قضية ورأي

سفن الأمان من الفلسفة إلى العرفان

235-236

بقلم: د. أكرم جلال

إنّ مِن نِعَم اللّه وأفضاله أن أودَع في الإنسانِ صفاتاً فِطرية ودَوافع غَريزية غَير شعورية تَدفعه للسّير باتّجاه معرفة الله وتُحفّزه إلى رحلةِ البحث عن حقيقةِ الكمالات المُوصلة إلى الكمال المطلق وإدراك عالم القُدس والسكينة والطمأنينة؛ فَتُطَهّر النّفس مِن الموانع والحواجز والوَساوس والشكوك وتَصِل بها إلى مَرتبة اليقين المُطلق أو ما يطلق عليه «حقّ اليقين».

إنّ شَرَفَ الطّالب بِشَرف المطلوب فَكُلّما كان المَطلوب أجَلّ وأقدَس كانَ السّير نَحوه أشرف الأعمال وإنّ العَناء مِن أجلِ الوصول إلى حَقيقة كَماله هِيَ مِنَ التَوفيقات الربّانية والنِّعَم الإلهية، التي لا يَنالها إلّا الخَواص مِن عِباده. ولأنّ هذا السّعي هو من أجل الوصول إلى إدراك بَعضٍ مِن نُعوته وصفاته، فهو إذن أشرف رحلة، والفيوضات المُدْرَكة وإنْ كانت مُتواضعة في أول الطّريق لكنها تَبقى باباً إلى روضات الجنان وَقَبَساً يَناله السالك من مصدرِ النّور المُطلق.

عَن أميرِ المؤمنين علي (ع) أنّه قال: «أوّلُ الدين معرفته، وكمالُ معرفته التصديق به، وكمالُ التصديق به توحيدُه، وكمالُ توحيده الإخلاصُ له، وكمالُ الإخلاص له نفيُ الصفات عنه، لشهادة كلِّ صفة أنّها غير الموصوف، وشهادة كلِّ موصوف أنه غير الصفة»(1).

وَعَن جميل بن درّاج، عن أبي عبد الله (ع) قال: «لَو يعلم الناس ما في فضل معرفة الله (عزّ وجلّ) ما مدّوا أعينهم إلى ما متّع الله به الأعداء من زهرة الحياة الدنيا ونعيمها، وكانت دنياهم أقلَّ عندهم ممّا يطوونه بأرجلهم، ولنَعِمُوا بمعرفة الله (عزّ وجلّ) وتلذّذوا بها تلذّذ من لم يزل في روضات الجنان مع أولياء الله».

إنّ معرفة الله (عزّ وجلّ) أنْسٌ من كل وحشة، وصاحبٌ من كل وحدة، ونورٌ من كل ظلمة، وقوةُ من كل ضعف، وشفاءٌ من كل سقم. ثم قال (ع): «وقد كان قبلكم قوم يُقتلون ويُحرقون ويُنشرون بالمناشير وتضيق عليهم الأرض برحبها، فما يردّهم عما هم عليه شيء ممّا هم فيه، من غير تِرَةٍ وُتروا من فعل ذلك بهم ولا أذى، بل ما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد، فاسألوا ربكم درجاتهم، واصبروا على نوائب دهركم،  تدركوا سعيهم»(2).

إنّ هذه الرّحلة يَتَمَكّن مِن خلالها السّالك من إدراك صُوَر العالم الأُخرَوي فَتَنعكس على الحياة الدنيا لِيَتعايش معها روحاً وَتَطبيقاً وتَشريعاً، فَهو يَتّخذ من الدنيا ممرّاً نحو الآخرة، ويرتشف ماء الحياة من نَبع العالم الأُخروي ما يَرتوي به من عطش الدّنيا، ويَعيش الدنيا ليس لكونها حقيقة الوجود، إنّما يَختَرقها للوصول نحو الكمال المُطلق.

وفي وَصف هذا المعنى قال أمير المؤمنين علي (ع) في وَصْف المُتّقين: «عَظُمَ الْخَالِقُ فِي أنْفُسِهِمْ فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ، فَهُمْ وَالْجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا، فَهُمْ فِيهَا مُنَعَّمُونَ، وَهُمْ وَالنَّارُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا، فَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ»(3).

