قضية ورأي

الثبات في زمن الفتن

233-234

بقلم: د. أكرم جلال

 

قالَ اللهُ تَعالى في مُحكَم كتابه المَجيد:“الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ” [العنكبوت: 1 ـ 3].

الفِتْنةُ كما عرّفها أهل اللغة أنّها (الِابْتِلَاءُ والامْتِحانُ وَالِاخْتِبَارُ، وأَصلها مأْخوذ مِنْ قَوْلِكَ فتَنْتُ الْفِضَّةَ وَالذَّهَبَ إِذا أَذبتهما بِالنَّارِ لِتُمَيِّزَ الرَّدِيءَ مِنَ الجيِّدِ)(1) الفِتَن مِنَ السُنن الألهية القَطعيّة الحُدوث والتي تَجتاح الفِكرَ البَشري أينما حلّ طيلة وجوده في الحياة الدنيا، فَلَن تَستثني أحداً دون آخر ولن تَقتَصر على زمانٍ مُحدّد أو مكانٍ دون آخر، غَيرَ أنّ الروايات الشّريفة أشارت إلى أنّ  فِتَن آخر الزمان هيَ الأشَد وقعاً والأمضى أثراً في تَساقط المسلمين وتَشَضّي وحدَتَهُم، فأغلب تلكَ الروايات هو مما اتُّفِقَ عليه بين عامّة المسلمين، فَعَن الرسول الأكرم (ص) أنّه قال: «سَتَكُونُ بَعْدِي فِتَنٌ،… يَكُونُ فِيهَا حَرْبٌ وَهَرَبٌ، ثُمَّ بَعْدَهَا فِتَنٌ أَشَدُّ مِنْهَا، ثُمَّ تَكُونُ فِتْنَةٌ، كُلَّمَا قِيلَ : ” انْقَطَعَتْ، تَمَادَتْ، حَتَّى لا يَبْقَى بَيْتٌ إِلا دَخَلَتْهُ، وَلا مُسْلِمٌ إِلا صَكَّتْهُ، حَتَّى يَخْرُجَ رَجُلٌ مِنْ عِتْرَتِي”(2).

لَقَد بَدأت رِياحُ الفِتَن تَعصِف بالأمة لِتَخلِطَ الحَقُّ بالباطل، والخَير بالشّر، وَبَدأت بُذور الفِتَن تَدُبّ بَين المُسلمين وَتَستَميل من أصَمّ الشَيطان أسماعَهم وأعمى أبصارَهم وَخَدَعهُم بمُسَمّيات وشعارات تَستَبطِنُ الفُرْقَة في مَضمُونها  كالإنفتاح والحَدَاثة وما شاكل. لقد استيقظت فِتَنُ الشهوات والشُّبُهات وَهَبّت رياحُها لِتَعصِف بأصحاب القلوب الضعيفة والعقول الفارغة، وستطرق أبواب المسلمين باباً باباً وسَيهتَزَّ ويَسَقَط  كُلُّ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ لِيَنْهارَ بِهِم في مُستَنقعاتٍ من أفكارٍ مُنحَرِفة.

روي عن الإمام أبي الحسن الرضا (ع) أنّه قال: «أمَا واللهِ لا يكون الذي تَمُدّون إليه أعينكم حتّى تُميَّزوا، أو تُمحَّصوا، حتّى لا يبقى منكم إلاّ الأندَر، ثمّ تلا قوله تعالى: ” أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ” [آل عمران: 142]»(3).

إِنّ للفِتَن صُوَراً وأشكالاً عدّة، لكنّنا نُجْمِلُها في نوعين أساسيين: الأول، فِتَنٌ مِنْ قِبَلِ اللهِ سُبحانهُ وتعالى كما جاءَ في الآية التي ذكرناها في مطلع هذا البحث، والتي تُؤَكِّد أنّ الهَدَفَ منها هُوَ الاختِبارُ والتَمْحيص لِيُميِّزَ الخَبيثَ مِنَ الطَيّب وليَنكَشِفَ أمرُ المنافِقِ والمُخادع، فَتُنَقّى صُفُوفُ المؤمنينَ مِنهُم.أمّا النَوعُ الآخَرُ مِنَ الفِتن ـ والذي هو مَورِدُ حَديثنا في هذا البَحث ـ فهي الفِتَن التي تَصدُرُ مِنَ البَشَرِ أنْفُسِهِم لقوله تعالى: “إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ” [البروج: 10].

