عقيدة

الملك العظيم في سلطان محمد وآله الطاهرين (الحلقة الثانية)

249-250

بقلم: السيد محمد رضا شرف الدين

 

المقصد الثالث: في سلطنة أشرف خلق الله وخلفائه محمد وآل محمد صلى الله عليه وآله

 

  • هم أشرف مخلوقات الله تعالى بل المُمكِن الأشرف على الإطلاق، مما يعني أنَّ الله تقدّست أسماؤه منذ أزل الآزال إلى أبد الآباد لم ولن يخلق ما ومَن هو اعظم منهم؛ فهم تحفة خلقه، وأرقى وأجلّ بدائع صنعه التي تتجلّى فيه صفاته جلالاً وجمالاً.

أرأيتَ صانعاً يريد أن يُظهِرَ مهارته ويحبّ أن تُعرَفَ صفاتُهُ بآثاره ثم يقتصِرُ على ما هو دون ما يقدِر عليه ويُحجِمُ عمّا يتقنه من صنيعة؟!

أرأيتّ إن كان الفاعل تاماً في فاعليّته والقابلُ تامّاً في قابليّته والمانع مفقوداً، مع أنَّ الحكمة تقتضي وضع الشيء في موضعه، وهو إفاضة الوجود على الممكِن المستعدِّ، يرضى بأدنى من ذلك؟!

أرأيتَ جواداً يمنع سَيبَ جوده عمّن يستأهله، وهو الذي لا تنفد خزائنه، ولا تزيده كثرة العطاء إلا جوداً وكرماً، فأيُّ وجهٍ بعد هذا يبقى لادّخار الفيض، وهو الجواد الواسع الذي “ليس لقضائه دافع، ولا لعطائه مانع، ولا كصنعه صنعُ صانع، وهو الجواد الواسع، فطرَ أجناس البدائع، وأتقن بحكمته الصنائع”[1]؟!

  • وهم المثل الأعلى الذي ضربه الله تعالى لخلقه {لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }(النحل:60).
  • عن عبد الله بن عباس قال: قام رسول الله (صلى الله عليه وآله) فينا خطيباً فقال في آخر خطبته: “جمع الله عز وجل لنا عشر خصال لم يجمعها لأحد قبلنا ولا تكون في أحد غيرنا: فينا الحكم والحلم والعلم والنبوة والسماحة والشجاعة والقصد والصدق والطهور والعفاف. ونحن كلمة التقوى، وسبيل الهدى، والمثل الأعلى، والحُجَّة العظمى، والعروة الوثقى والحبل المتين، ونحن الذين أمر الله لنا بالمودّة فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تُصرَفون”.[2]
  • روى الصدوق في الأمالي مسنِداً عن الأصبغ بن نباتة، قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام):” أنا خليفة رسول الله ووزيره ووارثه، أنا أخو رسول الله ووصيّه وحبيبه، أنا صفيُّ رسول الله وصاحبه، أنا ابن عم رسول الله وزوج ابنته وأبو وُلده، أنا سيد الوصيين ووصي سيد النبيين، أنا الحجة العظمى والآية الكبرى والمَثَل الأعلى وباب النبي المصطفى، أنا العروة الوثقى، وكلمة التقوى، وأمين الله تعالى ذكره على أهل الدنيا”[3]
  • روى الشيخ الصدوق بإسناده عن ياسر الخادم، عن الرضا، عن آبائه(عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام):” يا علي! أنت حجة الله، وأنت باب الله، وأنت الطريق إلى الله، وأنت النبأ العظيم، وأنت الصراط المستقيم، وأنت المثل الأعلى”.[4]

ومثله في غير واحدٍ من الأخبار التي تعضده.

