من سير الأطهار/ أدب ملتزم

حق الله(1)

233-234

بقلم: رجاء محمد بيطار

 

«وأما حقّ الله الأكبر، فأن تعبده لا تشرك به شيئا، فإذا فعلت ذلك بإخلاص، جعل لك على نفسه أن يكفيك أمر الدنيا والآخرة، ويحفظ لك ما تحب منهما..»(2).

.. كان برد المنية يتسلل إلى أعضائه، فتتكاسل عيناه عن النظر ويثقل لسانه عن النطق، ولكن سمعه كان يلتقط كل شاردةٍ وواردة، فتغوص تلك الكلمات النورانية في أعماقه، وتحفر في وجدانه دروباً وشعاباً إلى منتهى أشواقه، .. هي تنغرس في عمق كيانه، .. في ذاك المدى الأجرد الأمرد، الذي ما برح يحاول منذ ذلك اليوم الأوحد، أن يقيم فيه ما غار من بنيانه، ولكن النبت كان متأخراً في أوانه، فلم تُجْدِه كل دموعه الحرى في أن يحفظ لنباته الخضرة، ولا أن يستلّ من وريقاته المعروقة وأغصانه المهزولة زهرة أو ثمرة.

.. رباه، إنّ ما يسمعه الساعة يؤذيه، وإن كان يعلم أنّ فيه ما يشفيه..

ولكن، تالله .. ما جدوى الشفاء من داءٍ أكل عمره وماله وبنيه، بل هو أكل قلبه المتغلغل في مهاويه، وقد بلغت روحه التراقي، فلم يعد الشفاء من دائه يعنيه؟!

.. ولكن، كيف تؤذيه كلمات ولي الله، وهو قد عاش ثمالة عمره، بعد الواقعة، يتنسّم فيحاءه ويتوسّل عطاءه؟!

بل كيف تشبّ ناره المختبئة تحت رماد السنين، من وقود ذاك النور المبين؟! .. وكيف يستحيل برده وسلامه الموهوم إلى نارٍ غير ذات قرار، حالما تلامس وصايا خليله شغاف وجدانه المستكين؟!

ويجفّ ريقه فوق جفافه، ويتمادى الموت في غزو أعطافه، ويتساءل بحرقةٍ يحكي قصة اعترافه:

ـ أي دهر هذا الذي مضى عليّ، وأي بردٍ وسلامٍ أتوهّم أنه كان لديّ؟!.. أنا الذي وصلتُ إلى أبواب النعيم الأبديّ فتراجعت؛ .. لم أكن أملك القوة اللازمة لعبورها، وإلا لكنت فعلت، .. وها أنا ذا أجترّ تلك اللحظات العصيبات، وأعضّ على نواجذي أسفاً على ما فات، .. ولكن، هيهات.. لقد كسرتُ الكأس الأوفى ولفظت الكوثر المرصود، ونبذتُ عالم البقاء لألوذ بعالم الفناء، فهل فوق ما أنا فيه شقاء؟!.. ويلاه، ألم أكن أملك ناصية أفكاري ساعة شرعت في تنفيذ قراري  وظننت أن السلامة تكمن في فراري؟!(3)

وتململ..، استجمع كل قوةٍ في جسده المهلهل، وقد استشعر أثر الدنيا مضاعفاً على بدنه المعتلّ، وتنهّد من قلبٍ مقروحٍ وهو يتذكر ذاك العليل الأمثل، الذي وقف يستند إلى عصاه ويتحامل على بلواه، ليبذل روحه طوعاً ويُقتل، لولا أن هتف به أباه، وأهاب بالسيدة العقيلة أن ترده عما نواه، لكي لا تخلو الأرض من حجة!..

رباه، أي عذرٍ يرتجي لنفسه وهو قد شهده في ذلك اليوم المشهود، ينادي ويستنصر ويطلب الحامي والذابّ عن حرمه، سمعه ورآه، فحمل السيف بين يديه ساعةً، ثم لاذ بوحول دنياه؟!

