أسرة ومجتمع / صحة

الأهل بين الفطرة والإهمال

233-234

بقلم: إسلام شرف الدين

 

إنّ الله (عزّ وجل) برحمته وحكمته جعل أسمى علاقة في الوجود هي علاقة الوالدين بالولد، فقد فطر قلوب الأبوين على حب الولد و الرحمة به، وفطر الولد على التعلّق بهما حيث يجد الأمن والسلام في ظلِّهما. وقد جعل برّ الوالدين أكبر فريضة كما ورد على لسان مولى المتقين أمير المؤمنين (ع)، وقد قرن رضا الله برضا الوالد وسخطه بسخط الوالد كما في قول الرسول الأعظم (ص).

عقوق الولد:

ولكن في المقابل جعل للولد على أبويه من الحقوق ما يحمّلهما مسؤولية عظيمة أمام الله (عزّ وجل) تضاهي مسؤوليته تجاههما، كما في قول الرسول (ص): «يلزم الوالدين من عقوق ولدهما ما يلزم الولد لهما على عقوقهما»(1).

وفي قول آخر: «يلزم الوالد من الحقوق لولده ما يلزم الولد من الحقوق لوالده»(2).

رغّب في حبِّ الولد بعد ان أودعه في فطرة الأهل ترغيباً لهما في حسن معاملته، و ذلك لسموّ غاية الأبوّة التي هي بناء إنسان له كيان يسعى من خلاله إلى تحقيق الغاية من الخلق كما في قوله تعالى: :” ما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون” [الذاريات: 56].

وأيّ خلل في هذه العلاقة ينتج تشوّهاً في كيان هذا الإنسان الضعيف الذي جعل الله أمره بيد والديه، و بالتالي يؤدي إلى عواقب مدمّرة يتحمّل الأهل مسؤوليتها أمام الله (عزّ وجل) كما في قوله تعالى: “وقفوهم إنّهم مسؤولون” [الصافات: 42].

العاطفة مفتاح الشخصية السليمة:

ومن أجل بناء كيان الولد بناءً سليماً، حثّ سادات الوجود على إغراق الولد بالعاطفة والرحمة والاهتمام كما في باقة من أحاديثهم، منها:

عن رسول الله (ص): «أحبّوا الصبيان وارحموهم وإذا وعدتموهم ففوا لهم فإنّهم لا يرون ألا أنّكم ترزقونهم»(3).

عن الإمام الصادق (ع): «قال موسى بن عمران (ع): يا ربِّ أيّ الأعمال أفضل عندك؟
فقال: حبُّ الأطفال فإنّي فطرتهم على توحيدي، فإن أُمِتهم أدخلتهم برحمتي جنّتي»(4).

إنّ رسول الله (ص) خرج على عثمان بن مظعون ومعه صبي له صغير يلثمه، فقال: ابنك هذا؟

قال: نعم.

قال: أتحبّه يا عثمان؟

قال: إي والله يا رسول الله إنّي أحبّه!

قال : أفلا أزيدك له حبّاً؟

قال: بلى، فداك أبي وأمي!

قال: إنّه من يرضي صبيا ًله صغيراً  من نسله حتى يرضى ترضّاه الله يوم القيامة حتى يرضى(5).

عن رسول الله (ص): من قبّل ولده كتب الله له حسنة، ومن فرّحه فرّحه الله يوم القيامة، ومن علّمه القرآن دعي بالأبوين فكسيا حلّتين تضيء من نورهما وجوه أهل الجنة(6) .

فإغداق العاطفة على الطفل هي من أولى و أسمى واجبات الأهل، والتقصير فيها قد يصل بهم إلى الحرمان من الرحمة الإلهية؛ وهذا ما تؤكد عليه الأحاديث الشريفة:

جاء رجل إلى النبي (ص) فقال له: ما قبّلت صبياً قط.

فلمّا ولّى قال رسول الله (ص): هذا رجل عندنا أنّه من أهل النار(7).

كان رسول الله (ص) يقبّل الحسن والحسين (ع) فقال عيينة، وفي رواية الأقرع بن حابس،: إنّ لي عشرة ما قبّلت واحداً منهم قط.

فقال (ص): من لا يَرحم لا يُرحم.

وفي رواية : فغضب رسول الله (ص) حتى التمع لونه وقال للرجل: إن كان قد نزع الرحمة من قلبك فما أصنع بـك؟! مـن لم يرحم صغيرنـا ويعـزز كبيرنـا فلـيس منّا(8).

إذن يتوجّب على الأهل تقديم الاهتمام والعاطفة تجاه الأولاد على ما عداهما من الواجبات، إذ من خلالهما تشملهم الرحمة الإلهية، ومن خلالهما يحصدون ثمرة أتعابهم عبر برّ الولد بهم فيصلون إلى السعادة التي ذكرها سيد الساجدين (ع) في قوله: «من سعادة الرجل أن يكون له وِلد يستعين بهم»(9).

وللوصول إلى هذه الغاية ينبغي مراعاة حاجاته النفسية قبل الجسدية، وأهمّها شعوره بأهمّيّته وعلوّ مكانته لدى الأهل، فمن المريع أن يشعر الطفل أنّ الهاتف النقّال أو الأحاديث مع الأصدقاء أو أي نوع آخر من الانشغالات هي أكثر أهمّيّة منه، وسنعرض بالتفصيل أمثلة على ذلك.

صورة مؤلمة من واقع مجتمعنا:

فمن المشاهد المؤسفة التي بتنا نراها في مجتمعنا، انشغال الأم بالعمل خارج المنزل  وترك الطفل بين يدي العاملة، مما يؤدي إلى ابتعاده عنها وتقرّبه من العاملة  بالتالي إلى خلل في شخصيته، وقد استفاض علماء النفس في الحديث عن أضرار ذلك على شخصيته وثقافته وفكره بل أحياناً على عقيدته حتى.

بالإضافة إلى أن ذلك يخلق له خللاً في تحديد الأولويات وزعزعة للثقة بالأم التي من المفترض أن تكون المصدر الأول للأمان والحنان.

تروي إحدى الأمهات مشهداً مستفزّا عاينته في مدينة الألعاب. تقول هذه الأم:

«كنت وزوجي قد اصطحبنا ولدينا إلى مدينة الألعاب، وجلسنا على مقعد قريب منهما نشاهدهما وهما يلعبان بفرح ونشاط، لفتني أنّ ولدي كان بين الحين والآخر يلقي نظرة إلينا ليتحقَّق من وجودنا قريباً منه وليتأكد أننا نراه وهو يقفز ويلعب مع أخيه بسعادة ونشاط. ثم اقتربنا أنا وزوجي منهما ورحنا نشاركهما اللعب، وبمجرّد أن رأيانا قادمين للانضمام إليهما راحا يقفزان ويصرخان من شدّة الفرح.

وكنا بين الحين والآخر نطلق عبارات مشجّعة: أحسنت يا بطل .. هيّا يا قوي .. برافو يا شاطر..

والمفاجأة أن بعض الأطفال كانوا يلعبون دون إشراف الأهل ـ الذين كانوا في صالة أخرى بعيداً عن أولادهم ـ هؤلاء الأطفال التفتوا ناحيتنا محاولين لفت انتباهنا وهم يقولون: انظري إليّ يا خالة، أنا أيضاً بطل.

أشفقت على هؤلاء الأطفال الذين حُرموا من مشاركة أهلهم لهم تلك اللحظات السعيدة، بينما تقف العاملة قريباً من بعضهم. والبعض بقي هناك وحيداً لوقت طويل.

وفي المساء بينما كنت أروي لطفليّ حكاية ما قبل النوم سألتهما: هل كنتما سعيدين؟

فأجابا معاً بحماس: نعم كنّا في غاية السعادة.

فقلت: لماذا؟

أجاب الأكبر: لأنّك أنتِ وأبي كنتما تشاهداننا ونحن نلعب وتشاركاننا اللعب.

فاجأني جوابه، فلم أحسب أنّ طفلاً دون الرابعة من العمر قد يهتمّ لمشاركة الأهل أكثر من اهتمامه باللعب، وشعرت بالمزيد من الأسى نحو أولئك الأطفال.

هذه القصة تظهر لنا أهميّة حضور الأهل ومشاركتهم في تفاصيل حياة الأطفال  فوجودهم يضفي عليها الدعم والحب، وهذا ما يحتاجه الطفل أكثر من الغذاء والمال.

وهنا تحضرني بعض الأحاديث الواردة عن أهل بيت العصمة والطهارة (ع) في التصابي للطفل ومشاركته ألعابه:

عن رسول الله (ص): «من كان عنده صبي فليتصاب له»(10).

عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: دخلت على النبي (ص) والحسن والحسين (ع) على ظهره وهو يجثو بهما ويقول: «نعم الجَمَل جَمَلكما ونعم العِدلان أنتما»(11).

عن أبي هريرة أنّه قال: سمع أذناي هاتان وبصر عيناي هاتان رسول الله (ص) وهو آخذ بيده جميعاً بكتفي الحسن والحسين وقدماهما على قدم رسول الله ويقول: ترقَّ عين بقة، قال: فرقى الغلام حتى وضع قدميه على صدر رسول الله ثم قال له: افتح فاك، ثم قبّله ثم قال: «اللهم أحبّه فإنّي أحبّه».

