أعلام وشخصيات

الميرزا علي الغرويّ : فقيه النجف وشهيدها

233-234

بقلم:  بقلم: السيد ضياء الخبّاز ــ القطيف ــ

 

هو سماحة آية الله العظمى، المرجع الديني العظيم، الفقيه الأصولي المحقِّق، الشيخ الميرزا على الغرويّ (طيَّب الله تربته، ورزقنا شفاعته).

ولد في مدينة «تبريز» سنة 13٤٩هـ، وفي السنة الثانية من عمره الشريف فقد المرحوم والده «الحاج أسد الله»، فنشأ في كنف والدته العلوية الجليلة، التي قامت بتربيته أحسن قيام، حتى شبَّ على حبِّ العلم والفضيلة.

فبدأ بتلقّي مبادئ العلم في مسقط رأسه، وهو بعدُ في ربيعه السادس، ولمّا أتمّ دراسة المقدّمات وشطراً من السطوح، حدا بهِ الشوق نحو الحوزة العلمية المباركة في قمّ المقدّسة، فأكمل دراسة السطوح العالية فيها، على يد المبرزين من أساتذتها، كسماحة آية الله العظمى، السيد أحمد الخوانساري.

وبعد ذلك حضر أبحاث الخارج عند قطبي حوزة قمّ آنذاك، سماحة آية الله العظمى السيد حسين البروجردي (قدّس سرّه)، وسماحة آية الله العظمى، السيد محمد الحجة الكوهكمري (قدّس سرّه)، وكان يقرِّر أبحاث الأخير منهما، ويعيد إلقاءها على بقية زملائه، وهو دون العشرين من العمر.

وبعد مضي سنواتٍ خمس قضاها في أفياء هذين العلمين، حرّكه حبُّه للعلم نحو حرارة العلم الكبرى «النجف الأشرف»، فألقى عصا الترحال فيها، مغترقاً من معين عمالقة أساتذتها، كالآيات العظام: الشيخ حسين الحلّي، والشيخ الميرزا محمد باقر الزنجاني، والسيد الخوئي (قدّس سرّه).

وقد اختصّ بالأخير من هؤلاء العباقرة، ولازم أبحاثه الشريفة، واهتمّ بها وقرّرها، حتى عُدّ في طليعة تلامذته، كما عُدّت تقريراته التي طُبعت باسم «التنقيح» من أفضل تقريرات أبحاث المحقق الخوئي (قدّس سرّه) بل وأبحاث غيره أيضاً نظراً لما اتّسم به من الدِّقّة والسلاسة.

وقد تحدَّث عنه وعنها نفس المحقّق الخوئي (قدّس سرّه) في سنة 13٧٧هـ فقال:

«وبعد، فقد لاحظت هذه الأبحاث التي ضبطها جناب الفاضل العلّامة المحقّق، ركن الإسلام، قرَّة عيني العزيز، الميرزا علي التبريزي الغرويّ (أدام الله فضله) من دروسنا الفقهية، التي ألقيناها على طلاب الحوزة العلمية الفضلاء، شرحاً وافياً للعروة الوثقى، فوجدتها في غاية الضبط والإتقان، وقد أعجبتي إحاطته بدقائقها، واستيعابه لحقائقها، ببيان بليغ رائع، واستقصاء جميل نافع.

فلا غروَ فإنّه ممّن أصاب ظنّي في مقدرته العلمية، وكفاءته الفكرية ، وقد بلغ بحمد الله الدرجة العالية في كلّ ما حضره من أبحاثنا في الفقه والأصول والتفسير، وأنعش آمالي ببقاء نبراس العلم في مستقبل الأيام، فلم تذهب أتعابي على تقويم الحوزة العلمية سدى، بل أثمرت تلك الجهود بوجود أمثاله من العلماء العظام، وأينعت وآتت أُكلَها كلَ حين، فلَّله تعالى درّه فيما كتب ودقّق وحقّق، وأسأله (جلًّ شأنه) أن يأخذ بيده ليكون قدوة الأفاضل الكرام، وأحد المراجع في الأحكام»(1).

وقد أعقب المحقّق الخوئي (قدّس سرّه) هذا التقريض بتقريض آخر  سنة 1380هـ جاء فيه:

«قد لاحظته فوجدته كسابقه في حسن البيان، والإحاطة بأطراف البحث ودقائقه، وذلك ممّا زاد أملي بكفاءته وتفوقه، وضاعف ثقتي في أن يكون في المستقبل القريب أحد الأعلام، والمراجع في الفتيا، بتوفيق الله»(2).