وغايَتُهُ صَدُّ المؤمنينَ عَن جادّةِ الحَقّ وتَحَريْفِ دينِهم وعقائدهم عمّا أنْزَلَهُ اللّه وما وصّى به المُصْطَفى وآلٰه الأطهار، من أجل أن تَتَحوّل هذه الأمة إلى عبيد تَسُوقُهُم الطَواغيت نحو ذُلِّ الاستعباد.

إنّ الذي يَتَصَفّح التاريخ الإسلامي بِتَمعُّنٍ وإنْصاف يَجِدُ بين الفَيْنة والأُخرى ظهور أفكارٍ والنظريات من رَحِمِ تَيّارات ثَبُتَ أنحرافها، فَقَد كانَت تَغْرُزُ أنْيابها لِتَشُلّ العُقُول بِشِعاراتٍ ظاهِرُها مُقَدّس وباطِنُها سُمٌّ زُعاف وَلِتَسير بالأمّة نَحو المَزيد من التَشَظّي والانقسام والابتعاد عَن جَوْهَر الدّين، وعَن حَقيقتة الإلهية التي أمَرَ اللهُ به، وَهذا لَعُمْري أعْظَم أنواع الفِتَن وأشَدُّها فَتْكاً بِجَسَدِ الأمة. فعن أبي عَبد الله (ع) أنّه قال:  قالَ رسولُ اللّه (ص): «سَيأتي على أُمّتي زَمانٌ لا يَبْقى مِنَ القُرآن إلا رَسْمُه، ولا مِنَ الإسلام إلا اسمُه، يُسمَّون بِهِ وَهُم أبْعَد الناسِ مِنه، مَساجِدهم عامرة وهيَ خَراب مِنَ الهدى، فُقَهاء ذلك الزَمان شَرُّ فُقَهاء تَحت ظلّ السَماء، مِنهُم خَرَجَت الفِتْنَة وإليهم تَعود»(4). وقد استفاضت الرواياتُ بهذا الشأن مُوَضّحَةً لحال الأمّة وحقيقة ما سَيَصيبُها مِنَ التَرَدّي والانحطاط، وَتَشْرَحُ الخُذلانَ والسُقوط الذي سَيُمْنى بِهِ بَعضُ المُسلمين جَرّاء ما سَيُصيبهم مِن فِتَنٍ خَرَجَت منهم لِتَرتَدّ إليهم، عِنْدَها سَيُمْسي الإسلام غَريبا كما بَدأ غَريباً، وَعِندها سَتُحَرّفُ المَفاهيم وَتُبَدّل الأقوال ليَكون الزُور والكَذب والغِشّ والخداع ممارسات لا يَمْلِكها إلّا أهلُ الفِطْنَة الذَّكاء والدَّهاء لِتَتَحوّل إلى مَظاهِرَ مَحمُودة يَتَسابَقُ عليها الجُهّالُ طَمَعاً في حُطامٍ زائِل. لَقَد خَطَب أميرُ المؤمنين ومولى المُوحّدين عَلي (ع) فذكر [بعض] المَلاحِمِ فَقال:

«سلُوني قبل أن تفقدوني أَما والله لَتَسعَرن الفِتْنَة الصَماء برجلها، وتطأ في خطامها يا لها من فتنة شَبّت نارها بالحطب الجزل مقبلة من شرق الأرض رافعة ذيلها، داعية ويلها بدجلة أو حولها. ذاك إذا استدار الفلك، وقلتم مات أو هلك بأي واد سلك»(5).