إلى أيّ توبةٍ يمكن أن يلتجئ وهو قد ترك إمامه فريسةً لذئاب البشر، فكانت نفسه وولده وماله عنده أغلى من كلّ من حضر، واستطاع أن يدير ظهره للقدر، وأن يمضي هارباً كجبانٍ رعديدٍ على أن يواجه المنيّة شهيداً قد انتصر؟!

ولو لم يكن قد أهمل إلا سبي حرم نبيه بمرأى منه ومنظر، لكان ذلك كافياً لإغلاق سبل الرحمة أمامه، فهو مثالٌ للغافل العاق بربه ورسوله وإمامه الأكبر.

.. وشهق بأنفاسه، حتى ظنَّ من حوله أنّه قد لفظها، ولكنّها كانت لا تزال تتراوح في صدره فيلتقطها، ويقبضها فلا يكاد يطلقها، تماماً كما قبض على الهباء في يوم عاشوراء إذ لم يلتفت لذلك النداء، فأيُّ شيء قد أغنته الدنيا عن بقيّة الأشياء؟! .. وأيّ فداءٍ قدّمه على مذبح ضعفه دونه كل فداء؟! .. لقد ضحّى بجنّةٍ عرضها السماوات والأرض أُعِدّت لمن يشري نفسه ابتغاء مرضاة ربّ السماء، وابتاع عمراً بخساً لا يساوي أكثر من فتات غذاءٍ وجرعة ماء، يستحيلان في لحظةٍ إلى جيفةٍ تسعى نحو الفناء..

وحملته ألسِنة اللهيب المندلعة من أنفاسه الحرّى على حروفها الناطقة بالحنين والأنين، إلى كربلاء؛ وتهاوت أمام ناظريه المثقلَين بأطياف الردى حجب المدى..

هو ذا مولاه، من دان بدينه وارتضاه، ينتصب ويرتقي برأسه المرفوع فوق القناة..

هو ذا جونٌ العبد ومسلمٌ السيد وسائر الشهداء، قد تساوَوا في مرتبة العشق والولاء ..

هو ذا حبيبٌ الذي قال لمولاه حينما ناداه: «لقد استبدلت عن أهلي أهلاً وعن داري داراً وعن صبيتي صبية..».

هو ذا زهيرٌ، من جافى الحسين بهواه، ثم لاقاه، فما عاد يبغي من الكون سواه، حتى طلّق الدنيا ثلاثاً في سبيل هداه..

هو ذا الحر الرياحي ويزيد الكندي، من خذلا الحسين أولاً ثم نصراه، حتى بلغ الحقّ بهما منتهاه ..

هو ذا الأكبر والقاسم..

هو ذا صاحب اللواء، قمر العشيرة الذي تقطّعت في نصرة الحقّ يداه ..

أمّا هو، «الضحّاك بن عبد الله»، البكّاء على ما جناه، فلقد قام ناصراً، ثم قعد عاثراً، «وفضّل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً»، هذا إن كان لقعوده عذرٌ غير هواه، أما والعذر واهٍ والقلب ساهٍ، فأيُّ فضلٍ يرجو أن ينال في أخراه، وقد أنكر في ما أنكر من الحقّوق أهمها وأعظمها، ألا وهو حقّ الله؟!

.. وشهق ثانية ..

.. لو كان للزمن لسانٌ لتحدّث بما كان يعتمل في وجوده في تلك الثانية، فها هو عمره المتهافت قد تقلّص أمامه وتكوّر ليحلّ في آنية، وما هي إلا هنيهات حتى ينفخ عليها عزريل نفخته العاتية، فتتكسّر وتتشظى وتنتشر في كل زاوية، وتهبّ الروح في يقظةٍ واعية، وتنطلق من سُباتها وحبسها، لتجني ثمار أمسها قبل دخول رمسها، فإمّا قمةٌ سامية أو سقوطٌ في هاوية!

