الاستطلاع

المسلمون في ساحل العاج

249-250

 إعداد: فاطمة حسّان

 

تقع جمهورية ساحل العاج أو ” كوت ديفوار” – كما يُطلق عليها- في غرب إفريقيا، وتحدّها شرقاً غانا، وغرباً غينيا وليبيريا، وشمالاً مالي وبوركينا فاسو، وتطلُّ من الجنوب على خليج غينيا والمحيط الأطلسي.

ترجع تسميتها بهذا الاسم تاريخيّاً إلى طبيعة التجارة على سواحلها، حيث كان صيادو الأفيال يعهدون بأنياب الأفيال العاجية إلى التجّار الذين كانوا يستخدمون سواحلها لعرض منتجاتهم ذات القيمة العالية في أوروبا على التجار الأوروبيين.

تبلغ مساحة ساحل العاج 322.460 كلم2، وهي تحتفط بعلاقات سياسيّة واقتصاديّة جيّدة مع دول الجوار الإفريقي، وهي عضو في الاتحاد الإفريقي التابع للأمم المتحدة.

عاصمة البلاد الإدارية والسياسية هي مدينة “ياموسوكرو”، ولكن أكبر المدن وأشهرها من حيث النشاط الاقتصادي وعدد السكان هي مدينة “أبيدجان”، حيث إنّ موقع المدينة على السواحل الجنوبيّة للبلاد جعل منها مركزاً تجاريّاً هامّاً نظراً لطبيعة التجارة البحريّة التي تسيطر على الدولة.

يُعتبر فرنك غرب إفريقيا العملة الرسمية لدولة ساحل العاج وهي العملة المستخدمة في التعامل التجاري، وتم إصداره للمرة الأولى في عام 1945 م.

السكان، اللغة والدين

يبلغُ عددُ سكان ساحل العاج حوالي 24 مليون نسمة بحسب إحصائيات عام 2016 وهم ينتمون إلى العديد من المجموعات العرقية منها: أكان، أوغور، المانديرز الشماليون وعرقيات أخرى.

أمّا من حيث الديانة فهم يتوزعون على الشكل الآتي: 38% مسلمون، 32% مسيحيون، 11.9% معتقدات محلية، 16.7% لا دينيّون.

بازيليك ياموسوكرو

إنّ الفئة الأكبر من سكان ساحل العاج يتحدّثون باللغة الفرنسية، فقد تم اعتبارها لغةً رسميةً  للبلاد منذ الاحتلال الفرنسي حتى يومنا هذا، بينما نجد على صعيد آخر أنّ بعض سكان ساحل العاج لازالوا يتحدّثون اللغات المحلية والتي قد يصل عددها إلى 60 لغة ومنها: الديوليّة، والباوليية، ولغة دان، ولغة الأنين، ولغة السناريّة.

والجدير بالذكر، أنّ للغة العربيّة حضوراً تاريخياً في ساحل العاج، نشأ على يد قبائل الجولا والمالينكي، ونما ونضج واكتمل، وتمتدّ جذوره إلى تاريخ انتشار الإسلام في إمبراطورية غانا ثم إمبراطورية مالي.

الاقتصاد والزراعة:

يعتمد اقتصاد ساحل العاج بشكل كبير على السوق الحرّة والتجارة بين الدول، بالإضافة إلى الزراعة،؛ إذ تبلغ نسبة الزراعة في ساحل العاج حوالي 82% من إجمالي الدخل القومي للبلاد، ويعمل فيها حوالي 70% من إجمالي عدد السكان في ساحل العاج.

ويختصّ القسم الشمالي من البلاد بإنتاج الأرز والذرة والموز، بينما يُنتج القسم الجنوبي المطاط والكاكاو والبن. وتصنّف ساحل العاج الثالثة في إنتاج البن والخامسة في إنتاج الأناناس والموز، وتشكّل الأخشاب ثروة عظيمة تسهم بخُمس صادراتها.

اعتمد دخل البلاد قبل عام 1960م بشكلٍ شبه كلّي على تصدير البن والكاكاو. ومنذ ذلك الحين أصبحت جمهورية ساحل العاج تصِّدر مجموعة كبيرة ومتنوّعة من البضائع، و يُعد زيت النخيل حالياً مصدراً أساسياً لدخل البلاد.