وفِتْنة المَذهب هِي الأعظم والأدهى لأنّها تُصيب قَلب دين الله وَجَوهره، فَلا غَرابَة أن تَرى وحوش الارض وشياطينها تتسابق للنّيل من هذا المنهج، فَنَرى الفِتَن تَتعاظَم وتَتَفاقَم خلال الغيبة الكبرى لصاحب الأمر عَجّل اللهُ تعالى فَرجه فَيَسقط بسببها الكَثير من أولئك الذين لا يَحملون مِنَ التشيُّع إلّا رَسْمَه فَيتعلّقون بقشور الدين، ما يَنْفَعهم. قال الإمام الحسين (ع): «النَّاسُ عَبِيدُ الدُّنْيَا، وَالدِّينُ لَعِقٌ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ، يَحُوطُونَهُ مَا دَرَّتْ مَعَايِشُهُمْ، فَإِذَا مُحِّصُوا بِالْبَلَاءِ قَلَّ الدَّيَّانُون»(6). إنّ مُجرَّد الانتماء الشَكلي للمذهب لا يَعصِم مِنَ السُقوط في أحضان الفِتنة، فَهي مُحيِّرةٌ مُضلَّةٌ، ولكن الادراك الحَقيقي لِمَعنى الولاية، والمعرفة والاتباع المُطلق لمنهج مُحمد وآل مُحمد (ع)، هُو الحِصن والسَبيل نَحو النَّجاة والخَلاص مِن الفِتن وابتلاءاتها. إنّ هذه المِحنة تُحَتّم على المُسلم الفَطِنَ أن لا يَألوا جُهداً فـي البَحث عن العلماء الربّانيين مِمّن لَم يَستَظلّوا بِسلطان ولَم يَمدَحوا ظالماً ولَم يعينوه بكلمةٍ أو فِعل، فهم الأدلّاء على الله، فقد رُوي عن الرسول الأعظم (ص) أنّه قال: «سيأتي زمانٌ على أُمتي يَفرّون مـن العلماء كما يفرُّ الغنمُ عن الذئب، فـإذا كان كذلك ابتلاهم الله تعالى بثلاثة أشياء: الأول: يرفعُ البركةَ من أموالهـم.

والثاني: سلَّطَ اللهُ عليهم سُلطاناً جائراً.

والثالث: ” يخرجون من الدنيا بلا إيمـان “(7).

أسبابُ الفِتَن ومناشئها

إنّ للفِتَن أسباباً ومناشئ نُجْملها بالتالي:

1 ـ اتّباعُ الهَوى:

أكّدَت الآيات والروايات بصورة واضحة جَليّة لا لَبْسَ فيها، أنّ مَنبَع الفِتنة هُوَ اتّباع الهَوى والابتعاد عَنِ الأوامر الإلهيّة وَعَدم الانسِياق للحُدود والشَرائِع التي أمَرَ اللّه بها، لقول الله تعالى: “أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ” [الجاثية: 23].

لَقَد عَبّر الإمام علي (ع) عن كَيفيّة نُشوء الفِتْنة فقال: «إنّما بدء وقوع الفتن، أهواء تُتَّبع وأحكام تُبتدع، يُخالَفُ فيها كتاب الله، ويتولّى عليها رجال على غير دين الله. فلو أنّ الباطل خلُص من مزاج الحقّ، لم يخفَ على المرتادين، ولو أنّ الحقّ خلُص من لَبس الباطل، لانقطعت عنه ألسنُ المعاندين. ولكن يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث، فيمزجان، فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه، وينجو الذين سبقت لهم من الله الحسنى»(8).