  • فهم أصحاب الخلافة العظمى لله تعالى، وما يقتضيه مقام الخلافة الإلهية من كمال ويستلزمه من خضوع المخلوقات الذي تجلّى في أمر الله تعالى الملائكة بالسجود لآدم على نبينا وآله وعليه السلام، فكيف بمن كان نبياً وآدم بين الماء والطين كما ورد في مصادر الفريقين بأسانيد فيها الصحيح وإن حاول بعض من عَظُمَت عليه هذه الفضيلة أن يطعن فيها.
  • وهم العلّة الغائية من خِلقة الخلق ،أي أنّ الله تعالى خَلَقَ الخلق لأجلِهم، ولولاهم لما خلقها كما دلّت عليه الأحاديث الشريفة معتضدةً بشواهدها عند الفريقين.

أمّا خصوص رسول الله (صلى الله عليه وآله) فتسالمَ أعلام العامة على هذا المعنى في حقه تبعاً لِما ورد في الأحاديث -وفيها الصحاح- ولم ينفِهِ إلا فئة مارقة. ومن له حظ من العلم يقف على لوازم هذه الحقيقة، إذ إنَّ العلّة الغائية جزء العلّة التامة التي لولاها لما كان المعلول.

  • وبعد هذا كلّه لك أن تنظر إلى ما أخرجه ثقة الإسلام الكليني، في باب (ما أعطي الائمة عليهم السلام من اسم الله الأعظم) من الكافي بإسناده عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: “إنَّ اسم الله الأعظم على ثلاثة وسبعين حرفاً وإنّما كان عند آصف منها حرف واحد فتكلّم به فخسف بالأرض ما بينه وبين سرير بلقيس حتى تناول السرير بيده ثم عادت الأرض كما كانت أسرع من طرفة عين ،ونحن عندنا من الاسم الأعظم اثنان وسبعون حرفاً، وحرفٌ واحدٌ عند الله تعالى استأثر به في علم الغيب عنده، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم”.[5]
  • وما أخرجه الثقة الجليل والمحدِّث النبيل شيخ القميين أبو جعفر محمد بن الحسن بن فروخ “الصفار” المتوفى سنة ٢٩٠، من أصحاب الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) في بصائر الدرجات ضمن أبواب عديدة.
  • ناهيك عن المتواترات من الأخبار الهاتفة بكراماتهم وتصرّفاتهم في عالم الجماد والحيوان والإنسان والجانّ والمَلَك، مضافاً إلى حكمهم يوم التنادِ في الحشر والنشر والصراط والحوض وسائر منازل المعاد.
بيانات المُلكِ العظيم:

وعندها تدرك مغزى ما ورد في النصوص التالية:

1- الخطبة الغديرية التي رواها شيخ الطائفة الطوسي عن الرضا (صلوات الله عليه عن آبائه) عن أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):

“… وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، استخلَصَه في القِدَم على سائر الأمم على علمٍ منه، انفرد عن التشاكل والتماثل من أبناء الجنس، وانتجبه آمراً وناهياً عنه، أقامه في سائر عالَمه في الأداء مقامَه، إذ كان لا تدركه الأبصار ولا تحويه خواطر الأفكار ولا تمثِّله غوامض الظُنَن  في الأسرار، لا إله إلا هو الملك الجبار، قَرَن الاعتراف بنبوته بالاعتراف بلاهوتيَّته، واختصَّه من تكرُمَتِه بما لم يلحقه فيه أحد من بريَّته، فهو أهل ذلك بخاصّته وخِلَّته، إذ لا يختص مَن يشوبه التغيير، ولا يخالِل مَن يلحقه التظنين، وأمَرَ بالصلاة عليه مزيداً في تَكرُمَتِه، وطريقاً للداعي إلى إجابته، فصلّى الله عليه، وكَرَّمَ وشَرَّفَ وعَظَّمَ مزيداً لا يلحقه التنفيد ، ولا ينقطع على التأبيد .