وفي سنة 1385هـ أعقب (قدّس سرّه) التقريضين بقريض آخر، جاء فيه:

«وقد أجاد كعادته في استيعاب ما ألقيتُه من محاضرات في الفقه الإسلامي على طلاب الحوزة العلمية، والإحاطة بتفاصيلها ودقائقها، فأسبغ عليها حلّة زاهية من أسلوبه الرصين، وبيانه المتين، فجمع فيه بين دقّة الضبط وحلاوة البيان، وإنّي إذ أُبارك له هذه المواهب، وأقدِّر فيه هذه القابليّات، يسرّني أن بلغ من العلم هذا المبلغ الذي صار يغبط عليه، ومن نِعَم الله وآلائه أن تصبح الحوزة العلمية متعطّشة لجهوده في نشر العلم، جعله الله قدوة العلماء العاملين»(3).

 

 

وعن هذه الحقيقة تحدَّث العلّامة الحجة السيد المقرم 5 في كلمة مطبوعة له في بداية الجزء الأول من تقرير التنقيح، في طبعته القديمة ـ فقال: «العَلَم الفرد والمجتهد الأوحد، حجّة الله الواضحة، وبيّنته اللامعة، المحقّق  الميرزا علي الغرويّ التبريزي لا زال مغموراً باللطف الربوبي، فجديرٌ بمنتجع الحقائق المسابقة إلى الاحتفاظ بتقريراته لدرس الأستاذ الأكبر، السيد الخوئي، المسمّاة بالتنقيح، ولا بدع فهو ممّن منحه المولى سبحانه ذكاءً وقاداً وفطنة مصيبة، وحافظة قوّية، ألحقته بالحفّاظ المعدودين، فكان موئل روّاد العلم، بين من يستوضح منه ما لم تصل إليه فاكرته، وبين من ينسخ ما جمعه من ثمرات بحوث أساتذته، فإلى الباري (عزّ وجل) ابتهل بإدامة عنايته بهذه الشخصية اللامعة، ليرتوي طلاب المعارف من نمير آرائه، ويستفيد رواد الحقائق بثاقب أفكاره»(4).

الشيخ علي والغروي والسيد ضياء الخباز

وإلى جانب اشتغاله بحضور أبحاث الأساطين من أساتذته، واهتمامه بتقرير أبحاثهم الشريفة، كما تكشف عن ذلك قائمة مؤلفاته، بدأ سنة 1379هـ بتدريس أبحاث الخارج في الفقه والأصول، وهو في بداية العقد الرابع من عمره المبارك، واستمرَّ في إلقاء أبحاثه العالية إلى آخر حياته الشريفة.

وقد تشرَّفت سنة ١٤١٥هـ، عند زيارتي للنجف الأشرف، بحضور أبحاثه الشريفة على خارج المكاسب ـ طلباً للتبرّك فقط ـ وكان يدور بحثه حول حرمة الكذب أولاً، ثم حول حرمة القيافة، فوجدتُ بحثه الشريف عامراً بالحضور، ولعلّه كان أكثر الأبحاث التي رأيتها هناك حضوراً وطلاباً، ولا زلتُ أتذكّر سلاسة مطالبه، وسحر بيانه، حتى خيِّل لي حينها بأنّه ببيانه يتصرّف في عقول الحاضرين كما يشاء.

صورة تجمع بين السيد السيستاني والشهيد الشيخ علي الغروي

ولذا فإنّي لستُ أتعجب من الشهادة المنقولة في حقّه ـ وهو دون العشرين من العمر ـ عن أستاذه السيد الحجة الكوهكمري (قدّس سرّه)، حيث قال: لا أدري أيّهما أطوع للميرزا: الألفاظ؟ أم الخاتم الذي يديره في إصبعه كيف يشاء؟(5).