إنّ لِأَهْل الفِتَن أهدافاً تَتَفاوت وَغايات تَتَباين ولكنّهم جَميعاً يَشتَركون في عبادة الهوى، وأنّ السُلطَةَ واسْتِعباد الناس هوَ مَنْهَجهم للوصول نَحوَ أهدافهم. ولأنّ الدّينَ والشَّرائع  والأحكامُ التي أمَر بها  الباري إنّما جاءت لِمَنع عَبَدَةَ الطاغوت من نَيْل مُرادهم وبُلُوغ مَقاصدهم والحَؤول دون الوصول إلى مُبتَغاهم، فاللّه يَأبى لعباده ان يُسْتَعْبَدوا وأن يُتاجَر بِعُقُولهم ومشاعرهم.  مِن هنا سارَعَ أهلُ الفتن لِلَيِّ أعناق الآيات وَتَحريفها وإيجاد أحكامٍ مُبْتَدَعة ما أنْزَلَ اللهُ بها مِن سلطان لإغواءِ الناس وَحَرْفِهِم عن جادّة الحَق، وبذلك يَسْهل استعبادهم واستغلالهم باسم الدين. لَقد دَأب صُنّاعُ الفِتَن على اللّعب على المنطقة الرَّمادية التي تَفصِلُ بَيْن الحَقّ والباطل، فَيَقْتَطِعُوا شيئاً مِنَ الحَق وشيئاً مِن الباطل فَيَمزِجوا بَينهما، فَيُلبِسوا على الناسِ دينَهم لِيَسْهُل استِدْراجهم  بشعارات فيها من الحقّ شيء وهي باطل وزور فَيتّبعوها.

وقولُ الإمام (ع) واضِح جَلّي حينما أشار لهذا الامر في الخطبة الشقشقيّة: «فَلَمَّا نَهَضْتُ بِالْأَمْرِ نَكَثَتْ طَائِفَةٌ وَمَرَقَتْ أُخْرَى وَقَسَطَ آخَرُونَ كَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا الله سُبْحَانَهُ يَقُولُ: “تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ” [القصص: 83]، بَلَى وَالله لَقَدْ سَمِعُوهَا وَوَعَوْهَا وَلَكِنَّهُمْ حَلِيَتِ الدُّنْيَا فِي أَعْيُنِهِمْ وَرَاقَهُمْ زِبْرِجُهَا»(9).

إنّ إشارة الإمام (ع) صريحة واضحة أنّ رؤوس الفِتَن هُم مِمّن عَبدوا الهَوى فَخالفوا أوامر الله تعالى وتَجاوَزوا على النُصوص الإلهيّة.

2 ـ الجهل:

الجَهل داءٌ خَطير وَشَرٌ مُستَطير وهُو البَوّابَة لِمَحو اليَقين والمَدخَلُ لتَطويع الآيات والنُصوص لتكون مُنسَجِمةً مع المَصالح والمَنافِع والأهواء. قال الله تعالى: “وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾[الأعراف: 179]. ولا صِفَة تُودِي بصاحِبَها إلى التَهْلُكة كالجهل، ولا مَنْقَبة يُثْنى بها صاحبها كالمَعْرفة. قال الإمام الصادق (ع): «لا مُصيبَةَ أعظَمُ مِنَ الجَهلِ»(10).
إِنّ الجَهْل والغَفلَة والطَمع قد تكون أسباباً لصناعَة نِظامٍ فَلسَفيّ مُعوَج يَستَعينُ بهِ أصحاب الفِتَن من أجل اقتِناص الفُرَص لِتَثبيت أُسسٍ مَغلُوطة تُغَلّف بغلافٍ شَرعي دَخيل لَيَسهُلَ تمريرها فَتَتحوّل بمرور الزمن إلى حَقائِق ومُسَلّمات، فَتَنشأ كيانات وتَبرز رُموز، مُسْتَنِدةً ومتكئةً على مَسنَدي الجَهل والغَفلَة. وحينما تَهُبّ رياحُ الفِتن على أمّة يَسُودها الجَّهل وتَطفُو على سَطحها الأميّة تَبْرُزُ أسئلةً ثلاث لتَكشِف حَقيقـة المُواجهة:

أوّلها: هَل أنّ هذه الأمّة على وَعي ودِراية بأنّها تَعيشُ الفِتْنَة؟ وَهَل هناك إرادةً ورغبةً حقيقية في المواجهة من أجل وَأدِها؟ ثُمّ يأتي السؤال الأهم وهو: هَل الأمّةُ تَمتَلك مِنَ الوَعي والمَعرفة ما يُمكّنها من تَطويق الفِتْنَة وإخمادِها؟ هذه الأسئلة بمعانيها الشُمولية تَبرزُ لتُبيّن أهميّة المَعرفَة والوَعي في مواجهة الفِتَن بِكُلّ أصنافها وأشكالها.