وأن الله تعالى اختص لنفسه بعد نبيَّه صلّى الله عليه وآله مِن بريته خاصَّةً عَلّاهم بتعلِيَته ،وسما بهم إلى رتبته، وجعلهم الدعاة بالحق إليه، والأدلّاء بالإرشاد عليه، لقرن قرن وزمن زمن، أنشأهم في القِدَم قبل كل مذروٍّ ومبروٍّ أنواراً أنطقها بتحميده، وألهمها شكره وتمجيده، وجعلها الحجج على كلِّ معترِفٍ له بمَلَكةِ الربوبية وسلطان العبودية، واستنطق بها الخرسات بأنواع اللغات بخوعاً له ، فإنه  فاطر الأرضين والسماوات، وأشهدهم خلقه وولّاهم  ما شاء من أمره، جعلهم تراجم مشيَّته وألسُنَ إرادته، عبيداً لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون{يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ }(الأنبياء28)…”[6]

2-ما ورد عن الصادق (عليه السلام) في الزيارة الشريفة التي أخرجها الكليني في الكافي، وابن قولويه في كامل الزيارات ،والصدوق في الفقيه جازماً بالنسبة ،معقِّباً عليها بأنّها أصحّ الزيارات، والطوسي في التهذيب:

“وبكم فتح الله وبكم يختم [الله] وبكم يمحو ما يشاء وبكم يثبّت وبكم يفكّ الذلّ من رقابنا وبكم يدرك الله تِرّة كلّ مؤمن يطلب بها ،وبكم تُنبِتُ الأرض أشجارها، وبكم تُخرِجُ الأشجار أثمارها، وبكم تُنزِلُ السماء قطرها ورزقها.

بكم يكشف الله الكرب ،وبكم يُنزِلُ الله الغيث ،وبكم تسيخ الأرض التي تحمل أبدانكم، وتستقرّ جبالها عن مراسيها .

إرادة الرّب في مقادير أموره تهبط إليكم وتصدر من بيوتكم، والصادر عما فصل من أحكام العباد..”[7]

3-التوقيع الشريف للناحية المقدَّسة:

“بسم الله الرحمن الرحيم، لا لأمر الله تعقلون، ولا من أوليائه تقبلون، حكمة بالغة عن قوم لا يؤمنون، والسلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.

فإذا أردتم التوجه بنا إلى الله تعالى وإلينا، فقولوا كما قال الله تعالى:(سلام على آل يس) ذلك هو الفضل المبين، والله ذو الفضل العظيم، لمن يهديه صراطه المستقيم.

التوجه:

قد آتاكم الله يا آل يس خلافته وعلم مجاري أمره، فيما قضاه ودبّره، وأراده في ملكوته، وكشف لكم الغطاء، وأنتم خزنته وشهداؤه، وعلماؤه وأمناؤه، وساسة العباد وأركان البلاد، وقُضاة الأحكام، وأبواب الإيمان.

ومن تقديره منائح العطاء بكم إنفاذه محتوماً مقروناً، فما شيء منه إلا وأنتم له السبب وإليه السبيل..”[8]

4-ما ورد في الزيارة الجامعة الكبيرة’ المروية عن أبي الحسن الهادي (عليهما السلام):” … بكم فتح الله وبكم يختم ، وبكم ينزل الغيث، وبكم يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه ، وبكم ينفِّس الهم ويكشف الضر، وعندكم ما نزلت به رسله، وهبطت به ملائكته، وإلى جدكم بُعِثَ الروح الأمين …آتاكم الله ما لم يؤتِ أحداً من العالمين، طأطأ كل شريف لشرفكم، وبخع كل متكبر لطاعتكم ، وخضع كل جبار لفضلكم، وذلَّ كلُّ شيء لكم، وأشرقت الأرض بنوركم ، وفاز الفائزون بولايتكم…”[9]

5-ما رواه الصدوق بإسناده عن الصادق عن أبيه عن علي بن الحسين (عليهم السلام):

“نحن أئمة المسلمين وحجج الله على العالمين، وسادة المؤمنين وقادة الغرّ المُحَجَّلين، وموالي المؤمنين، ونحن أمان أهل الأرض كما أنّ النجوم أمان لأهل السماء، ونحن الذين بنا يمسك الله السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، وبنا يمسك الأرض أن تميد بأهلها ،وبنا ينزل الغيث ،وتنشر الرحمة، وتخرج بركات الأرض، ولولا ما في الأرض منّا لساخت بأهلها”.[10]

سلطان علم الكتاب والقرآن:

إنّ خضوع الكون لنظام متشابك من العلاقات بين أسباب ومسبِّبات ممّا لا يدنو منه شكّ ولا يعروه ارتياب عند أولي البصائر والألباب.

وما طواه الإنسان من رحلة مُضنِيَة عبر الأزمان إلى عصرنا تكرَّست في مسيرة استكشافه لتلك العلاقات، ولولا ذلك لما وصل إلى فتوحاته العلمية التي تحكَّم من خلالها بمجريات الطبيعة، فدفع عن نفسه كثيراً من أخطارها ، وجَيَّر لمصلحته المزيد من منافعها رخاءً زيّن به عيشه حتى قرّب البعيد وأبعد القريب وطوى المسافات وصنع الأعاجيب ورقى إلى الفضاء واستمطر السماء واستصلح البوار وتفنَّن في الأثمار إلى ما يعسر إحصاوه ويشقّ عدُّه.

وينطوي هذا الكون على أسرار تَدهَشُ لها العقول وتطيش الألباب، فكم من طاقة هائلة كانت مودَعة في ذرّات لا يلحظها البصر اهتدى إليها البشر فشطرها وأطلق مخزونها المكنون، فكانت الطاقة النووية المستثمَرة في شتّى المجالات من ترسانة الموت والدمار الشامل إلى أداة الحياة في حقل العلاجات الطبية المتقدِّمة.

وما زال الإنسان يرسِل طائر خياله إلى أفقٍ رحب يتطلّع إلى المزيد، يحدوه نَهَم المعرفة وشراهة الاستكشاف، يُمنّي نفسه اختراق الأفلاك وإحياء الأموات أو دفع الشيخوخة أو الموت عن نفسه.

ومنذ فَتَح عينيه “ألبرت اينشتاين” بنظريته على حلم غريب ما انفكّت تختمر في فِكره فكرة السفر عبر الزمن إلى الماضي والمستقبل.

إنَّ الخيال العلمي هو جزء من واقع كان كذلك أمس فاستحال حقيقةً ملموسةً اليوم ،وقد يلتحق بها غداً بعض ما نصنِّفه اليوم خيالاً.

أترى لو بلغ أسلافنا الأوَّلين خبرُ ما نستعمله في حياتنا اليوميّة ،ويلهو به أطفالنا من آلات وأدوات دون اكتراث هل كانوا به مصدِّقين؟! أم يحكمون على قائله بالكذب أو الجنون؟!

إنَّ كلّ تلك الأعاجيب العلمية الجبّارة حازها الإنسان العادي بإقدار إلهي ضمن الإطار الطبيعي العام من خلال سلطان العِلم المتراكم.

“اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَم الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى” (سورة العلق: 1-7)

سلطان العلم الذي كانت له الصدارة في قاموسنا الديني ونصوصنا المقدَّسة.

العلم بالكتاب والقرآن:

وإذ نقصد من بحثنا هذا استخلاص ما يتحصّل من الأدلة في ملكهم صلوات الله عليهم، فلن نخوض غِمار تحقيق معنى الكتاب ومحتواه، والقرآن ومدارجه الوجودية، وتحديد حقيقتهما وحدةً وتغايراً ، بل نقتصر على ما يتعلّق بالمقام.

فنقول: لا ريب في دلالة هذين المصطلحين على الدستور التشريعي والمرجع المعرفي الوحياني، وهو القدر المتيقَّن لدى كلِّ مسلم . وحيث إنّ ثبوته لا ينفي ما عداه، فإنّ الاقتصار عليه ونفي ما سواه برفع اليد عن دلالة جملة ممّا جاء في الكتاب الكريم والحديث الشريف وارتكاب التأويل فيه مجانَبة للإنصاف وسلوك في متاهة الاعتساف.

فلو وقفنا بين يدي قوله تعالى: “وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ” (الأنعام: 38)

لوجدنا الكتاب موصوفا في عقد السلب بعدم تفويته لشيء.

