وهدوا إلى صراط الحميد

مع الأستاذ الدكتورروبرت بيير جوزيف (الحاج إبراهيم محمد)

235-236

 

إنّه أستاذ سابق للفلسفة في الجامعات الفرنسية، وله العديد من الكتب في مجال الفلسفة والتوحيد… اعتنق الإسلام بعد دراسة جادَّة مضنية أوصلته إلى اقتناع كامل به كدين قائم على التوحيد…

وعلى حدِّ تعبيره كان من فضل الله عليه أن منَّ عليه بالإسلام كمكافأة له على ما بذله في سبيل تحصيل العلوم المختلفة؛ وخاصة اجتهاده في الفلسفة.

ويسترسل الدكتور في حديثه فيقول:

«لا شكَّ بأنّ الإسلام‏ ـ وهو دين العلم والمعرفة ـ يدعو معتنقيه إلى التزوّد بالعِلم والعمل، ولا غَرْوَ في ذلك، فإنَّ أول آية من القرآن الكريم هي قوله تعالى لرسوله الكريم: “اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ” [العلق: 1]. وكذلك قول رَسُولُ اللَّهِ (ص): طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ».

ومن خلال تجاربي الشخصية، إننّي أؤمن إيماناً لا يترعزع بأنَّ الفرد الذي يُخلِص في أبحاثه للحصول على العلم في أيِّ فرع من فروعه لخدمة المجتمع ولخير البشريّة جمعاء، فإنَّ الله سيجازيه خير الجزاء على ما قدَّمه.

فالله يقول في سورة الزلزلة: ” فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ … [الزلزلة: 7].

وبالنسبة لي فإنّني لم أكتفِ بدراستي الخاصة في الفلسفة؛ بل حاولت التعمّق في شتّى فروع المعرفة، وخاصّة في ما يتعلّق بإثبات وحدانية الله خالق ومدبِّر كلّ شيء في هذا الكون، والذي تهدِّده الحضارة المادية الإلحادية التي تكاد تقضي على كلِّ ما توارثته الأجيال الماضية والحاضرة من تقدُّم وازدهار.

فالعلم والبحث كانا سبباً في إنارة الطريق أمامي وهدايتي إلى الصراط المستقيم؛ وإنقاذي من العذاب الشديد الذي كنت أعانيه نتيجة الصراع العنيف الذي كان يدور في نفسي. ولا ريب في هذا الكلام، فإننّي أعتقد بأنَّ الإسلام معناه السلام بكلِّ ما تحتويه هذه الكلمة من معانٍ كبيرة؛ وأوّلها السلام بين الشخص ونفسه. فالنفس ـ وهي الأمّارة بالسوء ـ لا تستطيع أن تسيطر عليها وتوجهها إلى خير الفرد والمجتمع، إلّا الشريعة الإسلامية ومبادئها السمحاء.

فالشهادة تعني أن لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وأنَّ الناس جميعاً متساوون ولا فضل لعربي على أعجمي إلّا بالتقوى….

كما وأنّ اتصال العبد مباشرة بخالقه خمس مرات يومياً في صلاته، هو بمثابة زاد يوميّ يذكِّره بوجود الخالق، ويدعوه إلى اتّباع ما دعا إليه؛ واجتناب ما نهى عنه. وورد ذلك في الآية الكريمة: :” كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ” [آل عمران: 110].

وكذلك الزكاة التي تؤلّف بين القلوب وتَقضي على الحقد والحسد، فتقرِّب بين المسلمين وتجعلهم كالبنيان المرصوص يشدُّ بعضه بعضاً.

ناهيك عن صيام شهر رمضان المبارك الذي يُعتبر تدريباً للنفس لكبح جماحها…

إضافة إلى خروج الفرد من زينة الدنيا في الحجّ، ما يذكِّره بيوم الحشر والحساب…

هذه المبادئ تستطيع إقامة المجتمع المثالي الذي ظلَّ يبحث عنه الإنسان منذ نشأته. ولذا فإنّني أدعو الجميع إلى البحث في حقيقة الإسلام ومبادئه وعدم التأثّر بالادّعاءات الكاذبة التي يردِّدها المغرضون، فالطريق مفتوح أمام كلِّ إنسان للنظر في كتاب الله وسنَّة رسوله، وليحكم بعد ذلك بما يمليه عليه ضميره.

ثم يقول الدكتور: إنَّ شيئا فعلته بعد اعتناقي للإسلام، وهو محاولة زيارة الدول الإسلاميّة لدراسة أحوال معيشتهم  والتعرُّف عليهم ولقد سعدت كثيراً بذلك، حيث وكنت دائماً أحسُّ بالبيئة الإسلاميّة التي أفتقدها ويفتقدها كلّ مسلم يعيش في بلاد الغرب.

ثم يستطرد قائلاً: إنّني أقوم بمحاولة إعداد كتاب باللّغة الفرنسيّة عن الشريعة الإسلاميّة وتاريخ الإسلام والمسلمين، ودور علماء المسلمين الأوائل في العلوم والفنون المختلفة.

ثم اختتم حديثه بقول: أودُّ أن أطلب من المسلمين أن يفتخروا بأنقسهم، وأن يكوئوا خير مثل لهذه الشريعة الخالدة؛ وأن يكونوا جديرين بأن يحملوا هذه العقيدة. وأحبُّ أن أذكر هنا مثلاً يبيّن لهم أهمية تمسُّكهم بدينهم، وهو أنَّ أرباب العمل في أوروبا يفضِّلون المسلمين المتمسِّكين بدينهم، لكونهم يتّصفون بخُلُق طَيّب وإخلاص تام لأعمالهم، فضلاً عن أنّ سلوكهم الاجتماعي يجبر الجميع على احترامهم وتقدير عقيدتهم.

وأخيراً وليس آخراً، أناشد الدول الإسلاميّة أن تتحمَّل المسؤولية الكبرى لخدمة الإسلام والمسلمين في العالم أجمع، كأن تهتم مثلاً بتوزيع المطبوعات الإسلاميّة التي تتناول الأسس والمبادئ الإسلاميّة بالأسلوب العلمي المبسَّط وباللّغات المختلفة، وأن تهتمّ بترجمة القرآن الكريم للشعوب غير الناطقة بالعربية، وكذلك الاهتمام بتسجيلات تعليم الصلاة للمسلمين في الدول الغربيّة بصفة عامّة، وفي فرنسا بصفة خاصّة.

هذه الخطوات ستساعد على إظهار الإسلام بأبهى حلله، وتعريف معتنقي الديانات الأخرى على الإسلام الصحيح.

 

إغلاق