وبالمُقابل عندما يَغيبُ العقل والمنطق في التَّخطيط لوضع البرامج واختيار أدوات التصدّي وتحديد الفترة الزمنية اللازمة، ودراسة التكلفة الحقيقية لحلول واقعية، فالأمّة تَسير نحو سقوط محتم.

وهنا لا بُدّ من الإشارة إلى أنّ الجهل والريبة والشك قد لا تَعني أنّ المَرء لم يَستَحصِلَ بعضَ أشكال المَعارف كما يَظُنّ بَعض الناس، فالمُتأمّل للواقع يَجد أنّ أهل الفِتَن في هذا الزمان، قَدْ دَرَسوا وتفقّهوا لكنّهم لم يَنَهلوا العِلْمَ من منابِعه الحقيقية، ولم يَمزجوه بالعِبادة الحَقّة، فَنَبُت الطَمَع في قُلُوبهم وحَلَت الدنيا بأعيُنِهِم، فبادَروا غَيرَ مُتَردِّدين في  نَشْرِ الفِتَن وتَفتيت الأمّة، وأكثرهم يحسب أنّه يُحسِنُ صُنْعاً.

الوقاية من الفتن 

فَكَما حذّرَ آلُ بيتِ المُصطفى صَلواتُ الله وسَلامُهُ عَليهم أجمعين شيعَتَهُم ومُحبّيهم من الفِتَن وأخبَروا بما سَيجري عَليهم من مصائبٍ وشدائدٍ ومِحَن وَوَصَفوا أسبابَها وآثارَها، فقد جاءت الروايات مُستَفيضةً في بَيان سُبل النَّجاة منها. وهنا نُوجز أهَمّ طُرُق ووسائل النّجاة من الفتن كما أوصى بها أهلُ البيت (ع):

1 ـ الدعاء:

إنّ الشريعة الإسلامية السَّمحاء، آخِرُ الشّرائع السّماوية، اتّصَفَت بالتَّكامل وامتازَت بالشُمولية والاستيعاب لكلِّ جَوانب الحَياة، فلا يوجد دُستور أو قَوانينَ قَد سَبَرت أغوار النَفسَ البشريّة كالشريعة الإسلامية، فَجاءَت مُلبّيةً لجميعِ الاحتياجات.

إنّ الدُعاء أمْضى الأسلحة لِما ينتج عنه من تَعميقِ الارتباط والتَّواصل معَ اللّه سُبحانه وتعالى، والسؤال من أجل الاستغاثة وطلب العون، فالله جلّ جلاله قال: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ” [غافر: 60].

وعندما يَتَوجّه الداعي بانقطاعٍ مُطلق نَحو الباري سَيَسْتَشعرُ قدرة اللّه وعظمته ورحمته، فَهُو مَنْبَعُ الرحمة، وبيَده العَطاء الوَفير بِلا مِنّة ولا تَقصير، وَسَيجد الله قريباً يجيب دعوته ويأخُذ بيده ويُنَجّيه من كلِّ فِتنَة وبلاء.

قال أمير المؤمنين علي (ع): «ادْفَعُوا أَمْوَاجَ الْبَلَاءِ عَنْكُمْ بِالدُّعَاءِ قَبْلَ وُرُودِ الْبَلَاءِ، فَوَ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ الْبَلَاءُ أَسْرَعُ إِلَى الْمُؤْمِنِ مِنِ انْحِدَارِ السَّيْلِ مِنْ أَعْلَى التَّلْعَةِ إِلَى أَسْفَلِهَا، وَمِنْ رَكْضِ الْبَرَاذِينِ»(11).