وَهنا يأتي السؤال: هَل أنّ لِمَحدوديّة العَقل القُدرة على تَشخيص وَخَوض هذه المّهمة الصّعبة وإدراكها ببصيرة من أجل طَيِّ المَراتب الموصله إلى الذّات المُقَدّسة؟

لَقَد جَعَلَت المسالك الفَلسَفيّة العَقلَ محوراً ومُنطَلَقاً وطَريقاً نَحو إدراك حَقيقة الوجود، بَينما اتّخَذ العرفانُ الرّوحَ طريقاً للكّشف وَمَسلكاً لإدراك تلك الحقيقة، فَفَتح هذا التَباين البابَ على مصراعيه للصراع بَين هذين المَسلكين. ولأَّن الخطأ في اختيار مَسلكٍ مُحَدّد على حِساب الآخر دُون الاتّكال على الحُجّة والدّليل قَد تَتَرتّب عَليه نتائج وَخيمة، لهذا كَتب الكثير ونَظّر لهذين المَسلكين العديدُ مِنَ الفلاسفة والمُفَكّرين وَكُلٌّ لَه دَليلُهُ وَحُجّتُه، فَمَطبّات الطّرق الخاطئة تَجعَل السّالك يَعيش في التَّيْهِ المُطلق بَدَل الوُصول إلى فيوضاتِ الحَقّ المُطلَق.

وفي هذا المَقال المُقْتَضَب نَعرض بإيجاز واختصار رُؤية كلّ مِن هذين المَنهجين لَيس مِن أجلِ إثبات أحَدهما أو نَفي آخر بل من أجلِ تَسليط الضّوء على مُتَبنّيات هذين المَسْلكين، ثُمّ نُعَرِّج على الطّريقِ الأقوم والمنهَج الأسلم، مَنهَجَ سُفُن الأمان وَحَمَلة القُرآن، المُصطَفى وأهل بيته الأطهار صَلواتُ اللّه وسلامه عليهم، سبلُ النجاة  وأمناءَ الوحي والأدلّاء على الله، بهم فَتَح اللّه وَبهم يَختِم.

الفَلسفة كلمةٌ أصلها يُوناني وَتعني «محبُّ الحكمة»، وكانَ أرسطو أول من اعتَمَدها كمنهجٍ لمعرفة وَفَهم غَوامض الوجود وإثباتها باستخدام الأمور الحسيّة والعَقلية. فالفَلسَفة إذن هِي المَنهج المَعرفي في البحث والاستدلال في أمورِ الكون والإنسان والخالق استناداً إلى العَقل والفِكر والإرادة كقواعدَ وأسُس ومَناهج في هذا الاستدلال.

وَلعَلّ أرسطو هُو أول من أدرَج مَفهوم العقل (noûj) في حَقل الفكر الفَلسفي، وعدّه من أساسيات المَنهج البَشري في المَعرفة والإدراك.

ثُمّ انتَقل هذا المَنهج إلى البُلدانِ الإسلاميّة خُصوصاً في عهد بني العبّاس، حيث انهَمَكوا بترجمة تلكَ الأفكار والمناهج من اليونانيّة إلى العربيَّة، فتأثّر بها الكثير من المسلمين وأخذ البعض منهم يُؤسّس لها مدارس ونَظَّر لها الكثير من المُفكرين واعتبروها مَنهَجاً يُعتَمد عليه من أجل الرُّقي والتكامل البشري.

ولَعلّ أهم مَن اهتَمّ وَشَرَح ونظّر لفكرة العَقل من المسلمين هو يعقوب بن إسحاق الكندي خُصوصاً في كتابه (رسالة في العقل) والذي أشار إلى ما سمّاه بالعقل البَياني والذي من خلاله ينقل ما يتعلق بالعقل إلى عقلٍ آخر. وهذا ما أشار اليه بطريقةٍ او أُخرى الإسكندر الأفروديسي في نظريةِ العُقول الثلاثة. والفارابي يُعَد من عَمالقة مَن كَتَبوا فيما سَمّاه بالعقل الهيولاني والذي هُو الاستعداد لإدراك الحقائق أو لِقَبول المَعقولات. وقد أفاضَ ابن سينا في مَفهوم العَقل أكثر وتَكَلّم بإسهابٍ مُؤكداً انّ المعرفةَ لها مَصدَرين أساسيين وَهُما الحَواس والعقل، وهذا ما ذهبَ اليه من قَبله أرسطو.