وفي كتاب ابن البيع، وابن مهدي، والزمخشري، قال: خرقة خرقة ترقَّ عين بقة اللهم إنّي أحبّه فأحبّه وأحبّ من يحبّه، الخرقة: القصير الصغير الخطى، وعين بقة: أصغر عين(12).

كيف نوفِّق بين حاجات الطفل والواجبات اليومية؟

قد يقول قائل: كيف يمكن أن نتفرّغ لملازمة أولادنا وماذا نصنع بأعمالنا؟

الجواب: عندما ندرك أهمية المسؤولية الملقاة على عاتقنا، و نجعل أولادنا أول أولوياتنا، لا بدَّ لنا من إيجاد الوقت الكافي لذلك، فمثلاً: يمكن للأم أن تشارك ابنها هذه النشاطات بينما تقوم بأعمالها:

١ ـ تغنّي له أو تروي له قصة أو تفتح معه حواراً، فهذا لن يعيق سير أعمالها المنزلية.

٢ ـ تجعله يشاركها الترتيب ولو بشكل صوري.

٣ ـ تعطيه دفتراً أو لوحاً وأقلام ألوان بينما تقوم بتدريس إخوته أو تصحيح الامتحانات أو التحضير لدرس الغد (في حال كانت تعمل كمدرّسة).

٤ ـ تجعل استراحتها من العمل في تركيب الألعاب مع الطفل بدلاً من ألعاب الهاتف التي يدمن عليها الكثيرون.
والأهم أن تترك العمل خارج المنزل إلى حين دخول الطفل المدرسة فتعاود العمل في غيابه على أن تعود إلى المنزل قبل حضوره، فوجودها معه أكثر أهمية بكثير من المال الذي تقدِّمه له.

دور الأب لا يقلّ أهمية:

ولا ننسى أنّ الأب يشاطر الأم هذه المهام، وعليه أن يتواصل مع الطفل ويمضي معه أوقاتاً طويلة من أجل تقوية رابط المحبّة والثقة بينهما، وهذا ما يجني ثمرته حين يبلغ الطفل سنّ المراهقة فيسهِّل على الأب التعامل معه وإرشاده لأنّه يكون قد غرس في داخله الثقة به فيأخذ بتوجيهاته.

أمّا ذريعة التعب نتيجة ضغط العمل فهي ذريعة باطلة وتهرّب من المسؤولية المقدّسة التي ألقاها الله على عاتقه، فليس هناك أجمل من أن يستريح الأب بينما طفله يحبو على صدره، أو يقرأ صحيفة وطفله بين أحضانه يتصفّح قصة مصوّرة مقلّدا أباه، أو أن يترك الأب هاتفه جانباً ليصغي إلى شكوى من صغيره أو قصة يرويها لأبيه؟

فقط لو يعلم الآباء والأمهات أنّه لا لذَّة تفوق لذَّة مشاركتهم أبناءهم تفاصيل الحياة  لو علِموا أنّ هذه اللذة تتبعها لذة أخروية، لأدركوا حقيقة نعمة الأمومة والأبوّة.

ويبقى السؤال: أتراهم يدركون عواقب الإهمال وما سيترتَّب عليه من كوارث في مرحلة المراهقة لا سيما في هذا الزمن الرديء؟

وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ [الصافات: 42].

المراجع:

(1) الصدوق؛ مَن لا يحضره الفقيه؛ ج٤؛ ص٣٧٢.

(2) المتقي الهندي؛ كنز العمال؛ ج16؛ ص444.

(3) الصدوق؛ من لا يحضره الفقيه؛ ج٣؛ ص٤٨٣.

(4) البرقي؛ المحاسن؛ ج١؛ ص٢٩٣.

(5) المتقي الهندي؛ كنز العمال؛ ج١٦؛ ص٥٨٦.

(6) الحر العاملي؛ وسائل الشيعة؛ ط مؤسسة آل البيت؛ ج٢١؛ ص٤٧٥.

(7) الطوسي؛ تهذيب الأحكام؛ ج٨؛ ص١١٣.

(8) ابن شهراشوب؛ مناقب آل أبي طالب؛ ج٣؛ ص١٥٥.

(9) الحر العاملي؛ وسائل الشيعة؛ ط مؤسسة آل البيت؛ ج٢١؛ ص٣٥٦.

(10) الحر العاملي؛ وسائل الشيعة؛ ط مؤسسة آل البيت؛ ج٢١؛ ص48.

(11) ابن شهراشوب؛ مناقب آل أبي طالب؛ ج٣؛ ص١٥٨.

(12) المصدر نفسه؛ ص١٥٩.

 

إغلاق