2 ـ الفِطْنَةُ واليَقَظَة:

الفِطْنَةُ تَعني الفَهمَ العَميق للأشياء، وهي الطريق نَحو المَعرفة واليَقين وسلاحُ المُؤمن ودِرعُهُ الحَصين في مُواجهة الفِتَن، فَعَن رسول الله (ص) أنّه قال: «الْمُؤْمِنُ كَيِّسٌ فَطِنٌ حَذِرٌ»(12).
والغَفْلة على العَكس، فَهي البَلادة والجَهل والرّيبة والشّك وكُلّها مُقَدّماتُ السُقوط في أحضان الفِتَن. وقد بيّن أمير المؤمنين (ع) هذه الحقيقة وكيف إنّ كثيراً من الناس لَيَغفَلون عن نُشوء الفِتَن، فإذا هَدَأ غُبارها وانطَفَأ أوارُها تنبّهوا إليها وعَرَفوها: «إِنَّ الْفِتَنَ إِذَا أَقْبَلَتْ شَبَّهَتْ وَإِذَا أَدْبَرَتْ نَبَّهَتْ يُنْكَرْنَ مُقْبِلَاتٍ وَيُعْرَفْنَ مُدْبِرَاتٍ يَحُمْنَ حَوْمَ الرِّيَاحِ يُصِبْنَ بَلَداً وَيُخْطِئْنَ بَلَدا»(13).

إنّ الفتن حينما تُقبل يَسقط في غمراتها الغافِلون واللّاهون، وحينما تُدبر يُدرك الناسَ شرّها ومصائبها. هذه هي حقيقة الفتن، فإذا لم يَتسَلّح المُسلِمون باليقظة والفطنة والبصيرة سَقَط منهم الكثير ونجى القليل، ويبقى الرابِحُ بَين أمواجها المُتَلاطمة ذُو الفَهم والإدراك واليَقظة والذّكاء.

3 ـ التمسُّك بالقرآن الكريم  وعترة المصطفى (ع)

لقد جاءَت الدَّلائل واضِحات بيّنات جلية لا لبس فيهنّ ولا تأويل بأنَّ حَبْلَ النَجاة من شُرور الفِتَن والهَلَكات إنّما هُوَ بالتّمَسّك بِكتابِ اللّه المَجيد وعترة المصطفى صلواتُ اللّه عَليهم أجمعين. فحديث الثَقلين المَشهور عِندَ الفَريقين هو أوضح بيان في هذا المضمار، فعن رسول الله (ص) أنّه قال: «إنّي تارك فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر، كتابُ الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض».

وهذا الحديث نَقله جَمْهَرة من الصّحابة، لا يقلّون عن ثلاثين، عن رسول الله (ص) مُباشرة(14).

وهنا لا بُدّ مِنَ الإشارة إلى أنّ معنى التَمَسُّك هو الطّاعَة والانصياع والاتّباع والعَمل بأوامرهم واجتناب نَواهيهِم، والاقْتِداء بسراجهم والاهتداء بِهَديهم إلى الله تعالى، وهذا ما أكّدته العَديد من الروايات.  فعظمة القران الكريم تَكمُن في كَونه الحِصنُ الحَصين والمَلجأ الأمين من أهوالِ الفِتَنِ وكهف المؤمنين من الهَلَكة والضَلال، فَعَن الإمام الصادق (ع) أنّه قال: «قال رسول الله (ص): القرآن هُدىً من الضلالة، وتبيانٌ من العمى، واستقالةٌ من العثرة، ونورٌ من الظُّلْمة، وضياءٌ من الأحزان، وعصمةٌ من الهَلَكة، ورشدٌ من الغواية، وبيانٌ من الفتن، وبلاغٌ من الدنيا إلى الآخرة، وفيه كمال دينكم. فهذه صفةُ رسول الله (ص) للقرآن، وما عدل أحد عن القرآن إلا إلى النار»(15).