لقد كان يعلم كلّ ذلك، فما باله لم يعتبر ويسلك طريق الهداة؟!

بلى.. فلقد كان بكلّ ما جناه عليما، ولكنه لم يكن يملك اليقين ليسلّم تسليما..

لقد أدرك مذ رأى فوز أولئك الأبرار، أنّه قد فرّط في دار القرار، حتى وإن كان سيّده ومولاه أعطاه الإذن بالفرار..

وهل كان ليرفض «حسينُ الرحمة» شرطَه الأرعن ذاك، حينما دعاه ناصحاً لنصرته، فرد عليه بمقولته:

ـ إنّ عليّ ديناً وإن لي لعيالا، ولكنك إن جعلتني في حلٍّ من الانصراف إذا لم أجد مقاتلاً، قاتلت عنك ما كان لك نافعاً وعنك دافعاً..!

وهل كان الإمام ليحرمه من ثواب القتال بين يديه؟!

بل لعلّ قبوله بشرطه ما كان إلا لإلقاء الحجّة عليه!

.. لقد استشعر ريح الجنة يومذاك، ولكن ريح الدنيا كان هو الأقرب إليه، فلم يفلت من تلك الشِّراك، وها هي وصية زين العباد (ع) تذكّره بما فاته، فيدرك بعد ما لم يعد ينفعه الإدراك، أنّه لو عبد الله مخلصاً بِلا إشراك، لجعل على نفسه أن يكفيه أمر دنياه وآخرته، وأن يحفظ له ما يحب منهما..

ولكن، تالله، أوليس قد عبد الله طوال عمره؟!.. أوليس قد آمن برسوله وأئمته ورأى فيهم سبيل الخلاص؟!.. بلى، ولكنّه لم يبلغ في عبادته حدَّ الإخلاص، ولذا فقد حُرم من ذاك النعيم، وهو مهما ندم على ما بدر منه، فلن ينفعه ندمه، .. ولات حين مناص ..

لقد صدق نبي الله (ص) إذ قال: «حبُّ الله وحبُّ الدنيا لا يجتمعان في قلبٍ أبدا»..

لقد كان حبُّ الدنيا عليه طاغياً، فصار حبُّ الله وأوليائه في المرتبة التالية،  فحُرم من تلك المنزلة العالية..

ولكن، تُرى.. أيغفر الله له؟!

أيتوب عليه بعدما ترك إمامه وحيداً فريداً في أرض المعركة، يطلب الناصر والمعين، فلم يبذل دونه النفس والروح، بل تذرّع بالأهل والعيال وقضاء الدين؟!

وأيّ أهل وعيالٍ وأموال ستنفعه اليوم وهو راقدٌ على فراشٍ من طين، وقد بدأ استيفاءُ الديون حقّا، والمدين هو رب العالمين؟!

.. ها هو قد أمضى عمره بعد عاشوراء، يحاول أن يعوّض عن تقصيره، لقد روى أخبار المعركة، بعدما كان عليها شاهداً وفيها مشاركاً، وأخذ على عاتقه أن يحيي ذكرى سيد الشهداء، طالما أنّه غير قادرٍ على النكوص إلى الوراء ليلتحقّ بركب الأوفياء ..

ها هو قد ترسّم خطى ولده، ولئن كان قد خذل سيّده في أمسه، فهو قد صحب خَلَفه في يومه وغده، ولكن كلّ ذلك لم يستطع أن يمحو مرارة الخيبة العالقة بحلقه وكبده، تفري فؤاده وتنغّص عليه زاده، ويرعبه أن لعلّه قد ضيّع معاده، يوم أخفى في تلك الخيمة جواده، ليجعله مركباً يمكّنه من التراجع عن درب السعادة..

وها هو الساعة يعدّ العدة ليغادر ..

