أعلام وشخصيات

لمحات من حياة العلامة المحقق السيد جعفر مرتضى العاملي(الحلقة الثانية)

253-254

إعداد: التحرير
تأسيس الحوزة:

وفي سنة 1418ه (1998م) – وبتوجيه من المرجع الكبير الشيخ محمد تقي بهجت «قدس سره» – أسّس السيد حوزة علمية في بيروت، سمّاها حوزة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام». وتُعتبر اليوم من الحوزات البارزة في لبنان في منهجها ونظامها.

كما اهتم بتأمين عدد من البيوت لسكن الطلاب المتزوجين على غرار ما فعله في قم المقدسة.

وفي سنة 1432ه (2011 م) أعاد ترميم مبنى المدرسة الحيدرية التي أسّسها المقدّس السيد حيدر مرتضى في بلدة عيتا الجبل، وأسّس فيه فرعاً لحوزة الإمام علي بن أبي طالب(ع).  وقبل رحيله بشهرين افتتح مبنى جديداً للحوزة في عيتا الجبل، بالإضافة إلى مبنى لسكن الطلاب المتزوجين.

ويجدر الإلفات إلى أنّ السيد كان يعتمد في بناء الحوزات والمراكز في قم وبيروت وجبل عامل على الاقتراض، متوكلاً على الله في جميع أموره، منتظراً توفيق الله لمتبرع أو مورد غير محتَسَب. وكم حدّث عن المواقف والتوفيقات التي حصلت معه في هذا الشأن.

مكتبته «قدِّس سرّه»:

لا شك أن شخصيَّةً علميَّةً من طراز السيد، لا بد له من أدوات بحث حاضرة بين يديه، ولا يكون ذلك إلا بمكتبة تتناسب مع حاجته، فكانت مكتبته الخاصة فريدة حيث احتوت على عشرات الآلاف من الكتب في مختلف العلوم والمعارف، تتضمن أهم المصادر والمراجع البحثية، إضافةً إلى نوادر المخطوطات.

وقد وقفها السيد قبل وفاته لتكون مكتبة عامة يستفيد منها طلاب العلم والمعرفة في ما يحتاجونه في التأليف والتحقيق واكتساب المعارف والعلوم. كما وقف كامل منزله الكائن في عيتا الجبل_ والمؤلف من ثلاث طبقات_ ليكون مقراً لها.

مزاياه الأخلاقيّة:

برغم هذا المركز العلمي المرموق، والانشغالات الكثيرة، والصعوبات والابتلاءات فإنَّ السيد قد امتاز بشخصيَّة تمتاز بالتواضع والعفوية، وعدم التكلُّف، تتفاعل مع النكتة الأدبية، وتستأنس قلوب الناس بالابتسامة والدعابة، والبِشر والتحنُّ.

لم يكن يميِّز بين صغير وكبير، ولا وجيه ومسكين، يُقبِل على محدِّثه، ويجيب سائله، ويحاور محاوِرَه حتى يكاد المرء ينسى نفسه ويتصوَّر أنّه في محضر ندٍّ له.

كما امتاز بالتواضع للعلم، فكان رغم تبحُّره لا يدّعي الإحاطة، حتى أّنّ أحد المؤمنين سأله يوماً عن رواية. فأجابه السيد: لم تمرَّ معي.

فقال السائل: إذن فهي غير موجودة.

فابتسم السيد وأجاب: ليس بالضرورة.

كما كان يتَّسم بالتسامح في الأمور الشخصية والصلابة في الأمور الدينية، فكم سامح شخصاً لا تربطه به علاقة على إساءة شخصية، وكم قطع حبل المودَّة مع صديق على إساءة دينية.

وأسجِّل في المقام شهادة: فقد زاره يوماً الخطيب الفاضل الشيخ عبد الله الكعبي، وبلَّغه رسالة شفهية من العلامة الخطيب المؤرخ السيد محمد شعاع فاخر الجابري يطلب فيها المسامحة عن شدة لهجته في ردوده على مؤلفات السيد جعفر في إثبات الربائب للنبي(ص)، حيث كان السيد الجابري يتبنّى كونهنّ بنات النبي (ص) كما هو شائع.

فأجاب السيد: إن شدة السيد شعاع كانت تسعدني لأنها دليل إخلاص للعلم والحقيقة التاريخية، فهي تدل على أنّه لا يتسامح فيما يراه حقاً، خاصةً وأنها لا تنبع من خلفيات شخصية.

ثم سطَّر إهداءً على نسخة من كتاب (شرح عهد الأشتر) وأرسله إليه.

ومرَّت الأيام واعتلى السيد الجابري منبر المجلس التأبيني الذي أقيم للسيد جعفر في الأهواز وأبَّنه بما هو أهله، حتى شبَّهه بالشريف المرتضى في زمانه.

