واحة الأدب

مساحة لغة

247-248

بقلم: د. يحيى الشامي

 

إطلاق الجمع والمُراد الواحد أو الاثنان

ويلحق بالباب الذي هو إطلاق الواحد والمُراد به الجمع، باب آخر، وهو باب إطلاق الجمع والمُراد به الواحد والاثنان، وإنّ منه ما يلي، لا على سبيل الحصر، بل على سبيل المثال قوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ” (سورة الحجرات،٢)

إذ إنّ ظاهر الكلام يدل على أنّ المنادى جمع ،وهو المؤمنون ،في حين أنّ المُراد واحد، وهو ثابت بن قيس بن شمّاس، كما جاء في أسباب النزول لبعض الآيات. وكان ثابت بن قيس هذا رفيع الصوت، فلمّا نزلت الآية قال أنا الذي كنت أرفع صوتي وأجهر بالقول على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، حَبِطَ عملي إذاً وأنا من أهل النار. فلما جلس في بيته حزيناً أتى بعضهم النبي (صلى الله عليه وآله) فأخبروه بذلك. فقال لهم:” لا بل هو من أهل الجنة” فلما كان يوم اليمامة قُتِل[1].

وإنّ منه -أي من ذِكر الجمع والمُراد اثنان أو اثنتان- ما جاء في الذكر الحكيم من قوله تعالى- والخطاب موجّه لكلٍّ من عائشة وحفصة زوجتَي النبي (صلى الله عليه وآله)-:“إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ”(سورة التحريم، ٤)

إذاً لقد عُبّر في هذه الآية عن المثنّى بالجمع الذي هو “القلوب” وذلك كراهةً للجمع بين الثنتين، فاكتفى بتثنية المُضاف إليه الذي هو الضمير ” كُما” على أنّه يمكن القول بأنّ هذا الأسلوب من الخطاب الموجَّه للجمع والمُراد به اثنان هو في أنَّ في هذا الكلام إشارة إلى أنّ كلّ جزء من البدن صغى، أي مال عمّا يرضي النبي (صلى الله عليه وآله) إلى ما يُسخِطُه، فكأنّ أجزاء البدن كلها قلوب.[2]

ونظير ذلك أيضاً ما جاء على لسان الهدهد في قوله تعالى: “وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ “(سورة النمل، ٣٥).

ذلك أنّ لفظة ” المرسلون” في هذه الآية- وهي جمع- لا تُفيد الجمع، بل تُفيد المفرد الذي هو الهدهد حامل الكتاب الذي كان بعث به سليمان النبي (عليه السلام) إلى بلقيس ملكة سبأ لما قال سليمان: “اذْهَبْ بِكِتَابِي هَٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ”(سورة النمل، ٢٨).


المصادر:

[1] تفسير الميزان ٣١٧/١٨.

[2] تفسير شبر، ص ٥٦٠.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق