أحيوا أمرنا

«النهضة البيضاء» هدنة الإمام الحسن – نظرة في الأسباب(1) ـ

233-234

بقلم:  السيد محمد رضا شرف الدين ــ النجف الأشرف

 

لقد اقترن اسم السبط الأكبر (ع) بالهدنة التي عُرِفت بالصلح، وقد أثارت جدلاً لا يكاد ينتهي منذ أيامها الأولى، وتعدَّدت القراءات ينقض بعضها بعضاً، وتعدَّت الحدث لتصل إلى صانعه.

وهنا وقعت إحدى كبريات ظلامات التاريخ وأصحابه على رائد النهضة البيضاء ـ كما يحلو لي أن أطلق عليه وعلى هدنته ـ فوُسِم بعد أن وُسِمت بما لا يليق به وبها.

وإنّنا لنعذر الذين لا يستطيعون تصوّر المرامي السامية لإمامنا السبط المنتجب وغيره من أئمة الهدى. خاصة إذا تبنّوا نظرية أصالة المغالبة التي تعلّق شرعية الحاكمية بالغلبة على السلطة، ولا ترى للنص الشرعي والتنصيب الإلهي سهماً في التعيين ولا لمنطق الكفاءات دوراً في التقديم.

ولا عجب، فقد سبق وأنكر أهل هذا التوجه على رسول الله (ص) هدنته في الحديبية فلم يرضهم قوله حتى أقنعهم بعض أهل جلدتهم!!!

وما أشبه الموقف الحسني في يوم ساباط بالموقف النبوي في الحديبية.

أمّا نحن فأبناء مدرسة كرّست هذين الملاكين، ترى أنّ الدور الرئيسي للإمام هو هداية البشرية والتي يضحّى بكل غالٍ ونفيس من أجلها. أمّا السلطة فهي وسيلة لا غاية، فيمكن تركها إذا كان في تركها تحقيق الهدف الأساس.

رائد النهضة البيضاء

صانع أعظم نهضة سلمية أتت على من ناهضها وقوّضت دعائم مناوئها وأرست أسس الجهاد في أقوى حرب باردة عرفها التاريخ، أعطت الطاغية سلاحاً أبيض لينتحر فارياً أوداجه وهو يخيّل إليه أنّه يحتزّ رأس الهدى. أقام الرائد الربّان حجّته الدامغة على من عاند وأسفر عن وجه الصبح في  قلب الدجى الأسود.. حسبوه جنح للسلم آرزاً عجزاً، وهو الذي اختار سبيل الصلح قصداً.

نهضته البيضاء ما زالت المجهولة قدراً. ولم يسبر غورها جموع الباحثين من الماضين والتالين. له غراس الفتح الأكبر فيها ولقاح ثمره يوم الطف تم.

“انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ”. [الأنعام: 99].

أسباب الهدنة:

روى الشيخ الصدوق في علل الشرائع بإسناده عن الباقر (ع) حينما استنكر بعضهم فِعل الإمام الحسن (ع): «أسكت فإنّه أعلم بما صنع، لولا ما صنع لكان أمر عظيم»(1).

1 ـ تصدُّع المجتمع الإسلامي:

روي أنَّ الحسن (ع) قال لعبد الله بن جعفر: إنّي قد رأيت رأياً وإنّي أحبُّ أن تتابعَني عليه.

قال: قلت: ما هو؟

قال: رأيت أن أعمدَ إلى المدينة فأنزلها وأخلي بين معاوية وبين هذا الحديث، فقد طالت الفتنة وسفكت فيها الدماء وقطعت فيها الأرحام وقطعت السبل وعطلت الفروج يعني الثغور(2).

2 ـ عدم خلوص نيّة الكثيرين من جيشه في حماسهم:

من خطبة للإمام الحسن (ع): «ما ثنانا عن أهل الشام شك ولا ندم، وإنّما كنّا نقاتلهم بالسلامة والصبر، فشيبت السلامة بالعداوة، والصبر بالجزع، وكنتم في منتدبكم إلى صفّين، دينكم أمام دنياكم، فأصبحتم اليوم دنياكم أمام دينكم، ألا وإنّا لكم كما كنّا ولستم كما كنتم لنا، أصبحتم بين قتيلين: قتيل بصفين تبكون له، وقتيل بالنهروان تطلبون منّا ثأره، والباكي خاذل، والباقي ثائر، ومعاوية يدعونا إلى أمر ليس فيه عزّ ولا نصفة، فإن أردتم الموت، رددناه وحاكمناه إلى الله بظبات السيوف، وإن أردتم الحياة، قبلناه، وأخذنا لكم بالرضى» فناداه الناس من كلِّ جانب: البقية البقية يا ابن رسول الله(3).