ولو أمعنّا النظر في دلالة (شيء) المنكَّرة في سياق النفي -مع كونها أوسع المفاهيم وأشملها- لظهر كون الكتاب الموصوف هنا هو ما يحمل بين دفّتيه ما يتعلّق بكلّ كائن كان ويكون وأمكَنَ أن يكون، وما لا يكون أن لو كان كيف يكون.

ويلتقي ذلك مع قوله جلَّ جلاله: وَمَا مِنْ غَآئِبَةٍ فِى ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ إِلَّا فِى كِتَٰبٍ مُّبِينٍ” (النمل: 75)

وقوله تقدس اسمه: “إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَاثَٰرَهُمْ وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَٰهُ فِىٓ إِمَامٍ مُّبِينٍ” (يس:12)

وقوله جل ثناؤه وجَمَّت آلاؤه : وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ” (النحل:89)

لنعطف بعدها على قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ بَل لِّلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا” (الرعد:31)

واضمم إليه ما ورد في أحاديث كثيرة رواها الفريقان من خواصّ مادية ومعنوية ودنيوية وأخروية لسوَره وآياته أُفرِدَت لها المصنّفات.

والحاصل أنّه -مضافاً للمعارف والتشريع- يكون مشتملاً على خارطة شاملة لإقليم الوجود برمّته، كاشفاً لشبكة العلاقات المعقّدة الحاكمة على دائرة الكائنات بحيث تخوِّل من يؤتيه الله تعالى ذلك التصرّف في مكوِّناتها بإذنه.

ثم إنَّ هذا الكتاب وهذا القرآن بتلك الخصائص أوتي بأجمعه محمدا ًثم ورَّثه آله صلى الله عليه وآله كما جاء في قوله تعالى:

1-وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا  قُلْ كَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ” (الرعد: 43).

وقد روى الفريقان بأسانيدهم أنّه علي (صلوات الله عليه) دون معارض مرفوع إلى معصوم، ومن زَعَمَ التعارض أو شكَّك فيه وأراد التحقيق فليرجع إلى ما أفاده أخونا الكبير سماحة آية الله السيد علي أبو الحسن في كتابه (سبعون آية في آل محمد صلى الله عليه وآله).

وروينا الكثير مما يدلّ على اشتراك أبنائه المعصومين في ذلك، منها:

ما روي عن بريد بن معاوية قال:

قلت لأبي جعفر (عليه السلام): ” قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ “؟

قال: “إيانا عنى، وعلي أولنا وأفضلنا وخيرنا بعد النبي صلى الله عليه وآله.”[11]

2-“ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا” (فاطر:32)

وقد وردت الأحاديث من طرق كثيرة بما لا يبعد تحصيل تواتره كون المعنيين به هم آل محمد (صلى الله عليه وآله) وسيأتي طرف منها إن شاء الله تعالى.

3-“بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ “(العنكبوت:49)، بل هم الراسخون فِي الْعِلم وهم الذين

يعلمون {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} بل جدهم هو مدينة العلم وعلي بابها وهم ورثةُ ذلك العلم.

ولنذكر بما تقدم من قوله تعالى:“قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ” (النمل:40)، فيلتئم المعنى ويظهر الربط بين وصفه وفعله.

ونذكّر بما ورد من أحاديث العلم بحروف اسم الله الأعظم وكون المعاجز الجارية إنّما كانت به.

ولمّا كانت سلطنة الذي عنده عِلم من الكتاب هذه فما حال من عنده علم الكتاب كلّه ؟!

وتلك المقاربة وردت في جملة من الأحاديث الشريفة منها:

ما أخرجه الكليني في الكافي بإسناده عن سدير قال: كنت أنا وأبو بصير ويحيى البزاز وداود بن كثير في مجلس أبي عبد الله عليه السلام إذ خرج إلينا وهو مغضَب، فلما أخذ مجلسه قال: “يا عجباً لأقوام يزعمون أنّا نعلم الغيب، ما يعلم الغيب إلا الله عز وجل، لقد هممت بضرب جاريتي فلانة، فهربت مني فما علمت في أي بيوت الدار هي .