ونَحن هنا لَسنا بِصَدد التّفصيل في شَرح ومُناقشة جَميع الآراء من أجل تأييد البّعض أو نَقض الآخر، لكنّ لَنا الحق في الإشارة إلى أنّ للعَقل حُدود وَقُدرات لا يستطيع تَجاوزها ولا يُمكن لَه إدراك كلّ المطالب، فالعَقل يعتمد على مُعطياتٍ حسيّة في عَملية الاستقراء والاستنتاج، وهذه الحَواس لها وجود ومجال وحدود ونطاق، وهذه المَحدوديّة لا يُمكن لها إدراك أمور لا تُدرَك بالحَواس كالتَّوحيد والصفات الإلهية وما شابه ذلك. وفي هذه السياق يشير ابن خلدون إلى العَقل بقوله: «أنّك لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد والآخرة وحقيقة النبوة وحقائق الصفات الإلهية وكل ما وراء طوره فإنّ ذلك محال»(4).

أَضِف إلى ذلك أنّ العَقل إنّما يُدرِكُ الأشياء مِن خلال أضدادِها وبما يُقابلها، فالنُّور لا يُدرَك إلّا عندما يَزول وَيَحلّ مَحَلّه الظلام، وكذا بالنسبة للخَير والشَّر والجَمال والقُبح والكَرم والبُّخل، إلخ. وعَليه فإن وجودَ حَقيقةٍ واحدة دونَ وجود ضِدٍ لها، لا تكفي لحصول الإدراك العقلي. فَكيف للعقل أن يُدرك اللّه الذي هو نُورٌ مُطلق لا ظَلام فيه “اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ” [النور: 35]، وهو عَدلٌ لا يَحيف. فالعقلُ مَحدود، وإنْ كانَت له القُدرة على إدراكِ بعضٍ من صنائع الله عن طريق أضدادها، لكنّه يَقف عاجزاً عن مَعرفة الكَمال المطلق والنور الأزلي. وهنا لابُدّ من التأكيد على أنّ العقل، وإن كان عاجزاً عن إدراك الذّات المُقدسة، فهذا لا يَعني الغاءُه بالمُطلق وَمَحوَه مِن رِحلة البَّحث عنِ الكَمال والتّكامل، فالعَقل شريكٌ لا يُمكن الاستغناءَ عنه كما سَنُبيّن لاحقاً.

والعِرفانُ هُوَ المَنهَج الآخر في السّير نحو المَعرفة وإدراك حَقيقة الكَمالات المُوصلة إلى الكَمال المُطلق وإلى عالم القُدس والسَّكينة والطَمأنينة. هُوَ مَنهجٌ لا يَعتَمد في عُمْقِ مُفرداته على العَقل كأساس ومُنطَلق في السّير نَحو الفَّهم والإدراك، إنّما يَعتَبر الإلهامَ والتَّلقي والمُكاشَفة هي الطّرق المُوصلة إلى المعرفة والكمال. وارتَكَز العُرفاء على حقيقةِ أنّ العَقل لا يَكفي بَل قد يَكون عاجزاً عَن إدراك ما فَوقه، كما أشار الغَزالي بقوله: «ثم يترقى إلى طول آخر، فيخلق له العقل، فيدرك الواجبات والجائزات والمستحيلات، وأموراً لا توجد في الأطوار التي قبله. ووراء العقل طور آخر تفتح فيه عين أخرى يبصر بها الغيب وما سيكون في المستقبل، وأموراً أخر، العقل معزول عنها كعزل قوة التمييز من إدراك المعقولات، وكعزل قوة الحسّ عن مدركات التمييز»(5).

