آفاق معرفية

تأملات في نواميس الطبيعة

251-252

بقلم: حسن العاملي(*)

 

الجراد شؤمٌ، يأكل الاخضرَ واليابسَ ويترك وراءَه الأرضَ مَحْلاً، وعند البشر مجاعات، يغزو بجيوشٍ نهِمة وينشر الخوفَ والفزعَ ، ويسبِّبُ المآسي. ذكره يترافق مع ذكر الكوارثِ والفقرِ والحروب.

للجرادةِ عينٌ تختلف عن عيونِ جميع الحيوانات، فهي كتلةٌ جامدةٌ، شفافةٌ، محدَّبةٌ، مؤلفةٌ من عشرات المخاريط (أقماع) التي تشكل نصف كرةٍ. تتجه أفواهُ هذه المخاريطِ نحو الخارج، وتتداخل قواعدُها لتشكِّل عدسةً ذات بؤرةٍ صغيرةٍ، لا تتّسعُ ولا تنكمش.

عيونُ الجرادةِ، بلا جفونٍ ولا رموشٍ ولا أهداب، وهي مكشوفةٌ على الجانبين، عيونها عمياءٌ لا تبصر عندما تكون واقفةً، لكنّها ترى الأشياءَ من حولها حينما تقفز أو تطير.

أمّا من الألوان، فهي ترى اللون الأصفر البني، وهو صفرةُ الترابِ الذي تضع فيه بيوضها. ومن اللون الأزرقَ، ترى زرقةُ السماءِ الذي يكشفُ لها مسارَ طيرانها. كذلك، ترى اللون الأخضر الذي يجذبها لكلِّ ما تأكله، أو تستريح فوقه.

هذا التركيبُ العجيب في عينيها يغنيها عن وجود رقبةٍ تديرها يميناً وشمالاً. مثل ذلك عيونُ الحشراتِ والفراشاتِ والبرغوث وحشرات الماءِ النطاطة. جميعها بلا رقاب، وجميعها تقفز أو تطير، كما تفعل الجرادة. كذلك، للضفدعِ عينان واسعتان تساعد على رؤيةِ الجوانب، فهو ليس بحاجةٍ إلى رقبة، وتقفز بأرجلٍ قصيرةٍ مثل الجرادة.

الرقابُ، إن طالتْ أم قصرتْ

للزرافةِ عينان صغيرتان في أعلى رقبتها الطويلةِ التي تتلوى يميناً أو شمالاً، كما تشاء. هي أيضاً، ليست بحاجةٍ إلى أرجلٍ قصيرةٍ للقفز. ومثل ذلك، الجملُ وكلُّ ذي رقبةٍ طويلة. عكسُ ذلك، تترافق العيونُ الواسعةُ مع الرقابِ القصيرةِ والأرجلِ القصيرة.

المفترس والضحية

إذا كان لكلِّ مفترسٍ واحدٍ ضحيةٌ واحدة، فسينقرض المفترسُ وضحيّته. لكن عدد الحيوانات المفترسةِ أقلُّ بكثيرٍ من عدد فرائسها. تمتاز الحيواناتُ المفترسةُ برقابٍ قصيرةٍ، صلبةٍ وعيونٍ كبيرةٍ تتجهُ نحو الأمام، لتلاحق فريستها، مثل الأسد والنمر والضبع. بعكس الحيوانات (الضحايا) ذات الرقاب الطويلةِ والعيون الصغيرةِ على الجانبين التي تسهِّل لها المناورة والهرب. سلاحُ المفترسِ هو القوةُ والحيلةُ والخداع. فما هو سلاحُ الضحايا؟

حربُ البيوضِ والبذور

في مملكتَي الحيوانِ والنبات فصائلُ وأنواعٌ متعدِّدة، ولكلٍّ منها خصائصُ تحافظ على ديمومتها. سلاحُ الضحايا هو كثرةُ بيوضها لزيادةِ نسلها، وفي النباتاتِ الضعيفةِ هو كثرةُ بذورها، لتنشر أنواعها إلى مسافاتٍ بعيدة. أمّا الأشجار الضخمة فتنتج بذوراً قليلةَ العدد، قاسيةَ البنيةِ، لتبقى إلى جوارها وتحضن غابتها.

الديناصور العملاق الضخم المنقرض، أولد ديناصوران، وكلاهما ماتا في العصر الجليدي. لكن الحشرات، نجتْ لكثرةِ بيوضها وصغرِ حجمها. والنعامةُ أيضاً تضع بيوضاً قاسيةً كالحجر، لتحافظ على ديمومتها ولا تخاف عليها من الكسر، أمّا الدجاجةُ الضعيفةُ فلها شأنٌ آخر.