إنّ علاقَة العِترَة المُطهّرة بالقرآن الكريم هِي مِن أهَمّ الثَوابت في الفكر الإسلامي، لأنّ المُصطفى والأئمّة صَلواتُ الله عليهم أجمعين هُم عِدْلُ القرآن وَحَبلُ اللّه المَتين وصراطه المستقيم الذي يَنجُو من تَمسّك به من مُضلّات الفِتن وجميع الانحرافات الفكرية منها والسلوكية.

4 ـ تقوى الله (عزّ وجل)

إنّ محور سعادة الإنسان في الدُّنيا والآخِرة هو نَيل مَرتَبَة التّقوَى؛ إذ بِها يَصِل المؤمن إلى أسْمى الدّرجات وأرفَع المنازِلَ وأطْهَر المناقِب وأشْرَفَ المَراتِب، فعن النّبيّ المُصطفى (ص) أنّه قال: «مَنْ رُزِقَ تُقَىً فَقَدْ رُزِقَ خَيْرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ»(16).

والتَقوى حَسَب المُرتكَزات الشّرعيّة تَعني الحَذَر مِن كلّ ما يَجلِب غضب الله وسخطة والسّير على النّهج الذي يُرضيه جلّ جَلاله. وهنا لا بُدّ مِن الإشارة إلى أنّ التقوى بمعناها الحقيقي لا تعني الانزواءَ والاعتِزال بَل المُواجهة مَع حِفْظ النّفس من خلال اجتناب كُل ما حرّم اللّه ونَهى عنه. فعن الإمام الباقر (ع) أنّهُ قال مخاطباً أبان بن تغلب وهو من أعاظم أصحاب الإمام: «إجلس في مسجد المدينة وافتِ الناس، فإنّي أحبّ أن يرى في شيعتي مثلك»، وعندما توفّي أبان قال الإمام الصادق (ع): «أما والله لقد أوجع قلبي موت أبان»(17).

والتقوى هي الدّرع ُالحَصين والكّهف الأمين مِنَ الوُقوع في الفِتَن، وقد روى الشيخ الطبرسي في الاحتجاج في التوقيع الشريف الذي خرج للشيخ المفيد أنّه (عجّل الله تعالى فرجه) قال: «إنّه مَن اتقى ربَّه من إخوانك في الدين، وأخرج ما عليه إلى مستحقيه كانَ آمناً من الفتنة المُبطلة ومِحَنها المُظلمة المُضِلَّة»(18).


المراجع:

(1) لسان العرب لإبن منظور.

(2) الفتن 1: 57 ـ 58/95، وعنه كنز العمال 14: 269/38685.

(3) الغَيبة للطوسي: 336/ح283، قرب الإسناد لِلحميَري: 369/ح1321. وفي: الغيبة للنعماني: 216/ح15.

(4) ثواب الأعمال وعقاب الأعمال ـ الصدوق: ص301.

(5) كتاب صفين للمدائني كما في شرح المختار: (69) من نهج البلاغة من شرح ابن أبي الحديد: ج 2 ص 50 ط 1، من ط مصر.

(6) بحار الأنوار (الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار (ع)): 44/382، للعلامة الشيخ محمد باقر المجلسي.

(7)  جامع الأخبار: ص356/ 995 ـ ج4.

(8)  نهج البلاغة، خطب الإمام علي، ج1، ص99.

(9) نهج البلاغة، الخطبة الاختصاص: 246، غرر الحكم : 10673 وفيه «أشدّ» بدل «أعظم».

(10)  الاختصاص: 246، غرر الحكم: 10673 وفيه «أشدّ» بدل «أعظم».

(11) عيون الحكم والمواعظ: 93، لعلي بن محمد الليثي الواسطي.

(12) العلامة المجلسي، بحار الأنوار، مؤسسة الوفاء ـ بيروت، 1404هـ، ج64 ص307.

(13) نهج البلاغة، الخطبة: 93.

(14) السيرة الحلبية، ج 33، ص 308.

(15) تفسير العياشي: ج1، ص5، ح8.

(16) ميزان الحكمة، 4: 3624 .

(17) رجال النجاشي، ص10.

(18) الاحتجاج الطبرسي: ج2، ص325.

إغلاق