3 ـ عدم رغبة الكثيرين من جيشه بالحرب:

من كلام له (ع): «وقد بايعتموني على أن تسالموا من سالمت، وقد رأيت أن أسالمه وأن يكون ما صنعت حجّة على من كان يتمنى هذا الأمر وإن أدري  لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين»(4).

4 ـ الحفاظ على خواص شيعته الفدائيين.

من كلام له (ع): «إنّي رأيت هوى عظم الناس في الصلح، وكرهوا الحرب، فلم أحب أن أحملهم على ما يكرهون، فصالحت بقياً على شيعتنا خاصة من القتل، فرأيت دفع هذه الحروب إلى يوم ما، فإنّ الله كلّ يوم هو في شأن»(5).

«فنظرت لصلاح الأمة، وقطع الفتنة، وقد كنتم بايعتموني على أن تسالموا من سالمت، وتحاربوا من حاربت، فرأيت أن أسالم معاوية وأضع الحرب بيني وبينه، وقد بايعته، ورأيت أنّ حقن الدماء خير من سفكها ولم أرد بذلك إلا صلاحكم وبقاءكم، وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين»(6).

وعن أبي سعيد عقيصا قال: قلت للحسن ابن علي بن أبي طالب: يا ابن رسول الله لِمَ داهنتَ معاوية وصالحته وقد علمت أن الحق لك دونه وأن معاوية ضال باغ؟

فقال: يا أبا سعيد ألست حجة الله تعالى ذكره على خلقه وإماماً عليهم بعد أبي (ع)؟

قلت: بلى.

قال: ألست الذي قال رسول الله صلى الله عليه وآله لي ولأخي :الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا؟

قلت: بلى.

قال:  فأنا إذن إمام لو قمت وأنا إمام إذن لو قعدت.

يا أبا سعيد علة مصالحتي لمعاوية علّة مصالحة رسول الله (ص) لبني ضمرة وبني أشجع ولأهل مكة حين انصرف من الحديبية، أولئك كفار بالتنزيل ومعاوية وأصحابه كفار بالتأويل، يا أبا سعيد إذا كنت إماماً من قبل الله تعالى ذكره لم يجب أن يسفه رأيي فيما أتيته من مهادنة أو محاربة، وإن كان وجه الحكمة فيما أتيته ملتبساً ألا ترى الخضر (ع) لما خرق السفينة وقتل الغلام وأقام الجدار سخط موسى (ع) فعله لاشتباه وجه الحكمة عليه حتى أخبره فرضي؟

هكذا أنا، سخطتم علي بجهلكم بوجه الحكمة فيه ولولا ما أتيت لما ترك من شيعتنا على وجه الأرض أحد إلا قتل(7).
وفي وصية الإمام الصادق (ع) لمؤمن الطاق محمد بن النعمان الكوفي:

إعلم أنَّ الحسن بن علي (ع) لمّا طُعن واختلف الناس عليه سلّم الأمر لمعاوية، فسلّمت عليه الشيعة: عليك السلام يا مذل المؤمنين. فقال (ع): «ما أنا بمذل المؤمنين ولكني معز المؤمنين. إنّي لما رأيتكم ليس بكم عليهم قوة سلّمت الأمر لأبقى أنا وأنتم بين أظهرهم، كما عاب العالم السفينة لتبقى لأصحابها وكذلك نفسي وأنتم لنبقى بينهم»(8).

5 ـ التواصل مع القاعدة الشامية:

من خلال انفتاح بلاد الشام على العراق والحجاز ليتسنى للوافدين من القوافل وغيرها الوقوف على الأنموذج الصحيح للإسلام الأصيل. حيث تفرَّغ (ع) للقاعدة مستصلحاً حالها من الجهة المعرفية والسلوكية والتكافل الاجتماعي من خلال عطاياه ونجدته للملهوفين ومسيرته في موسم الحج واتصال أهل الشام به.