الدجاجةُ والثعلب

للثعلبِ عيونٌ شاخصةٌ وأنيابٌ حادة، هو يحتال ليمسك بدجاجة واحدةٍ فقط. الدجاجةُ تعرف ذلك، فتعدُّ العدَّة سلفاً، فتكثر من بيوضها، لتصبح صيصان ثم دجاجاً ودِيَكة، قبل أن تستسلم للثعلب. أمّا الثعلبُ فيموت وحيداً في البريةِ، وتأكله الجراثيم ولكن الدجاجةُ، إن مرضتْ أو ماتت، فلها مَن يرعاها.

البناءُ والهدم

الخيمةُ والكوخُ الصغير والعرزال ( كوخٌ خشبيٌ في أعلى ألشجرة )، يركََّب كلُّ منها بسرعةٍ وسهولة، لكنّها جميعاً لن تصمدْ أمام العواصفِ والأمطار وتقلّبات الطقس، فتنهدمْ وتنهار. أمّا البيتُ الذي يُبنى بحجرٍ فوق حجر، فلا ينهدمْ ولا ينهار، قبل مُضي عشرات السنين، ومثلهُ القصرُ لن ينهدمْ ولا ينهار، قبل أن يعمَّر مئات السنين. أمّا القلعةُ التي تُشيَّد بالرخامِ والبلاطِ والحديد، فتبقى صامدةً آلاف السنين، قبل أن تنهدمْ وتنهار.

هكذا هو عمرُ الفراشاتِ والحشراتِ ذوات الهيكلِ الهش والجلد الرقيق التي تنمو بسرعة وتتحرّك بحيوية، فإنّها لا تصمد طويلاً، بل تتفكّك، ثم تموت. عكسُ ذلك، حالُ النمرِ والثورِ والتمساح، ذوات الجلدِ القاسي والبناء المتراص، التي تعيشُ عشرات السنين، قبل أن تتفكّك ثم تموت. ومثل ذلك، العنكبوتة (الأرملة السوداء)، بالرغم من صغر حجمها، فإنّها لا تموت إذا سُحِقت، لأنَّ جلدها قاسٍ ومطّاط.

النباتات أيضاً

هذه الظاهرة التي تربط الحجمَ بالعمرِ، تشاهد أيضاً في مملكةِ النبات، الحشائشُ والخضروات الرقيقةِ، صغيرةُ الحجمِ، وذوات السنابل، مثل القمح والشعير والسمسم والحبوب والنعناع، إنّها تموت بعد مواسمها. أمّا الأشجارُ الضخمةُ، ذات الخشبِ السميك، مثل الصنوبر والسرو والزيتون والبلوط والجوز واللوز، فهي تعيش طويلاً. كذلك، هو حال أشجار الأرزِ الضخمةِ، العالية، قاسية الخشب، فإنّها تعيش آلافَ السنين.

فيضُ الطاقة

يتجلّى فيضُ الطاقةِ عند الرقائقِ، أثناء نموِّها السريع وزيادة نشاطها. أمّا ذوات القشرةِ الخشنةِ، فإنّها تنمو ببطء وتتحرّك على مهل. كذلك يترافق طولُ العمرِ مع الضخامةِ وقساوة الخشب وبطء النمو. كذلك، يُشاهد قِصَرُ العمرِ عند ذوي القشرةِ الناعمة وصغار الحجمِ، مع نمو سريع وفيض في الطاقة. كذلك، تترافق كثرةُ الثمارِ مع صغر البذور، وقلّتها مع ضخامة بذورها.

السلحفاةُ: طويلةُ الرقبةِ

السلحفاةُ مكرمةٌ شعبياً، وصغارها مدللة. تحمل بيتها على ظهرها وتمشي على اليابسةِ باطمئنان، وإن شاءت، تسبح في البحارِ والأنهار. عمرُها طويلٌ بعشرات السنين. لا تخاف من الأعداء، فظهرها المدرعُ بالعظامِ يحميها من الأعداءِ وتقلّبات الطقس وأشواك النباتاتِ وتطفّل الحشرات. رقبتها طويلةٌ ومرنةٌ وعيونها صغيرةٌ تكشفُ لها الرؤية إلى جميع الجهات.