وكما رأيته في درسه به وصفتُ، كذلك رأيته في سماحة أخلاقه، وبهاء طلعته، وخشوع عبادته، قمّة من شوامخ القمم، فلم أره إلا والبسمة الوادعة مرتسمة على شفتيه، وعلائم البُشر تعلو قسمات وجهه، مع وقارٍ وهيبةٍ وبهاءٍ، ويزداد هذا البهاءُ إشعاعاً وتألقاً، بعد صلاة الفجر، حيث كان يمكث في الحرم العلوي الشريف من قبل طلوع الفجر حتى طلوع الشمس، متهجّداً وعابداً ومتضرّعاً، في هيئة تأخذُ بلَبِّ الناظر إليها، فتخشع لها الروح، ويخضع لها القلب، وكما توسَّم فيه أستاذه الخوئي (قدّس سرّه) سنة 1380هـ: أن يكون من مراجع الفتيا والأحكام في مستقبل الأيام، فقد رجع إليه جمهور من المؤمنين بعد رحيل سماحة آية الله العظمى السيد عبد الأعلى السبزواري (قدّس سرّه)، وازدادت رقعة مرجعيته توسّعاً بعد رحيل سماحة آية الله العظمى السيد محمد الروحاني (قدّس سرّه)، حيث رجع إليه بعض أكابر علماء مدينة القطيف المحروسة، فانتشر تقليده فيها، ولمع نجمه في سماء المرجعية كواحد من أبرز فقهاء الشيعة ومراجعهم.

الشيخ علي الغروي وآية الله العظمى السيد ابو القاسم الخوئي

ولكنّ مرجعيته المباركة لم تدم زمناً طويلاً، حيث فُجع العالم الشيعي برحيله شهيداً على يد طاغية العراق وجلاوزته، بعد أن أودت عشرات الطلقات النارية ـ التي مزّقت جبينه المبارك بحياته المباركة الزكيّة، وهو في طريق العودة من زيارة سيد الشهداء الحسين (ع) ـ التي ألزَم نفسه بها في كلّ ليلة جمعة ـ إلى النجف الأشرف، وكان ذلك في ليلة الجمعة، الموافق لتاريخ ٢٥ صفر سنة ١٤٢٩هـ.

وقد أبَّنه عدَّة من المراجع العظام، كان منهم: سماحة آية الله العظمى، الشيخ الميرزا جواد التبريزي (قدّس سرّه)، الذي جاء في تعزيته لعلماء القطيف، قوله: «تلقّينا بالغ الأسف نبأ شهادة آية الله، المرجع الديني، الشيخ الميرزا علي الغرويّ (قدّس سرّه) وجماعته (جزاهم الله عن الإسلام وأهله خير الجزاء)، وإنّها لفاجعة عظيمة أصابت علماء الدين عامّة وعلماء بلدكم الكريم الذي هو حصن من حصون المذهب خاصّة»(6).

ومنهم: سماحة آية الله العظمى، الشيخ بشير النجفي (دام ظله)، الذي جاء في كلمته: «كان ـ رضوان الله عليه ـ عالِماً جليلاً، ورعاً تقياً، مليئاً بحب أهل البيت (سلام الله عليهم)، وأفنى جزءاً كبيراً من عمره الشريف في الدرس والتدريس في الحوزة العلمية، وكانت علاقتي معه ـ وهي علاقة أخوّة ـ أسمى من الزمالة التي عشناها في ظلّ سيدنا الأعظم أبو القاسم الخوئي (قدّس سرّه)، وقد توَّج شيخنا العزيز أعماله وجهوده وسيرته المليئة بالعطاء والعمل بالشهادة، وقُتِل مظلوماً، حيث مَزَّق جسده الشريف رصاص الغدر والخيانة، المليء بالحقد على كلِّ مخلص للحوزة العلمية، فَلَحِق بركب شهداء الفضيلة، رحمة الله عليه، وأسكنه في ظلِّ رحمته، وجوار شهداء الإسلام»(7) .


المراجع:

(1) لاحظ الوثيقة رقم ١.

(2) لاحظ الوثيقة رقم 2.

(3) لاحظ الوثيقة رقم 3.

(4) تاريخ الاجتهاد، المنشور في مقدمة «كتاب الاجتهاد والتقليد» من موسوعة «التنقيح في شرح العروة الوثقى» إلا أنّه وللأسف الشديد قد حُذِف من الطبعة الجديدة التي نُشرت ضمن الموسوعة الكاملة لمؤلفات السيد الخوئي (قدّس سرّه).

(5) لمحة موجزة من حياة المرجع الديني، الشيخ ميرزا علي الغرويّ: ١٦.

(6) لاحظ الوثيقة رقم ٤.

(7) موقع «يا حسين» الإسلامي، اللقاء مع الشيخ بشير النجفي، السؤال رقم ٢٢٩.

إغلاق