وعلى الرغم من المحاولات التي بذلتها الحكومة، لتنويع مقومات الاقتصاد، إلا أنّه ما زال يعتمد اعتماداً كبيراً على الزراعة والأنشطة المتعلّقة بها، والتي تستوعب نحو ثلثي السكان. ويُعد البن والكاكاو والبترول أهم صادرات البلاد التي تؤمّن لها عائدات مالية؛ بالإضافة إلى إنتاجها الذهب.

أبرز المعالم:

مدينة “جراند بسام”: تضمّ مجموعة من القصور الباريسية الأنيقة، بالإضافة مجموعة من الشواطئ التي تجذب محبّي الأنشطة المائية بأنواعها.

بلدة مان: تنبثق من بين جبال (تورا) الضخمة، وتحيط بها مساحات خضراء شاسعة، من مزارع الخضروات و الكاكاو، بالإضافة إلى شلال “كاسكاد” المميز، وغابات الخيزران.

منتزه (تاي) الوطني: يعتبر واحداً من أهم المنتزهات المحمية في إفريقيا، فهو من المناطق المحمية المتبقية من الغابات المطيرة الغينية العليا، ويضمّ الأشجار الرطبة وحشائش السافانا، بالإضافة إلى مجموعة حيوانات نادرة.

منتزه (كوموي) الوطني: و له مكانةً خاصةً لدى السياح الباحثين عن جمال الطبيعة، حيث الغابات وحشائش السافانا المبهرة، والحيوانات بأنواعها المختلفة، وأشهرها قرود (كولبس)، وحيوان (البنغولين)، بالإضافة إلى النمور والأسود وغيرها من الحيوانات.

محمية جبل نيمبا الطبيعية

محمية جبل (نيمبا) الطبيعية: تمتلك محمية جبل (نيمبا) مجموعة من العناصر الطبيعية الخلابة، كموائل الغابات المطيرة والسهول، والحيوانات بأنواع وأشكال مختلفة.

 

 

تاريخ ساحل العاج:

كانت ساحل العاج في وقت من الأوقات عدَّة دويلات أسّستها مجموعات إفريقية مختلفة.

ففي عام 1483م، بدأ البحارة الفرنسيون بالتجارة مع الأفارقة في تلك المنطقة، لتتحوّل بعد ذلك تجارة الرقيق إلى التجارة الأهم في المنطقة.

وفي عام 1637م وصلت الحملات الفرنسية إلى تلك الأراضي.

وفي عام 1842م، اشترى الفرنسيون منطقة “جراند بسّام” ووضعوها تحت حمايتهم، كما عزّزت المعاهدات التي أبرمها الفرنسيون مع رؤساء القبائل الإفريقية من نفوذ الفرنسيين في هذه المنطقة، ما أدى إلى تحوّل المنطقة إلى مستعمرة فرنسية حتى عام 1895م.

وبعد الحرب العالمية الأولى بنى الفرنسيون الموانئ والسكك الحديدية، وعبّدوا الطرق، كما زرعوا البن وأشجار المطاط، وأنشأوا المراكز الطبية.

وفي عام 1932م، تحوّلت المستعمرة الفرنسية المعروفة باسم فولتا العليا (التي تسمّى حالياً بوركينا فاسو) إلى جزء من جمهورية ساحل العاج.

بعد الحرب العالمية الثانية، شرع الفرنسيون في تطوير المصادر الطبيعية في جمهورية ساحل العاج، وسرعان ما أصبحت هذه المستعمرة من أغنى مناطق غربي إفريقيا الفرنسية.

وفي عام 1946م، حوّل الفرنسيون منطقة ساحل العاج إلى مقاطعة داخل الاتحاد الفرنسي. وبموجب استفتاء جرى عام 1958 اقتصر الاشتراك فيه على الجالية الفرنسية، مُنحت جمهورية ساحل العاج الحكم الذاتي، وكانت تلك الجاليات بمثابة تنظيم يربط فرنسا الأم بمستعمراتها فيما وراء البحار.

وفي عام 1947م فصل الفرنسيون مستعمرة (فولتا العليا) عن ساحل العاج.

وفي عام 1959م، انضمت ساحل العاج إلى “داهومي” المعروفة حالياً باسم “بنين” وإلى “النيجر”، وكذلك إلى “بوركينا فاسو” لتشكِّل ما يُعرف باسم مجلس التحالف؛ وهو اتحاد فيدرالي غير محدَّد المعالم.

وفي السابع من آب / أغسطس عام 1960م، أُعلن استقلال ساحل العاج نهائياً، إلا أنّها أبقت على روابط اقتصادية وثيقة مع فرنسا.

شهدت جمهورية ساحل العاج بعد الاستقلال الكثير من النمو الاقتصادي، حيث أصبحت المُدن الرئيسية في البلاد أكثر ازدحاماً بالسكان الذين يبحثون عن العمل في وظائف الحكومة أو في القطاعات الصناعية، فقد ارتفع عدد سكان أبيدجان من 180,000 نسمة في عام 1960م إلى حوالي 1,900,000 نسمة في عام 1990م.

في عام 1983م صادق المجلس التشريعي على اقتراح بنقل عاصمة البلاد من أبيدجان إلى مدينة ياموسوكرو،  ولكن نظراً لعدم توافر الاعتمادات المالية الكافية ظلّت معظم دوائر الحكومة في مدينة أبيدجان.

ظلَّ “هوفيت بويجني” رئيساً لساحل العاج حتى وفاته عام 1993م فخلفه، بنصّ الدستور، رئيس المجلس الوطني “هنري كونان بيديه”.

وفي عام 1995م، انتخب “بيديه” رئيساً للبلاد بعد أن استبعد “الحسن وتارا” الذي كان يمثل الشمال المسلم و”لوران جباجيو” الذي كان يمثل الجنوب والغرب.

كما أطاح الجيش بقيادة “روبير جي”  بالرئيس “بيديه”، وتم إجراء انتخابات رئاسية في 22 نشرين الأول/أكتوبر 2000م، وأُعلن فوز “جي” بنسبة 52,72% وحلَّ “لوران جباجبو” ثانياً بنسبة 41,20%. رفض جباجبو نتيجة الانتخابات، وطلب من مؤيديه الخروج في مظاهرات اضطر على إثرها “جي” للهرب إلى دولة بنين، ليصبح بذلك جباجبو رئيساً للبلاد وطلب من “وتارا” المشاركة وحزبه في حكم البلاد.

حاول “جباجبو” احتواء الاحتقان المتزايد, فبدأ في اتخاذ بعض الخطوات نحو تحقيق المصالحة الوطنية، فعقد مؤتمر للمصالحة في يناير 2002م، وكان من أهم مخرجاته تشكيل حكومة جديدة، لكنّها كانت شكلية بسبب استبعاد الشماليين منها؛ لذا صارت الأوضاع مهيأة لحدوث انقلاب ثانٍ، وقد تحقَّق هذا الانقلاب في 19/9/2002م، وذلك بعد قرار “جباجبو” تسريح أكثر من 800 جندي و ضابط من الجيش (معظمهم من مسلمي الشمال), وهو ما دفع هؤلاء إلى الانقلاب عليه، ونجحوا في زمن قياسي بالسيطرة على نصف مساحة البلاد، واحتلوا أهم مدينتين، هما: “بواكيه”، و”كورجوهو” ذات الأغلبية المسلمة، وكانوا على وشك السيطرة على العاصمة “ياماسوكرو.”

وتوالت الحركات الانقلابية ضد “جباجيو”، وكثرت الجرائم بحق المسلمين، حتى قامت باريس بدعوة كل الفصائل للمصالحة في “ماركوسي” بفرنسا؛ حيث تم التوقيع على اتفاقية “ماركوسي” التي تنص على أن يحتفظ الرئيس “لوران جباجبو” بالكرسي الرئاسي إلى نهاية ولايته عام 2005م، وتشكيل حكومة وحدة وطنية يتولى المسلمون فيها رئاسة الوزراء ووزارة الداخلية ووزارة الدفاع، وتتولى التحضير للانتخابات الرئاسية عام 2005م. إلا أنَّ جباجبو لم ينفذ من الاتفاقية سوى استكمال فترة رئاسته، وقام بتعطيل الانتخابات الرئاسية بحجج مختلفة؛ حتى نوفمبر 2010، والتي فاز بها ” الحسن وتارا” وبذلك نصل إلى المحطة الفاصلة في مسار المسلمين بعد فوز وتارا في الانتخابات الرئاسية.

الإسلام والمسلمون في ساحل العاج

يشكِّل المسلمون في ساحل العاج نحو 38.6% من مجموع السكان البالغ نحو 24 مليون نسمة بحسب إحصائيات عام 2016، أي أنَّ عدد المسلمين يبلغ نحو 9 مليون نسمة.

معظمهم يتبعون مذهب الإمام مالك بن أنس، مع وجود انتشار للمذهب الحنبلي والشافعي، وهناك أيضا انتشار واسع للطرق الصوفية، حيث يوجد أربع طرق صوفية أهمها القادرية التي تأسَّست في القرن11 ميلادي، والتيجانية التي تأسَّست في القرن 18 ميلادي -وهي الأكثر شعبية- غير أن َّالطريقة القادرية منتشرة في الغرب والتيجانية في الشرق، والطريقتان الأخريان هما السنوسية القادمة من ليبيا و المرابطين، وهناك تواجد ملحوظ للجماعة الأحمدية.

ومن خلال الإطلاع على التقارير والدراسات، فإنَّ نجاح انتشار الإسلام بشكل عام يعود إلى عدَّة عوامل أهمها أنَّ تعاليم الدين الإسلامي قريبة من ثقافات الشعوب الأفريقية من عدَّة جوانب أبرزها تعدُّد الزوجات، وصلة الأرحام والتعاضد والتكاتف وغيرها، وكذلك لأنَّ الدين الإسلامي قد طُرِحَ بمفاهيم مبسَّطة عبر التجار الوافدين من مختلف أنحاء العالم الإسلامي.

نسجد ياموسوكرو
وصول الاسلام:

تعدَّدت طرق دخول الدين الإسلامي إلى هذا البلد، أبرزها طريق التجارة، فمع تنقلات التجار المسلمين ورحلاتهم المستمرة إلى غرب أفريقيا، ومن ثم توغل التجار جنوباً للحصول على العاج المُستخرج من أنياب الفيلة.

حيث لفتت صلاة المسلمين القبائل الوثنية، ما دفعهم للتعرّف على دينهم، الأمر الذي أدى إلى انتشار الإسلام.

ثم قدِم إلى ساحل العاج العديد من الدُّعاة والمتصوفين بهدف الدعوة للإسلام والابتعاد عن شهوات وملذّات الدنيا، فكان لهم أكبر الأثر في حثّ القبائل على التخلّي عن عاداتها الوثنية.

أمّا الحدث الأكبر الذي حوَّل ساحل العاج إلى الدين الإسلامي فقد كان عام 1025م حين اعتنق زعماء قبيلة “الماندينجو” الإسلام.

مسجد ” plateau”

ومن ثم توالت الممالك الإسلامية في غرب أفريقيا وساحل العاج وأهمها مملكة مالي التي اشتهر ملوكها برحلات الحج، ثم “صنغاي” و”كانم” و”برنو” وغيرها، واستمرت أعداد المسلمين بالازدياد.

وبسبب الطابع العلماني للدولة، فإنّ المعطيات الرسمية تتجنّب تصنيف المواطنين في ساحل العاج حسب الديانات، لذا لا يوجد إحصائيات دقيقة لعدد المسلمين ونسبتهم في ساحل العاج، حيث تقول بعض التقارير أنّ نسبتهم 38%  والبعض يقول أنّهم ما بين 40 إلى 50%، لكنّهم في الوقت نفسه يشكون من التهميش النسبي والإقصاء بشكل عام، رغم مرور قرابة ستين سنة على نهاية الاستعمار الفرنسي للبلاد وتكوين الدولة الحديثة القائمة على فكرة المواطنة.

المسلمون يقاومون:

على الرغم من المضايقات التي يتعرّض لها المسلمون، فإنّهم قاموا بإنشاء العديد من المدارس الإسلامية، واستعانوا بعلماء من غينيا المجاورة لتدريس العلوم الإسلامية، حتى بلغت نسبة المدرّسين المسلمين 55% في المدارس الابتدائية، و50% في المدارس الثانوية، و30% من أساتذة الجامعات، بينما يشكّل الطلاب المسلمون 40% من طلبة جامعة أبيدجان، ويقرأ المسلمون معاني القرآن على لغة “الماندنيجو” حيث قام بالترجمة الشيخ سليمان كانتي من غينيا، وأسَّسوا “الجمعية الإسلامية” لتنظيم الحج والعمرة، كما تأسَّست “منظمة المجلس الإسلامي” الأعلى لساحل العاج، الذي أنشأ “المعهد العلمي العربي” لتدريس اللغة العربية، كما دشنوا أكبر مركز إسلامي في “أبيدجان”، وهو مركز «ويليامزفيل» الإسلامي الثقافي.

ونظراً لسيطرة المسلمين على التجارة، فإنَّ النخبة الثريّة في البلاد منهم، يشاركهم في ذلك 60 ألف لبناني بينهم مسلمون يسهمون بدرجة عالية في التجارة داخل البلاد.