والعِرفان هيَ المَعرفة الحاصلة عن طريق المُشاهدة القَلبية، دون وَساطة العَقل ولا التَجربة الحسّية، وتُسمّى أيضاً المعرفة اللّدنيّة كَونها تأتي مِن لَدُنِ اللّه، يَقول ابن عربي: «العارف من أشهده الرب عليه، فظهرت الأحوال على نفسه».

وَيَرى البَعض أنّ العِرفان انتقل إلينا من ثقافة كانت سائدة قبل الإسلام حَيث تسمّى الغنوص Gnose، لكن مُفَكرين آخرين يرون أنّ العرفان من العلوم التي ولدت وترعرعت وتكاملت في مهد الثقافة الإسلامية.

فالعِرفانُ إذن هو مَنهج المعرفة الحَقّة والإدراك الجَلي، بلا قُيُود أو حُجُب، وهو إزالة المَوانِع والحَواجز الدنيوية ورفع الغَشاوة والسّير نَحو إدراك الحقيقة والوصول إلى مَراتب اليَقين الحق. وما لم تَتَجلّى لَدى الطالب حَقيقة الحقيقة ولو بأَجزاءها فإنه قَطعاً لَم يَطوِ جميع المَراتب نَحو كمال العرفان.

وَقَد قَسّم أهل الأختصاص العرفان إلى قسمين: العرفان النظري، والعرفان العملي، على أنّ بَعضَ أهلِ العِرفان قد رَفَضوا هذا التَّقسيم. والعرفان النَّظري، هو العلم الذي يَهتَم بشؤون الخالق والكون والإنسان، فَيَتَعَمق في فَهمِ أسماء الله تعالى وصفاته وتجلّياته، وهو بذلك يقترب من المنهج الفَلسفي في دراسة الوجود، فالفيلسوف يَستعين بالعَقل والفهم فقط من أجل إثبات وإدراك الدّليل والبُرهان لأصل واجب الوجود، بينما العارف يُقَدّم رؤية كونية من خلال المُكاشفات والاستدلالات نحو معرفة أساسيّات حقيقة الوجود، وهو الله (جلّ جلاله) والإنسان والوجود نفسه. أمّا العرفان العَملي فَهو علاقة الإنسان وواجباته مع نَفسهِ وَوجوده ومع خالقه، ويُسمّى أيضاً بعلم «السير والسلوك»، وهو يُبين المَراحل والمَراتب التي لا بُد أن يطويها السالك في سَيره إلى الله، ما هي المحطة الأولى وأين ستكون المحطة الأخيرة، وما هي المنازل والمَقامات التي يَمُر بها العارف أثناء سَيره للوصول إلى معرفة الله تعالى.

فعن أمير المؤمنينَ علي (ع) أنّه قال: «وَأَنِرْ أَبْصَارَ قُلُوبِنَا بِضِيَاءِ نَظَرِهَا إِلَيْكَ حَتَّى تَخْرِقَ أَبْصَارُ القُلُوْبِ حُجُبَ النُّوْرِ فَتَصِلَ إِلَى مَعْدِنِ العَظَمَةِ، وَتَصِيْرَ أَرْوَاحُنَا مُعَلَّقَةً بِعِزِّ قُدْسِكَ»(6).

ولِنَظرية وحدة الوجود أهمية تَستَحق الوقوف عندها، وشرح حقيقةَ معناها. فَمَن يَدّعي أنّها تَعني اتّحادٌ بين وجود الإنسان ووجود الله (عزّ وجلّ)، فهذا خَطأ عَظيم وَفَرضٌ مَرفوض. فالموجود الحقيقي هو الله (جلّ جلاله)، وما سوى اللّه إنما هي وجودات من صُنعِ الله، فوجود الله (عزّ وجلّ) لا حُدود له، وعِلمَه وقُدرته وحَياته هيَ عَينُ ذاته، وأمّا باقي الموجودات وإن كان لها وجود لكن وجودها ضَعيف، مَحدود، أقرَبُ أن لا يَستَحق تَسميته وجوداً.

فَمراتب الإيمان تبدأ بالعلم واليَقظة والإيمان والتّوكل ثم التسليم ثم مرتَبة الرّضا وأخيراً مرتبة الفَناء.