6 ـ كشف الزيف عن الوجه الأموي:

ففي كتاب له إلى معاوية:

«أما بعد: فإنّ خطبي انتهى إلى اليأس من حق أحييه وباطل أميته، وخطبك خطب من انتهى إلى مراده، وإنني أعتزل هذا الأمر وأخليه لك، وإن كان تخليتي إياه شراً لك في معادك، ولي شروط أشرطها لا تبهظنك إن وفيت لي بها بعهد، ولا تخف إن غدرت. وكتب الشرط في كتاب آخر فيه يمينه بالوفاء وترك الغدر وستندم يا معاوية كما ندم غيرك ممن نهض في الباطل أو قعد عن الحق حين لم ينفع الندم والسلام»(9).

7 ـ دفع تهمة كون الصراع على السلطة:

عن أبي العريف قال: «كنّا في مقدمة الحسن بن علي اثني عشر ألفاً مستميتين حرصاً على قتال أهل الشام،  فلما جاء الحسن الكوفة أتاه شيخ منّا يكنّى أبا عمرو سفيان بن أبي ليلى فقال: السلام عليك يا مذل المؤمنين. قال:لا تقل يا أبا عمرو، فإنّي لم أذلّ المؤمنين، ولكن كرهت أن أقتلهم في طلب الملك»(10).

8 ـ سد باب الاغتيال العقيم أو قيام العدو بعملية تكون نتيجتها تسليم الإمام للعدو فيقتل صبراً ذليلاً دون نتاج أو يُمَن عليه بالإفراج عنه يوماً بيوم الفتح.

من كلام له (ع): «والله لو قاتلت معاوية لأخذوا بعنقي حتى يدفعوني إليه سلماً، والله لئن أسالمه وأنا عزيز خير من أن يقتلني وأنا أسير، أو يمنَّ علي فيكون سنَّة على بني هاشم آخر الدهر ولمعاوية لا يزال يمن بها وعقبه علي الحي منّا والميت»(11).

9 ـ إرساء أسس الجهاد السلمي.
10 ـ التمهيد لنهضة الطف:

” أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا ” [النساء: 77].

روى محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) قال: والله للذي صنعه الحسن بن علي (ع) كان خيراً لهذه الأمّة مما طلعت عليه الشمس، والله لقد نزلت هذه الآية” ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة “ إنّما هي طاعة الإمام، وطلبوا القتال فلما كُتِب عليهم القتال مع الحسين (ع) قالوا: “ربنا لمَ كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب نُجِب دعوتك ونتبع الرسل ” [إبراهيم: 44] «أرادوا تأخير ذلك إلى القائم (ع)»(12).


المراجع:

(❋) مسودة تنقيط موجز لبحث مفصّل قيد الإعداد.

(1) الصدوق، علل الشرائع؛ ج1؛ ص211.

(2) ابن عساكر؛ تاريخ مدينة دمشق؛  ج13؛ ص267/ المزي؛  تهذيب الكمال؛ج6 ؛ ص247/ الذهبي؛  سير أعلام النبلاء؛ ج3؛ ص265/ ابن حجر؛ تهذيب التهذيب ؛ ج2؛  ص259.

(3) السيد ابن طاووس؛ الملاحم والفتن؛ ص362/ الذهبي؛ سير أعلام النبلاء؛ ج3؛ ص269.

(4) ابن شهراشوب؛ مناقب آل أبي طالب؛ ج٣؛ ص١٩٦.

(5) الدينوري؛ الأخبار الطوال؛ ص٢٢٠.

(6) المجلسي؛ بحار الأنوار؛ ج٤٤؛ ص٦٦.

(7) الصدوق؛ علل الشرائع؛ ج١؛ ص٢١١.

(8) الحراني؛ تحف العقول؛ ص٣٠٨.

(9) الصدوق؛ علل الشرائع؛ ج١؛ ص ٢٢١.

(10) الطبري؛ محب الدين؛ ذخائر العقبى؛ ص١٣٩.

(11) الطبرسي؛ الاحتجاج؛ ج٢؛ ص١٠.

(12) الكليني؛ الكافي؛ ج٨؛ ص٣٣٠.

إغلاق