قال سدير: فلما أن قام من مجلسه وصار في منزله دخلت أنا وأبو بصير ومُيَسَّر وقلنا له: جعلنا فداك سمعناك وأنت تقول كذا وكذا في أمر جاريتك ونحن نعلم أنك تعلم علماً كثيراً ولا ننسبك إلى علم الغيب.

قال: فقال: يا سدير: ألم تقرأ القرآن؟!

قلت: بلى.

قال: فهل وجدت فيما قرأت من كتاب الله عز وجل: قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ” ؟

قال: قلت: جعلت فداك قد قرأته.

قال: فهل عرفت الرجل؟ وهل علمت ما كان عنده من علم الكتاب؟

قال: قلت: أخبرني به.

قال: قدر قطرة من الماء في البحر الأخضر فما يكون ذلك من علم الكتاب؟!

قال: قلت جُعِلتُ فداك ما أقل هذا !

فقال: يا سدير: ما أكثر هذا، أن ينسبه الله عز وجل  إلى العلم الذي أخبرك به.

يا سدير، فهل وجدت فيما قرأت من كتاب الله عز وجل أيضا:  ” قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ “؟

قال: قلت: قد قرأتُه ،جُعِلتُ فداك.

قال: أفمن عنده علم الكتاب كله أفهم أم من عنده علم الكتاب بعضه؟

قلت: لا، بل من عنده علم الكتاب كله.

قال: فأومأ بيده إلى صدره وقال: علم الكتاب والله كله عندنا، علم الكتاب والله كله عندنا”.[12]

هذا في الكتاب وعِلم الكتاب.

وأمّا القرآن فأضِف إلى ما تقدَّم رواية أبي يعلى بإسناده عن الزبير بن العوام:

لما نَزَلَت (أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) صاح رَسولُ الله (صلى الله علَيْهِ وآله وَسَلَمَ) على أبي قُبَيس: يا آل عبد مناف إنّي نذير لكم، فجاءته قريش فحذّرهم وأنذرهم . فقالوا: تزعم أنّك نبيٌّ يوحى إليك وأنّ سليمان سخَّر له الريح والجبال، وأنَّ موسى سخَّر له البحر، وأنَّ عيسى كان يُحيي الموتى . فادعُ الله أن يسيّر عنّا هذه الجبال، ويفجِّر لنا أنهاراً فنتّخذها محارث، فنزرع ونأكل، وإلّا فادعُ الله أن يحييَ لنا موتانا، وإلّا فادعُ الله أن يصيّر هذه الصخرة التي تحتك ذهباً فننحت منها وتغنينا عن رحلة الشتاء والصيف، فإنّك تزعم أنّك كهيئتهم، فبينما نحن حوله إذ نزل عليه الوحي، فلمّا سُرّي عنه قال: والذي نفسي بيده لقد أعطاني ما سألتم، ولو شئتُ لكان، ولكنّه خيّرني بين أن تدخلوا باب الرحمة فيؤمن مؤمنكم، وبين أن يَكِلَكُم إلى ما اخترتم لأنفسكم فتضلّوا عن باب الرحمة ولا يؤمن مؤمنكم، فاخترت باب الرحمة فيؤمن مؤمنكم ، وأخبرني: إن أعطاكم ذلك ثم كفرتم أنّه معذِّبكم عذاباً لا يعذِّبه أحداً من العالمين، فنَزَلت:” وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ” (الاسراء:59) حتى قرأ ثلاث آياتٍ، ونزلت:“ولو أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ”(الرعد:31). [13]

وأخرجه الحافظ ابن حجر في “المطالب العالية”، فضمّ إليه قوله (صلى الله عليه وآله) علي مع القرآن والقرآن مع علي؛ فما من حضور لأحدهما دون الآخر ولن يفترقا حتى يردا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) الحوض.

وما أخرجه الكليني بإسناده عن إبراهيم عن أبيه عن أبي الحسن الأول (عليه السلام) قال: قلتُ له: جُعِلت فداك! أخبرني عن النبى (صلى الله عليه وآله) ورث النبيين كلّهم؟

قال: نعم.

