الحرب الأهلية يذكر أنّه برغم كون الأبواب كانت مفتوحة ولكن لم تكن السرقات بنفس نسبتها اليوم.

بالمقابل، وفي زماننا هذا، حينما غرَّتنا الثقافة الجديدة، ترانا نغلق كلّ الأبواب ورغم ذلك نجد أنَّ نسبة السرقات إلى إرتفاع مستمر.

فأين مكمَن المشكلة إذاً؟

هل تحوَّل الغرب إلى أسوةٍ في مجتمعاتنا اليوم؟

المشكلة  أنّنا لم نفهم ديننا حقّ الفهم، بل للأسف الشديد أصبحنا صدًى للغرب، نعيش حالة انبهار دفعتنا إلى مجاراة الغرب بكلِّ ما يبثّه فينا. ونسينا أسوتنا الحقيقية، مُحَمَّد وآل مُحَمَّد صلوات الله وسلامه عليهم.

هذا لا يعني أن لا نستفيد من إيجابياتهم ولكن لا يجب أن يكونوا هم الأسوة.  لذا نجد أنّ رواياتنا ترشدنا إلى عدم التزيّن بزينتهم، لكي يكسر هذا الحاجز ولو على المدى البعيد.

جيد أن تكون هناك سلطة للقانون، ولكن القانون إذا لم يكن مصحوباً بالأخلاق سيتحوّل إلى سببٍ للغدر، عن طريق اللعب على ثغراته. ذلك أنّ القانون أعمى، ومن يريد حفظه يجب أن يكون فاهماً لروح القانون، وليس متعبّداً بمسطرة القانون. وإلا، بالقانون تستطيع أن تجعل الحق باطلاً والباطل حقاً، تتلاعب بمواده فيصبح الحاكم محكوماً والمحكوم حاكماً.
فإذاً، علينا أن لا نبني مسيرتنا إلى الله (سبحانه وتعالى) على الظروف، بل علينا أن نعي أن كلّ موضع يضعنا الله سبحانه فيه إنّما هو وسيلة لكي نصل إليه (عزّ وجل)، كالنبتة التي يهتمّ بها المزارع، فنراه يسقيها في فصلٍ ويتركها في فصلٍ آخر، أو نراه يشذِّبها في وقتٍ ويتركها في وقتٍ آخر، وهو يفعل ذلك تبعاً لاحتياجات هذه النبتة وتبعاً لخصائص كلّ فصل.

كذلك، فإنّ الله (سبحانه وتعالى) يبتلينا بالفقر ساعةً وبالغنى ساعةً أخرى، والذي يتوجَّب علينا في كلِّ الحالات أن نصبر وأن نشكر وأن نرضى.

نعم، نحاول أن نحسّن أحوالنا قدر الإمكان، ولكن دون أن نبني على هذا التبديل، بل نبني على العبادة والطاعة لله (سبحانه وتعالى).

فنحن نقرأ أنَّ أصحاب الأئمة (ع) أرادوا أن يحسنوا ظروفهم، ولكن حينما لم يحدث التبديل، لم نرَ شكاية واعتراضاً بل كما قالت زينب (ع): «ما رأيت إلا جميلاً».

ونحن إذ تعرَّضنا لبعض البلاء نكاد أن نخرج من الثياب ونشكو ربَّ الأرباب، وعلى الرغم من ذلك ندّعي أنَنا مؤمنون!
صحيح أنّ علينا أن نصنع هدفاً لمسيرتنا، ولكن فلنضع في حساباتنا أنّه من الممكن أن لا نصل سريعاً إلى هذا الهدف، ولكن وجود الهدف أساسي فالسائر على غير هدى كحمار الطاحون، «المتعبّد على غير فقه كحمار الطاحون، يدور ولا يبرح». و«ركعتان من عالِمٍ خيرٌ من سبعين ركعةٍ من جاهلٍ»، لأنّ العالِم تأتيه الفتنة فيخرج منها بعلمه، وتأتي الجاهل فتنسفه نسفاً. و«قليل العمل مع كثير العلم خيرٌ من كثير العمل مع قليل العلم والشك والشبهة». ولهذا على طالب العلم أن يفرِّق بين الظروف وبين الصفات، فالظروف لا تصنع الرجال ولا تصنع الإيمان. ولهذا نحن نقدِّس النبي محمَّداً (ص)، والإمام علي بن أبي طالب (ع) مع أنّهم كانوا يركبون الجمال. ونلعن الكثير من طغاة العصر وهم يعيشون التطور التكنولوجي، ويركبون الطائرات. وما ذلك إلا لكون التفاضل بالصفات لا بالظروف.
ولذا فإنّ من يريد أن يغيّر صفاته بظروفه لا عقل له، فالظروف لا تغيّر الصفات، قد تؤثر عليها أحياناً ولكن لا تغيّرها.
ولذا علينا أن ندعو الله (سبحانه وتعالى): «اللهمَّ ارزقنا اليقين وحسن الظّن بك وأثبت رجاءك في قلوبنا واقطع رجاءنا عمَّن سواك بحقّ مُحَّمد وآل مُحَّمد».


المراجع:

(1) الكليني؛ الكافي؛ ج٢؛ ص٢٣٠/٢٣١.

(2) المجلسي؛ بحار الأنوار؛ ج٣٧؛ ص١٦٥.

(3) الكليني؛ الكافي؛ ج١؛ ص١٠.

إغلاق