ورغم كل الممارسات الفرنسية المهمِّشة للإسلام والمسلمين في ساحل العاج، إلا أن انتشار الإسلام تنامى ليبلغ نحو 20% عند استقلال ساحل العاج في 1960م.

ويتّضح تهميش المسلمين في ساحل العاج في عدَّة صور؛ أهمها ضعف تواجدهم في مراكز السلطة والقرار والنفوذ، وتعاني مناطق كثافتهم السكانية في شمال البلاد من نقص واضح في المشاريع التنموية و عناية السلطات الحاكمة، رغم أنّ “الحسن وتارا” هو أول رئيس مسلم يحكمها، وتؤكد التقارير أنّ حضور المسلمين في المجال السياسي كان ولا يزال محدوداً.

ومن صور تهميش المسلمين أيضاً أنَّ حكومة ساحل العاج قد تأخرت في الاعتراف بأعياد المسلمين الدينية باعتبارها أعياداً رسميةً في البلاد حتى عقد التسعينيات من القرن الماضي، رغم إلحاح المسلمين في المطالبة بهذا الحق وتعلّقهم به طيلة العقود الماضية.

كونج”: أسطورة مساجد ساحل العاج

يُعدّ مسجد “كونج” -الذي أنشئ على الطراز السوداني- أقدم رمز للإسلام لدى شعوب شمال ساحل العاج، وقد احتفظ بدوره كمكان للصلاة والتجمع.

مسجد كونج

بًني مسجد “كونج” في عام 1741 في أرض قاحلة تُسمّى “بانكو”، بطريقة تقليدية من خلال تراكب كرات الطين الليّن ، بأسلوب معماري سوداني ساحلي يتيح إظهار الطابع المعماري الساحلي للمسجد، فضلاً عن اللمسات الإسلامية المتمثّلة في المآذن والقِبلة، لتحديد اتجاه الصلاة إلى الشرق، تجاه مكة.

وفي الداخل، تعزل الجدران الطينية الحرارة عن الجزء الداخلي للمبنى خلال النهار، ما يضمن التنظيم الحراري، فيما تفيض الأنابيب من حافة السقف لتفريغ مياه الأمطار عن طريق تصريفها بعيداً عن الجدران.

نشأة التشيُّع وانتشاره في ساحل العاج

يعود التواجد الشيعي في ساحل العاج إلى عام 1908، عندما هاجرت مجموعة من اللبنانيين إلى هذه الدولة، وبدأت بتأسيس الأعمال هناك، ولكن النشاط الديني لهم يعود إلى عام 1977، مع إنشاء “الجمعية الإسلامية الثقافية” في المنطقة الساحلية.

الشيعة والتشيُّع في ساحل العاج

تقدِّر الدراسات أنَّ عدد الشيعة في ساحل العاج يتراوح ما بين 450 ألف إلى 800 ألف نسمة، فالمجمع العالمي الشيعي يقول أنّ عددهم 450 ألف نسمة، بينما تقول دائرة الإمام الحسين للمعارف أنّ عددهم تقريباً 800 ألف نسمة، أي هناك تباين كبير في الأعداد، ولكن يمكن القول أنّ أعدادهم تتراوح ما بين 400 إلى 600 ألف نسمة، ينتشرون في معظم أنحاء ساحل العاج، وخاصة في مدن: أبيدجان، وبنغتو، وبوكاي، وأمباتو، وأنياما، وغران باهام، وأودينه وكوروشو وجران بسام وأودينيه وطوبا، وسان بيرو، وأبواسو.

وقد ازدادوا بشكلٍ ملحوظ خلال السنوات الأخيرة نظراً لتكثيف نشاطهم الديني والثقافي في ساحل العاج باعتبارها مركزاً لتجمُّع جاليات الدول المجاورة وهي: مالي، بوركينا فاسو، ليبيريا، غينيا، غانا، لذا فإنّ أي نشاط فيها سوف يؤثر بالتبعية على دول الجوار مباشرة نظراً لكثافة التنقل بينها وبين هذه البلدان .

لقد ترك المرحوم “الشيخ جعفر الصايغ” (رحمه الله)- والذي كان أول من أقام مجالس العزاء الحسيني في ساحل العاج- إرثاً كبيراً من المستبصرين ،وكانت له اليد الطولى في بناء بعض المساجد الصغيرة في نواحٍ كثيرة من العاصمة أبيدجان خاصة وبعض القرى الداخلية. كذلك كان أول العاملين على بناء الحسينية الأولى في العاصمة التي كان لها دور كبير في استبصار كثير من الأفارقة وبعض العرب من المصريين والمغاربة والجزائريين ، كما أسلم على يديه بعض اللبنانيين والأفارقة وبعض تلامذته اليوم يكملون المسيرة ببناء الحوزات العلمية والمساجد.