كما كان لا يبخل بمفاتيح فنه على طالب، صغيراً كان أو كبيراً، فينطلق معه ويبسط له الفوائد، حتى في سنوات المرض، ومع صعوبة الحديث المسهب.

وهنا ندوِّن هذه الشهادة التي حصلت في أيام مرضه.

في محضر النصير:

أمس عصراً توجَّهت إلى دار نصير الصدّيقة مسلّماً مسترفداً مطمئناً متزوداً.

كانت دقائق الانتظار ثقيلة…

ودخل السيد…

حيا وجلس..

فأنشدته ما جاد به الخاطر من التقرُّب للعترة بمدحه.

شملني بعطفه مستحسناً إياه ومستكبراً معانيه التي خدشت تواضعه الجم.

كنت بين نارين:

عدم الإثقال؛ فالسيد مريض ، والكلام مجهد.

وبين الأمر المعصومي بمزاحمة العلماء بالرُّكَب، وسؤالهم عن المجهولات.

فرجُح المقتضى الثاني على المانع الأول، فاسترفدت السيد فأفاض في نقاط من علم الصدور هي خلاصة عمر من العمل الدؤوب:

١-تطرّق السيد إلى التشكيك ببعض مفردات واقعة الطف فاعتبر أنّه في الغالب ناتج عن نقص في تتبّع المصادر الذي يوهم المتكلِّم أن الواقعة غير موجودة.

وضرب لذلك مثالاً في مسألة وجود ليلى في كربلاء التي أنكرها البعض وادعوا عدم وجودها في المصادر وأنها من وضع الخطباء ،مع أنها موجودة في مصدر من أمهات مصادر السيرة وهو مناقب آل أبي طالب لابن شهراشوب، كما أن كتاب كامل الزيارات المعتبر لابن قولويه القمي ينقل عنها سماعها لنوح الجن. وهو من أقدم المصادر.

٢-اعتبر أن السيرة الحسينية تحتاج جهداً توثيقياً يجمع أخبارها وحوادثها المعتبرة وغير المعتبرة ويبوّبها ليوفر على الباحث والمحقق جهد جمع المادة المتفرقة فيتفرَّغ للبحث والتحقيق.

وتعجَّب من العجز عن هكذا عمل في عصر الثورة الإلكترونية هذا بما فيه من مؤسسات ومراكز بحوث، مع أنّ نظائره من الأعمال قام بها الآحاد في ما سبق كوسائل الشيعة للحر العاملي الذي جمع التراث الروائي الفقهي وبوّبه، وبحار الأنوار للعلامة المجلسي الذي جمع التراث الروائي وبوَّبه وعلَّق عليه.

وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على فرادة أمثال هؤلاء العظام.

٣-تطرّق سماحته إلى كتاب بحار الأنوار للعلامة المجلسي فأثنى على مؤلفه واعتبر أنه من آحاد فحول الطائفة وأنّ جهوده جبارة إن كان في تبويب الأخبار أو في تعليقاته لحل مشكلاتها والتي تدل على ندرة طرازه بين العلماء.

واعتبر أن كتاب البحار كافٍ لمن يريد التعمُّق في التراث الإمامي، لكن حتى تكتمل الفائدة منه لا بد بعد مطالعته الأولى من تجاوز المكررات وتبويب الموضوعات ومنهجتها، والتمييز بين المنقولات العامّية وروايات أهل البيت عليهم السلام، وجمع الشبهات على حِدة وحلّها إذا كان المطالع عالماً، أو الرجوع فيها إلى العلماء لمن لم يكن منهم.

٤-وتطرَّق سماحته إلى الكلام حول التفسير الروائي فاعتبر أن كثير من الروايات المنقولة عن أهل البيت عليهم السلام في التفسير لا يتيسر تعقُّلها للإنسان العادي، ولذا لا بد من تحصيل مقدمات فهمها وتعقّلها قبل الشروع في الاطلاع عليها.

٥-لقد كان هناك عادة حسنة عند علمائنا السابقين وهي تخيّر الأخبار وإلقاؤها على العوام مع شرح غوامضها وتقريبها إلى أذهانهم، وهي ما تم تدوينه في كتب الأمالي، لكن هذه العادة هُجِرت للأسف، ويا حبذا لو رجعت.

٦-كما أنّ هناك عادة كانت في زمن المعصومين(ع)، فقد كان الأصحاب يأتون إلى المعصوم ويعرضون عليه دينهم من عقيدتهم في الخالق إلى أدقِّ التفاصيل، فيقرّهم على الصواب ويصوِّب لهم الخطأ.

ويا حبذا لو اتّبع الناس في عصرنا هذه العادة مع فقهائهم، إذن لوفروا على أنفسهم الكثير من الضياع.

بعد هذا التطواف المعرفي الذي سَرَقَنا من أنفسنا التفتنا إلى أنّنا أرهقنا السيد، فانصرفنا داعين شاكرين.