وَكَما أشَرنا سابقاً فإنه من الخطأ التَصوّر أنّ أهلَ العرفان قد ألغوا العَقل البرهاني والتفكير العَقلي بالمُطلق في جميع مراحل السير إلى الله، فالكثير من أكابر العِرفان يَعتبرونه النُّور الأول من أنوار السّير والسلوك بَل هو مُقدمةً وضرورةً لصحةِ المَسير. فالسير والمُكاشفة لا بد لها من مقدماتٍ مَعرفية، ولا يمكن للعارف ان يَخطو أول خطواته وهو خالٍ من التعليم البَشري، والكَشف لا يَتم إلّا بتحصيله اعتماداً على العَقل والحواس. فالعقل البرهاني يعلو على كل الحواس الإدراكية وبيده زمام ‏القيادة.

وروى الصدوق مسنداً عن أبي المعتمر مسلم بن أوس قال: حضرت مجلس علي (ع) في جامع الكوفة. فقام إليه رجل مصفر اللون ـ كأنه من متهودة اليمن ـ فقال: يا أمير المؤمنين، صف لنا خالقك وانعته لنا كأنا نراه وننظر إليه، فسبَّح علي (ع) ربَّه وعظّمه (عزّ وجلّ) وقال: «… ولا تدركه الأبصار، ولا تحيط به الأفكار، ولا تقدره العقول، ولا تقع عليه الأوهام، فكلما قدره عقل أو عرف له مثل، فهو محدود»(7).

من هنا تَبدأ مَسيرةُ السالك نَحو المعرفة والإدراك الحقيقي، إنّها صراعٌ نَحو الكمال والتّكامل بين القَلب والعَقل، المعتمد على صفاءِ وبصيرةِ النّفس وحضورها وكمالها واستعدادها للسّير نحو الجمال والكمال المُطلق فإن العناية الالهيّة، والفيوض الرَّحمانية لابُدّ منها قَبل وأثناء وبَعد المَسير، وبخلافه فقد يتراجع السّالك لِما قَد يُداخِله من شَكٍ أو تَردد أو عُجُب. وهذه الفُيُوض بِدَورها لا تُدرَك إلّا بوَسائط  وأبواب وهم المصطفى صلوات الله عليه وعلى آله، ومن بَعدِه أئِمّة الهُدى، قال الله تعالى:  “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ” [التوبة: 119]. فعن الحسن بن محبوب، عن عمرو بن أبي المقدام، عن جابر قال: «سمعت أبا جعفر (ع) يقول: إنّما يعرف الله (عزّ وجلّ) ويعبده من عرف الله وعرف إمامه منّا أهل البيت ومن لا يعرف الله (عزّ وجلّ) و[لا] يعرف الإمام منّا أهل البيت فإنّما يعرف ويعبد غير الله هكذا والله ضلالا»(8).

فَمَعرفة الإمام دَليل السّالك وَمَنهجه وشِعارَه نَحو إدراك أعلى مَراتِبَ المَعرفة القَلبيّة الوِجدانيّة، مَعرِفَتَهُم طاعةٌ وكمال، والجهل بهم تيه وَحَيرة وَضَلال. قال الله تعالى: “أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَىٰ ۖ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ” [يونس: 35]. وعن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله (ع): «الأوصياء هم أبواب الله (عزّ وجلّ) التي يؤتى منها ولولاهم ما عُرف الله (عزّ وجلّ) وبهم احتجّ الله تبارك وتعالى على خلقه»(9).

فالأوصياء هُم أبوابُ اللّه تعالى والأدلّاءَ على معرفَتِهِ وَبِهم يُتَقَرّبُ إلى الله، فَمَن أرادَ اللّه أتاه من أبوابه. ولأن اللّه (جلّ جلاله) أعلى مِنْ أن يُدركُه كل طالب وينالَ حقيقةَ معرفته كل سالك، فَمقامه أجَل مِن أن يَنظُر إليه كل شاهد، وَلولا وسائطُ الفيض الإلهي لَمَا سارَ في دَرب مَعرفَة اللّه أحد وَلَما أدرَك فيوضاته عارف، وَلَبَقيت الناس تعيش حَيرة الضّلالة وتيه الجَهالة.