أنشطة الشيعة في ساحل العاج

تبرز أنشطة الشيعة في تأسيس المدارس والمراكز الثقافية وعقد المحاضرات في الجامعات، وإحياء المراسم الدينية والإسلامية في المساجد والحسينيات، مع العمل الدعوي الذي يقوم به العلماء ورجال الدين والشخصيات البارزة، وكذلك طبع ونشر الكتب التي كتبها المستبصرون حول العقائد الشيعية وأحقية مذهب أهل البيت(عليهم السلام).

ونظراً لأهمية المدارس في تربية الأجيال، ومع سماح حكومة ساحل العاج بالترخيص للمدارس الإسلامية، بادر الشيعة باغتنام هذه الفرصة بالتنسيق والتقارب مع منظمة المدارس الإسلامية التي تشرف على المئات من المدارس الإسلامية الخاصة، وقاموا مع مسؤولي منظمة المدارس الإسلامية بجولات في عدَّة مدن على عدد كبير من المدارس الإسلامية للتنسيق والتعاون معها في هذا المجال.

احياء مجالس عاشوراء

وأقام الشيعة العديد من المدارس والمراكز والمؤسسات ، وبعد نجاح تجربة فرع جمعية الإمام الصادق(عليه السلام) الفرانكفونية في أبيدجان، سارع الشيعة إلى بناء جامعة الإمام جعفر الصادق(عليه السلام) الفرانكفونية في العاصمة العاجية؛ لأنّهم يدركون أنَّ اللغة الفرنسية هي اللغة الثانية من ناحية الأهمية والاعتبار عالمياً بعد اللغة الإنجليزية؛ فهي اللغة الرسمية لحوالي 20 دولة إفريقية ولغة المدارس والجامعات في عدَّة دول في غرب إفريقيا.

ويجدر الالتفات انه توجد اليوم حركة استبصار جيدة في ساحل العاج بسبب التعطش للمعارف الدينية ومعرفة الناس للمذهب من خلال نشاطات الشيعة وبحثهم عن الحقيقة، واحتكاكهم منذ القدم بالجالية الكبيرة اللبنانية في هذا البلد.

ويمكن اختصار أنشطة المؤسسات الشيعية في ساحل العاج بالتالي:

  • إعداد الدعاة والمبلغين.
  • بناء المدارس والمؤسسات التربوية والتعليمية.
  • بناء دور العبادة والمراكز الثقافية.
  • ترجمة وطباعة الكتب وتسجيل الدروس والمحاضرات بلغات عديدة منها اللغة الفرنسية.
  • استقطاب النخب من داخل ساحل العاج من خلال تسجيل أبنائهم في المدارس الفرنسية الشيعية.
المراكز والمؤسسات الشيعية في ساحل العاج:

تنتشر المراكز والمؤسسات والمساجد الشيعية في في العديد من مدن ساحل العاج  ، وأهم المراكز هي:

  • المركز الإسلامي الشيعي الجعفري، ويقع في منطقة “باسام” بالقرب من مدينة أبيدجان، يوجد فيه مكتبة ومدرسة ومسجد.
  • مركز الزهراء(عليها السلام) ويقع في منطقة “آبوبو”.
  • مركز الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله)، وقد بني من قبل الجالية اللبنانية الشيعية.
  • الحوزة العلمية في أبيدجان، وقد تم تأسيسها بدعم من إيران، ويدرس فيها نحو 120 طالباً.
  • المعهد الثقافي اللبناني: في أبيدجان.
  • مركز الزهراء الثقافي في أبيدجان، ويضم مساجد ومكتبات وعيادات.
  • المركز الإسلامي العربي الأفريقي وينشط في مجال تدريس القرآن والتعاليم الإسلامية على أساس المذهب الشيعي.
  • الجمعية الإسلامية الثقافية للدعوة والإرشاد، تنشط في مجال الهداية إلى الإسلام والتعريف بمذهب أهل البيت(عليهم السلام)، والاهتمام بالمهتدين والمستبصرين، وفيها مكتبة إسلامية تحتوي على مجموعة من الكتب وبلغات مختلفة.
  • المركز الإسلامي اللبناني برئاسة الشيخ عدنان زلغوط، وهو ممثل المرجع السيد علي السيستاني (دام ظلّه) في ساحل العاج.
  • جمعية البر والتعاون اللبنانية، ويترأسها الشيخ غسان درويش.
  • جمعية الهدى، ويترأسها الشيخ وهيب مغنية.
  • جميعة الإمام الصادق(عليه السلام) الإسلامية الفرنسية، أُسِّست الجمعية لتكون نقلة نوعية في تطور أنشطة الشيعة في ساحل العاج، وذلك لأهمية اللغة الفرنسية في هذا البلد، وللحاجة الماسّة والملحّة للعمل الإسلامي بهذه اللغة والتي كان لها دور كبير في رفع الحواجز الاجتماعية والنفسية بين العاجيين والجالية اللبنانية، وكما تذكر التقارير، فقد شاركت لأول مرة الجاليتان بشكل واسع في مجالس ومناسبات موحَّدة، وذلك لعامل اللغة ، فالكثير من أبناء الجالية اللبنانية من الجيل الثاني والثالث بل وحتى الرابع لا يفهمون العربية، كما أثّرت إقامة المحاضرات والدروس والدورات باللغة الفرنسية على الكثير من الشباب المتحدِّث بهذه اللغة باعتبارها لغة العلم – عندهم – فتشيَّع الكثير منهم. وتماشياً مع الثقافة السائدة، أقامت الجمعية العديد من الفاعليات واللطميات باللغة الفرنسية  الأمر الذي أدى إلى زيادة إقبال المشاركين فيها بشكل لافت.
  • المركز الثقافي الإسلامي بقية الله، ويقع في أبيدجان، ومديره الشيخ عبد الرحمن وترا (أبو مصطفى).
  • مؤسسة الإمام الحسين(عليه السلام) في أبيدجان، وتنشط المؤسسة في تدريس مذهب أهل البيت(عليهم السلام) باللغة العربية والفرنسية، وتقوم بإحياء المناسبات الدينية وإرسال الطلاب للدراسة في الحوزات العلمية خارج ساحل العاج.
  • جمعية الغدير اللبنانية، تأسَّست الجمعية في الثمانينيات ولكنّها سجلت رسمياً عام ١٩٩٧م، تحت إشراف الشيخ عبد المنعم القبيسي الذي يشرف على كافة برامج وعمل الجمعية، بالإضافة إلى مجموعة من الأشخاص المساهمين في التأسيس.
  • وتهتم بإقامة الأنشطة الوطنية (اللبنانية والعاجية)، والدينية من إحياء المناسبات ومجالس العزاء والأدعية ،بالإضافة إلى تعليم الناس الشعائر الدينية وتقديم الفتاوى الدينية وتحفيظ القرآن، وتسيير حملات للحج والزيارة، والاجتماعية من أنشطة تدريبية وترفيهية للنساء والأطفال والشباب ،والتي تأتي على شكل مخيمات ودورات تدريبية وورش عمل منفصلة للذكور والإناث، أهمها كشافة الغدير.

إضافة إلى الأنشطة التعليمية من خلال مدارس الغدير المنتشرة في ساحل العاج، التي تركز على اللغة العربية ونشر الفكر الديني ، وقد أصدرت ثانوية الغدير في أبيدجان عام ٢٠٠٩ مجلة سنوية تحت اسم “دوحة الغدير”.

والحملات السنوية للتبرع بالدم، ويشارك فيها شخصيات شيعية هامة.

تتبع الجمعية مجموعة من المراكز أهمها:

  • مجمع الزهراء الثقافي : تم البدء بتشييده عام ٢٠٠٣ وتم افتتاحه رسمياً في ٢٠٠٨ في حي ماركوري برعاية رئيس ساحل العاج وحضور رسمي رفيع المستوى. ويتضمن عدداً من الأقسام:
  • قاعة الرسول الهادي(صلى الله عليه وآله) للدروس الدينية
  • قاعة اللقاء اللبناني العاجي
  • مسجد الإمام المهدي(عجل الله تعالى فرجه)
  • قاعة الإمام علي(عليه السلام)  الحسينية
  • مكتبة الإمام الصادق(عليه السلام)
  • حسينية الإمام المهدي في سان بدرو.
  • النادي الحسيني في الدالوا
  • النادي الحسيني في سوبري
  • حملة الولاية للحج
  • كشافة الغدير
  • ثانوية الغدير في حي الريفيرا في أبيدجان وفي العاصمة العاجية ياموسوكرو
  • مدرسة الغدير في سان بدرو وفي الدالوا والغانوا وسوبري
  • مدرسة براعم الغدير في أبيدجان
أمّا أبرز المساجد والحسينيات الشيعية في ساحل العاج فهي:
  1. مسجد الإثنى عشرية في أبيدجان.
  2. مسجد كانكاكورا في أبيدجان.
  3. مسجد الإمام علي (عليه السلام) في جران بسام.
  4. مسجد الشيعة الجعفرية في جران بسام.
  5. مسجد عدي في سان بيدرو.