المعاناة مع المرض:

في سنة 2013 ميلادية أصيب السيد بمرض عضال، وتلقّى العلاجات القاسية في المستشفيات، ولفترات طويلة، واحتاج في بعضها إلى السفر. فكان يتلقّى العلاج بإحدى يديه، ويحمل بالأخرى قلمه ليكتب، وكان ذلك موجباً للدهشة والتعجب من الأطباء والكادر التمريضي الذي كان يتابع علاجه، إذ عبَّر بعضهم أنهم لم يروا في حياتهم أحداً لديه هذا الإصرار والجَلَد.

وبقي يجاهد في التحقيق والتأليف والتبليغ والمحاضرات القرآنية حتى الأيام الأخيرة من حياته المباركة، وقد كتب خلال مرضه الكثير من المؤلفات والتحقيقات أهمها: سيرة الإمام الحسين(ع) (24 مجلداً)، وسيرة الإمام الحسن(ع) (12 مجلداً)، عهد الأشتر (مجلدان) وغير ذلك الكثير.

الرحيل:

لبّى السيد نداء الحق وارتحل إلى بارئه بعدَ أن اشتد عليه المرض، في بيروت. وذلك مساء السبت ليلة الثامن والعشرين من شهر صفر سنة 1441ه (٢٦ تشرين الاول ٢٠١٩) الموافقة لليلة شهادة النبي (ص).

ودُفن في اليوم التالي في باحة منزله في عيتا الجبل بين مبنى المكتبة ومبنى المسجد الذي أنشأه في حياته.

ومن المأمول: أن يكون مرقد هذا العالم الجليل ومكتبته معلَماً من معالم الإسلام في جبل عامل ليكون في ذلك إظهاراً وإبرازاً لمكانته العلمية، التي يحتاجها أهل هذه البلاد لمزيد من التعلق والارتباط بخط أهل البيت «عليهم السلام»، ولمزيد من الإشعار بدور جبل عامل في إرساء قواعد التشيُّع على مرّ التاريخ.

وقد نعته الحوزات العلمية في العالم الإسلامي، وولي أمر المسلمين، والمراجع العظام في قم المشرفة والنجف الأشرف.

تأريخ الوفاة:

وقد كان من دأب السيد «قدس سره» في السنوات الأخيرة أن يؤرِّخ في كل سنة وفاته بأبيات من الشعر فإذا توفي فيها كان ذلك تأريخاً لوفاته.

وقد أرخ وفاته في هذه السنة (1441) بأبيات من الشعر، فقال:

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين..

إن كانت وفاتي في سنة 1441هـ ق. فيكون هذا تأريخها:

إنِّــي أتَــــيتُـكَ مُــذنِـباً

  يَــا ربِّ، فَـارحَمْ وَاغـفِرِ
صِـفـرَ اليَـدَيـنِ، وَدُونَـمَا   عَــمـَـلٍ جَــدِيـرٍ مُـــثـمِرِ
عَـمَـلُ القَـبِـيـحِ أذَلَّـــنِي   هُــوَ مُـهـلِكِي وَمُــدَمِّرِي
وَعَــلَيَّ تَـنـصَبُّ البَــلَايَا   كَــالسَــحَابِ المُـــمـطِـرِ
قَد ضَـاقَ ذَرعِي وَالمُصَا   بُ يَـجِـلُّ عَـنـهُ تَبَصُّـرِي
كَيفَ الخلاصُ إذَا بُلِيــــ   ــــــــتُ بِــمُنكَرٍ وَبِأنكَرِ؟
وَغَدًا، تُـرَى، مَن مُنقِذِي   مِن هَولِ يَومِ المَحشـَرِ؟
يَـا رَبِّ، آمِــنْ رَوعَـتِـي   وَارحَمْ شَـدِيدَ تَحَـُسـرِي
لَـم يَـبـقَ لِـي أمَلٌ سِوَى   حُـبِّـي لأكــرَمِ مَـعـشَـــرِ
حُبِّ النَبِـيِّ مُحَمّدٍ   ثُـمَّ الوَصِــيِّ الأكـــبَـرِ
وَكَـــذَاكَ حُــــبُ أئِــمَّـــةٍ   هُـم طَاهـِرٌ مـن أطهَرِ
فَأتَـى النَدَاءُ مِنَ السَــمَا   أهـــلًا بِـعَـبـدِي جَـعـفَـرِ
أبشِـر، فَقَد أصـبَحتَ ذَا   الحـظِّ العَـظِيمِ الأوفَــرِ
فَـالمَرءُ يُحشـرُ فِي غَـدٍ   مَـع مَـن أحَـبَّ، فَأبـشِـرِ
فَعَلَيكَ عَبدِي، نِعمَتِي،   أرَّخـتُ: تَـمَّـتْ فَاشـكُرِ

1441هـ. ق

جبل عامل ـ عيتا الجبل ـ لبنان

جعفر مرتضى الحسيني العاملي

إغلاق