ها هي الدنيا التي ابتلعته أفواهها لحظة فتحت له الآخرة أبوابها، .. ها هي تنهش جسده بذنوبها وحرابها، فإذا هي قد أغرته عبثاً بحلو شرابها، ولم يحظَ منها بأكثر من اللّهاث خلف سرابها..

ها هي قد تغلغلت في جثمانه المنهدم، فلم ينله منها مع طول العمر سوى الضعف والسقم، وهو حتى لو كان مقدّراً له الخلود فيها لما كان معذوراً في ما أثِم، إذ لطالما لسعت كيانه تلك الكلمات التي رواها الرواة عن إمامه، وقد قال وهو يستعدّ لقيامه: «من لحقّ بنا استشهد، ومن لم يلحقّ بنا لم يبلغ الفتح».

لقد لحقّ به ولكنه لم يستشهد، ولذا فهو لم يبلغ الفتح..

ولكن، هل ينفع الندم وقد سبق السيف العذل؟!

.. إنّه ليتمنى أن يستحيل إلى عدمٍ على أن يواجه ذاك الموقف الجلل، فقد فَقَدَ مع  فقْدِهِ خير العمل سعادة الأبد والأزل..

وها هو ذا يستعدّ اليوم لمعمعة الأجل، بزادٍ هزيلٍ جزاءً بما كان فعل، وقلبٍ ملهوفٍ قد ملأه الرعب والوجل.

وتلوح الأنوار.. وتهبّ لفحة نار..

وتنهار تلك الأسوار، وتطلّ شمس الحسين مشبوبة الأوار، حمراء قد ضرّجتها بالحياة أوردة الأحرار..

..ويطلّ خلفه حامي الذمار، يقف على ذروة المحشر يستطلع الأخبار، … هو يسقي كل ظامئ حرٍّ كأس الأبرار، ويأخذ بيد كل امرئٍ إلى الجنة أو إلى النار..

ويشهق «الضحّاك» باكياً للمرة الأخيرة، بعدما استنفدت نبضاته كلّ الذخيرة، ويمدّ كفيه مجاهداً ليتجاوز تلك العقبة العسيرة؛ .. كفٌّ جاهدت وسدّدت ونالت من المولى دعوةً أثيرة، وكفٌّ تقاعست وتخاذلت فلم تكمل المسيرة…

تُرى، إلى أين هو صائر بعدما تتحرّر روحه الأسيرة؟!

أيشفع له قتاله بين يدي مولاه، وحسن بلائه الذي أبلاه، رغم أنه لم يستطع أن يستكمل خطاه على درب النجاة؟

ويلوح الجواب بين شفتي أبي عبد الله (ع)، فهو الحكم العادل في هذه المعضلة التي لا يحلّها سواه، وهو من يسخط الله لسخطه ويرضى لرضاه، ويستتمٌّ في ميدان عشقه وحقّه ذاك الحقّ الأكبر، حقّ الله.


المراجع:

(1) فازت هذه القصة بجائزةٍ تقديرية في مهرجان تراتيل سجّادية الدولي الخامس ـ العتبة الحسينية المقدسة ـ كربلاء المقدسة ـ 1440هـ.

(2) رسالة الحقوق للإمام علي بن الحسين زين العابدين (ع).

(3) هو الضحّاك بن عبد الله المشرقي، ممن نصر الإمام الحسين (ع) في كربلاء، ولكنه لم ينل شرف الشهادة بين يديه، إذ انسحب من المعركة لما رأى الإمام قد أُحيط به، وذلك بعدما كان قد اشترط على الإمام السماح له بالمغادرة إذا وجد أن قتاله لن يدفع عنه الموت، وقد عاش بعد كربلاء وكان ممن نقل أخبارها وروى الحديث عن الإمام زين العابدين (ع)، وقصة الضحّاك معروفةٌ في كتب السير عند الخاصة والعامة.

إغلاق