إضافة إلى الكثير من الحسينيات الصغيرة التي تكون عادة داخل البيوت والشقق.

أبرز المدارس الشيعية في ساحل العاج

تُعتبر المدارس الوسيلة الفضلى لإعداد المجتمعات ونشر المذاهب، ومع سماح الدولة بالترخيص للمدارس الإسلامية بادر الشيعة باغتنام هذه الفرصة بالتنسيق والتقارب مع منظمة المدارس الإسلامية التي تشرف على المئات من المدارس الإسلامية الخاصة، وقاموا بتأسيس العديد من المدارس منها:

  • مدرسة “أهل البيت(عليهم السلام)” في مدينة (أوميه) ومديرها الشيخ إبراهيم مليه.
  • مدرسة “منبع الحكمة” وفروعها في مدينة “دالوا” ومديرها هو الشيخ محمد سمهورو.
  • مدرسة “العترة الطاهرة في” مدينة “سينفرا” والمسؤول عنها هو الشيخ الفا سيسي.
  • مدرسة “أهل الكساء” في مدينة “ديفو” في قرية “جولابوغو” ومديرها هو الشيخ كبوري عبد الله.
  • مدرسة “دار العلوم والحكمة” في مدينة “كوروغو” بإدارة الشيخ عبد الكريم تراوري.
  • مدرسة العترة الطاهرة في مدينة “كوروغو” والمسؤول عنها هو الشيخ سامو تراوري.
  • مدرسة “سعد ذي وذا ” في مدينة “ديفة” ومديرها هو عبد الله كوناتي.
  • مدرسة “الدعوة الإسلامية” في مدينة “بواكي” ومديرها الشيخ محمد جارا.
  • مدرسة “العترة الطاهرة في” مدينة “غانيوا” والمسؤول عنها هو الشيخ إسحاق جباتي.
  • مدرسة الإمام الحسين(ع) في مدينة “أدزوبي” ومديرها الشيخ محمد كوني.
  • مدرسة “سعادة الدارين” في مدينة “غانيوا” ومديرها الشيخ إسحاق جباتي.
  • مدرسة “سبيل الهداية” في مدينة “زيغوا” ومديرها الشيخ ابراهيم كوياتي
  • مدرسة “نور الحسنين” في مدينة “سينفرا” ومديرها الشيخ الفا سيسي.
  • مدرسة “العترة الطاهرة” في مدينة “أودييني” والمسؤول عنها الشيخ إبراهيم دومبيا.
  • مدرسة “نجم الهدى” في مدينة “دالوا” ومديرها الشيخ محمد سمهورو.
  • مدرسة “سبيل الفلاح” في مدينة “أدزوبي” ومديرها الشيخ أبو بكر كوني.
  • مدرسة “العترة الطاهرة” في مدينة “بونوفلا” ومديرها الشيخ إسحاق ويدراوغو.
  • مدرسة “فاطمة الزهراء (عليها السلام)” في مدينة “باسام” ومديرها الشيخ ابراهيم جاكتي.

وهناك العديد من المدارس والمعاهد والمراكز التي من المقرر أن تبنى أو أنّها تحت الإنشاء، ويوجد المئات من الطلبة يدرسون في هذه المدارس والمراكز والمعاهد، علاوة على وجود العشرات من العاجيين يدرسون خارج البلاد خاصة في إيران وسوريا ولبنان.

ويبقى في النهاية أن نقول، أنّ الأزمات التي مرّ ولا زال يمرّ بها المسلمون أثبتت صلابة في التمسُّك بحقوقهم، والدفاع عنها، كما أثبتت تسامحهم مع غيرهم عند التمكين، فإنَّ مسلمي ساحل العاج يضربون مثلاً رائعاً في الدفاع عن الحق، حتى وإن كلّفهم ذلك الغالي والنفيس.

إغلاق