الدور الخضري والدور الجنسي

عند الحيوانات مرحلةُ نمو، تبدأ منذ الولادةِ حتى البلوغ، وهي المرحلةُ الخضريةُ، ثم تليها المرحلةُ الجنسية. وعند النبات أيضاً، مرحلةُ نمو، تبدأ منذ الإنباتِ حتى الإزهار، ثم تليها المرحلةُ الجنسية. فالفراشةُ ذات الجلدِ الرقيق، تولد بسرعة وتنمو بسرعة وتموت بعد أيام قليلة، لكن قلبها ينبضُ مئات المرات في الدقيقةِ الواحدة الذي يزودها بمزيدٍ من الحيويةِ والنشاط. مقابل ذلك، يولد ببطء، الجملُ والفيلُ والجاموس ذوي الجلد الخشن، وتنمو ببطء وتعيش على مهل وقلوبها تنبضُ أيضاً ببطء، حوالي ثلاثين مرة في الدقيقةِ الواحدة.

في النباتِ أيضاً، تنمو الأعشابُ الرقيقةُ بسرعة وتزهرُ بسرعة وتموت بسرعة. أمّا الأشجار ذوات القشرةِ الخشنةِ، تنمو ببطء وتزهرُ ببطء، ثم تموت على مهل، بعد عمرٍ طويل. فلماذا تشيخُ الكائناتُ الحيةُ بعد الدور الجنسي، ثم تذبل وتموت؟

التزاوجُ عند الأحياءِ: لماذا؟

ناموسُ الطبيعةِ يحافظ على صفاتِ الأنواعِ جميعها. الحصانُ يبقى حصاناً والطيرُ يبقى طيراً والعنبُ يبقى عنباً، على مدى آلاف السنين. قوانينُ الوراثةِ تحافظُ على الصفةِ النافعةِ (الغالبة)، وتُقصي الصفة الضعيفة (المتنحية). لكن هذا، لن يتم إلا بتزاوجٍ بين ذكرٍ وأنثى عند الحيوان، وبين زهرةٍ ومبيضها في النبات.

بهذا النظام، لا تستطيع صفةٌ أن تقفز فوق هذا القانون. فالزهرةُ التي لم تُلقَّح، تنتج ثمرةً قاسيةً خشبيةً، لا طعمَ لها ولا رائحة. كذلك، الحصانُ الذي يتجرأ على قانون الوراثةِ يعاقَب بنسلٍ نغلٍ (البغل)، الذي لا يلد.

أمّا الحيوانُ المخصي، فيعيش أطول بانتظار البلوغ. وكمثالٍ لغربلةِ الصفاتِ الوراثية: المرأةُ التي تتزوج رجلاً ذا دمٍ ينسال ولا يتخثر، يصابُ جنينها الأنثى فقط (بالعامل المميت)، الذي يميتُ جنينها سلفاً، لئلا تموت لاحقاً. فلو لمْ ْيكن هناك تزاوجٌ عند الحيوانِ، وإزهار عند النبات، لأصبح الرمانُ يقطيناً والتفاحُ بطيخاً، وللثعلبِ عشرةُ أرجلٍ. فمن هو الذي يتحدّى قوانينَ الوراثة؟

الفيروسُ: صبيٌ مراهق

الجراثيم والفسائل والفيروسات، ليس فيها ذكرٌ وأنثى، فهي لا تتزاوج، بل تتكاثر بانقسام الخليةِ الواحدةِ إلى خليتين اثنتين، والاثنتين إلى أربع. الفيروسُ لا يتقيّد بحكمةِ التزاوج، فهو عشوائيٌ في الولادةِ وعشوائيٌ في التصرُّفِ وعشوائيٌ في الموت. هذا الفيروسُ الذي يعيش ُمتطفّلاً على الأحياء، لا يمكن التنبؤ بنشاطهِ بعد عددٍ من الانقسامات. هو قاطعُ طريقٍ متمرِّد، لا يعترف بالقوانين ولا بالعرف. لكن، من يوقفه عند حدهِ، هو قاطعُ طريقٍ آخر على شاكلته كما يسلّط النارُ لإذابة الحديد.

       العمرُ الحيوي والعمُر المقدر

عند جميعِ الأحياء، فصائلُ وأنواع ٌمختلفةٌ، ولكلٍّ منها عمرٌ وسطيٌ يطول أو يقصر، متكيّفاً مع البيئةِ والموقعِ والنشاط، مثل النخلةِ والخروفِ والفراشة. لكن لكلٍّ منها عمٌر مقدّرٌ من الله سبحانه وتعالى.

وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا  وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ.”(فاطر،11)


(*) عضو معاهد الهندسة البريطانية، مدرِّب تقني، كاتب، ومترجم.

إغلاق