قلتُ: من لدن آدم حتى انتهى إلى نفسه؟

قال: ما بعث الله نبياً إلا ومحمد صلى الله عليه وآله أعلم منه.

قال: قلت: إنّ عيسى ابن مريم كان يحيى الموتى بإذن الله .

قال: صَدَقت، وسليمان بن داود كان يفهم منطق الطير، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يقدر على هذه المنازل.

قال: فقال: إنّ سليمان بن داود قال للهدهد حين فقده وشكَّ في أمره ” فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ ” حين فقده، فغضب عليه.

فقال: ” َأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ” ،وإنّما غضب لأنّه كان يدلّه على الماء، فهذا – وهو طائر – قد أُعطي ما لم يُعطَ سليمان، وقد كانت الريح والنمل والإنس والجن والشياطين [و] المَردة له طائعين، ولم يكن يعرف الماء تحت الهواء؛ وكان الطير يعرفه وإن الله يقول في كتابه: ” وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى” (الرعد:31)، وقد ورثنا نحن هذا القرآن الذي فيه ما تُسيَّر به الجبال وتُقطّع به البلدان، وتُحيى به الموتى ونحن نعرف الماء تحت الهواء ،وإنَّ في كتاب الله لآيات ما يُراد بها أمر إلا أن يأذن الله به مع ما قد يأذن الله ممّا كتبه الماضون، جعله الله لنا في أم الكتاب، إنَّ الله يقول: “وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ” (النمل،75) ثم قال: “ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا” (فاطر،32)، فنحن الذين اصطفانا الله عزَّ وجلَّ وأورثنا هذا الذي فيه تبيان كلِّ شيء”.[14]

الحصاد:

1-لمّا كان السلطان الحاكم هو العلم الشامل لكلِّ شيء المتضمِّن لخصوصيات الكائنات وما بينها من علاقات.

2-وكان قد أُتيح للإنسان من خلال التراكم التجربي أن يهتدي إلى شيء منه وما زال الباب مفتوحاً بحيث ننتظر كلَّ يوم أعجوبة علمية تُزَفّ إلى البشرية حتى أصبحنا لا ننكر شيئاً من تلكم الأخبار التي تتناقلها وكالات الأنباء عن مراكز الدراسات على غرابتها .

3-وكنا نعتقد أنّ الله تعالى محيط بكلِّ تلك الخصوصيات وهو مسبِّب أسبابها.

فهل يليق بنا أن نتوقَّف بعد هذا كلّه في أن يؤتيها لصفوة أوليائه المنتجبين أو نستعظم ذلك فنجنح لإنكاره ؟!

{اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} (العلق:3-5)


المصادر:

[1] من دعاء سيد الشهداء عليه السلام يوم عَرَفة؛ إقبال الأعمال؛ج2؛ ص74.

[2] الصدوق؛ الخصال؛ ص432.

[3] الصدوق؛ الأمالي؛ ص92

[4] الصدوق؛ عيون أخبار الرضا عليه السلام ص١٨١

[5] الكليني؛ الكافي؛ ج ١ ص ٢٣٠

[6] الطوسي؛ مصباح المتهجِّد؛ص753.

[7] الكليني؛ الكافي؛ ج4؛ ص577\ ابن قولويه؛ كامل الزيارات؛ ص366\ الصدوق؛ مَن لا يحضره الفقيه؛ ج2؛ ص596\ الطوسي؛ تهذيب الأحكام؛ ج6؛ ص55.

[8] ابن المشهدي؛ المزار؛ ص567.

[9] الصدوق؛ مَن لا يحضره الفقيه؛ج2؛ ص616.

[10] الصدوق؛ كمال الدين وتمام النعمة؛ج1؛ ص235.

[11] الصفار؛ بصائر الدرجات؛ ص235.

[12] الكليني؛ الكافي؛ج1؛ ص257.

[13]مسند أبي يعلى؛ ج٢ ص40\41 ؛.

[14] الكليني؛ الكافي؛ج1؛ ص226.

إغلاق