ولا بد للسالك من مرتبة اليقظة والتوبة، فيرجع إلى الذات، حَيث يبدأ بالإنتقال من الغفلة إلى التوبة ويبدأ المسير نحو الله تعالى. واليقظةُ نورٌ يُلقيه اللّه تَعإلى على قَلبِ السالك فَيَصحو مَن مِيتَة القُلوب، قال الله تعالى: أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ[الأنعام:122]، وعن أمير المؤمنين علي (ع) أنّه قال: «ويل لمن غلبت عليه الغفلة، فنسي الرحلة ولم يستعد»(10).

ونور اليقظة، نعمة ربّانية تُزيل ظُلمَة الجَّهل وتُنير القُلوب وتُثير الشَّوق نَحو مَنبَع النّور لا يَنالها إلّا مَن أناب إلى الله. والمعرفة هي سَبب اليّقظة، وبالمقابل فإنّ اليقظةَ هِيَ الطريق نَحو التَّكامل في المَعرفة.

وللسالك مَقام أرفع هو مقام الإيمان وهو تَثبيت الحقائق العلمية في النَّفس الإنسانية ولتكون الجَوارح عاملة بمقتضاها. ثُمّ يبدأ مقام الطمأنينة وفيه يَثْبُتُ الإيمان بأكملِ دَرَجاته في القّلب.

وَمَقام الرَّضا حينما يَبلُغ إلى أعلى مراتب التوبة والورع والإخلاص فتَرتَقي عندها نَفْسه من مرتبة النّفس المُطمئنة إلى أعلى مراتبها وهي النّفس المّرضية، وَهو الرّضا بربوبية اللّه وبما قَضى وقَدّر ثم الرّضا برضا اللّه تعالى وهِيَ أعلى مَراتب الرضا. ثم يبدأ مقام التَّسليم ليعيش السالك كمال الطاعة والقبول والتّسليم لما يريده الحق تعالى، والتّسليم للحال التي تسيطر على السالك أثناء سَيره وسلوكه فيقبل بها وإن عَجَزت العقول عن إدراكها. ثم المقام الأخير وهو مقام التّوحيد والذي يَصِل فيه العارِف إلى مَرتبة إثبات وَحدانية واجِب الوجود. وللتوحيد مَراتب لا يَسَع المَقام لذكرها جميعاً. يقول الإمام الحُسين (ع) في دعاء عرفة: «إلهي تَرَددي في الآثار يُوجبُ بُعْدَ الْمَزار فَاجْمَعْني عَلَيْكَ بخدْمَةٍ تُوصلُني إلَيْكَ كَيْفَ يُسْتَدَل عَلَيْكَ بما هُوَ في وُجُوده مُفْتَقرٌ إلَيْكَ أيكُونُ لغَيْركَ منَ الظهُور ما لَيْسَ لَكَ حَتى يَكُونَ هُوَ الْمُظْهرَ لَكَ مَتى غبْتَ حَتى تَحْتاجَ إلى دَليلٍ يَدُل عَليْكَ وَمَتى بَعُدْتَ حَتى تَكُونَ الآثارُ هي التي تُوصلُ الَيْكَ عَميَتْ عَيْنٌ لا تَراكَ عَلَيْه رَقيباً وَخَسرَتْ صَفْقَةُ عَبْدٍ لَمْ تَجْعَلْ لَهُ منْ حُبكَ نَصيباً»(11).


المراجع:

(1) نهج البلاغة: 1/14.

(2) الكافي: 8/247.

(3) رواه الكليني في الكافي ج٢ ص٢٢٦ باب المؤمن وعلاماته وصفاته مع اختلاف.

(4) المقدمة لابن خلدون ص 460.

(5)  المنقذ من الضلال، أبو حامد الغزالي ص22.

(6) بحار الأنوار، ج91، ص98، باب 32: أدعية المناجاة، المناجاة الشعبانيّة.

(7) الكافي للشيخ الكليني ج1/ ص137.

(8) الكافي للشيخ الكليني ج1 /ص 181.

(9) الكافي للشيخ الكليني ج1 /ص 193.

(10) الكافي للشيخ الكليني ج1/ ص137.

(11) إقبال الأعمال، ص 348 ـ 349.

إغلاق