أحيوا أمرنا

من لحق بي استُشهد

213-214

بقلم: السيد حسين نجيب محمد
الكلمة الحسينية:

قال الإمام الحسين (ع): «من لحق بي استشهد، ومن تخلَّف لم يدرك الفتح»(1).

تحتلُّ الشهادة محوراً كبيراً في النهضة الحسينية،  فالإمام الحسين (ع) ومن معه هم شهداء، بل سادة الشُّهداء، ولشهادتهم الأثر البالغ في الأمم والمجتمعات عبر الأجيال  كما يظهر ذلك في الحركات الجهادية  وفي عقول وقلوب العلماء والفقهاء والشعراء وسائر الناس.

ولذلك ينبغي الوقوف عند معنى الشهادة الحسينية وآثارها على الإمام الحسين (ع) وعلى الأُمَّة، وذلك بالبيان التالي:

معنى الشّهادة:

يعتبر مصطلح الشهادة من الأدبيات الإسلامية ، فلم يوجد قبل الاسلام مصطلح الشَّهيد، وإنَّما جاء في الأدب الإسلامي، وسبب تسميته بالشَّهيد لأنَّ ملائكة الرحمة تشهده أي تحضر غسله ونقل روحه إلى الجنَّة، أو لأنَّ الله والملائكة يشهدون له بالجنَّة، أو لأنَّه يُستشهد يوم القيامة على الناس أو لأنَّه يشهد بالحق.

والشَّهيد هو الذي يُقتَلُ في سبيل الله تعالى ، قال تعالى : “وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ” [آل عمران: 169 ـ 171].

مكانة الشَّهيد:

وللشَّهيد درجة عظيمة عند الله تعالى، فهو تالي الأنبياء، فعن رسول الله (ص): «أشرف الموت قتل الشهادة»(2).

وعنه (صلوات الله عليه وسلامه): «فوق كل برٍّ برٌ حتَّى يُقتل الرجل في سبيل الله تعالى، فإذا قُتِلَ في سبيل الله تعالى فليس فوقه بر»(3).

أنواع الشَّهادة:

والشُّهداء على أنواع هي:

١ ـ شهداء من أجل المبادئ كشهداء بدر.

٢ ـ شهداء من أجل الحقوق.

٣ ـ شهداء من أجل الواجبات.

وقد ورد في الروايات أنَّ من مات دون ماله وعرضه فهو شهيد، وكذا المرأة التي تموت في نفاسها. فعن رسول الله (ص): «من قُتِلَ دون ماله فهو شهيد، ومن قُتِل دون دمه فهو شهيد، ومن قُتِل دون دينه فهو شهيد، ومن قُتِلَ دون أهله فهو شهيد»(4).

ولكن أرفع الشُّهداء درجة هم شهداء الدِّين والمبدأ.

سيِّد الشُّهداء:

الإمام الحسين (ع) قتِل من أجل العقيدة والدِّين، كما قيل بلسان حاله:

إن كان دين محمّدٍ لم يستقم

إلَّا بقتلي يا سيوف خذيني

وقُتِلَ من أجل الحقوق فقد قال:” ألا ترون إلى الحقّ لا يعمل به».

وقُتِل من أجل الواجبات، وهي «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر».

وقُتِلَ دون ماله وعرضه.

ولذلك كان (ع) «سيِّد الشُّهداء».

فعن الإمام الصَّادق (ع) أنَّه قال لأُمّ سعيد الأحمسية: «أفلا أخبرك بسيِّد الشُّهداء؟ قالت: بلى.

قال: الحسين بن علي. قالت: وإنَّه لسيِّد الشُّهداء؟ قال: نعم»(5).

وقد كان هذا اللقب للحمزة عمُّ النَّبي الذي إستشهد في معركة أُحد، إلَّا أنَّ بطولة الحسين وإيثاره وتضحيته جعلته يفوق سائر الشُّهداء، وجعلت لشهداء كربلاء أفضلية على الشُّهداء الآخرين، وسيكون هذا الفضل مشهوداً يوم القيامة.

لذا لما أُخبر رسول الله (عليه الصلاة والسلام) بشهادة ولده نقلاً عن جبرائيل قال داعياً له: «اللَّهمَّ  فبارك له في قتله واجعله من سادات الشُّهداء»(6).

وقال ميثم التمًّار في حديثه مع جبلَّة المكية حول شخصية الحسين بن علي (ع): «إنَّ الحسين بن علي سيِّد الشُّهداء يوم القيامة»(7).

وإذا كانت درجة الشَّهيد تزداد من خلال ما يجري عليه من الآلام والبلايا، فإنَّ الإمام الحسين (ع) قد اجتمعت عليه جميع المصائب والأوجاع، فقد قتل عطشاناً، مذبوحاً، غريباً، وحيداً، بعد الضرب، والطعن، وإسالة الدماء… بل ورد في التاريخ أنَّه قتل صبراً، فعن الإمام زين العابدين (ع): «أنا ابن من قُتل صبراً، وكفى بذلك فخراً»(8)، ومعنى القتل صبراً أن يقيد يديه ورجليه حال قتله، والمعنى الآخر هو التعذيب حتَّى الموت(9).

ولذلك فقد نال بذلك درجة خاصَّة عند الله تعالى، ففي الرواية أنَّه لما كان عند قبر جدِّه المصطفى في المدينة غفا فرأى النبي (ص) قد أقبل في كوكبة من الملائكة عن يمينه  وعن شماله ومن بين يديه ومن خلفه حتَّى ضمَّ الحسين (ع) إلى صدره وقبَّله بين عينيه وقال (ص): «يا بُنيَّ يا حسين! كأنَّي عن قريب أراك مقتولاً مذبوحاً بأرض كرب وبلاء من عصابة من أُمَّتي، وأنت في ذلك عطشان لا تسقى وظمآن لا تروى، وهم مع ذلك يرجون شفاعتي، ما لهم لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة! فما لهم عند الله من خلاق؛ حبيبي يا حسين! إنَّ أباك وأمّك وأخاك قد قدموا عليَّ وهم إليك مشتاقون، وإنَّ لك في الجنَّة درجات لن تنالها إلا بالشهادة».

فجعل الحسين (ع) ينظر في منامه الى جدِّه (ص) ويسمع كلامه وهو يقول: «يا جدَّاه! لا حاجة لي في الرُّجوعِ إلى الدُّنيا أبداً فخذني إليك واجعلني معك إلى منزلك».

فقال له النَّبي (ص): «يا حسين! انَّه لا بُدّ لك من الرجوع إلى الدُّنيا حتَّى ترزق الشهادة، وما كتب الله لك فيها من الثواب العظيم، فإنَّك وأباك وأخاك وعمّك وعمّ أبيك تُحشرون يوم القيامة في زمرة واحدة حتَّى تدخلوا الجنَّة»(10).

الإمام الحسين (ع) يختار الشهادة:

روي عن مولانا الصَّادق (ع) أنَّه قال: «سمعت أبي يقول: لما التقى الحسين (ع) وعمر بن سعد لعنة الله عليه وقامت الحرب، أنزل الله تعالى النصر حتَّى رفرف على رأس الحسين (ع)، ثم خُيِّر بين النّصر على أعدائه وبين لقاء الله، فاختار لقاء الله»(11).

وهنا يُطرح سؤال: لماذا اختار الإمام الحسين (ع) الشهادة؟

الجواب: رأى الامام الحسين (ع) أنَّ الأُمَّة الإسلامية قد اصيبت بخنوع وذلّ وهوان بحيث لم تعد تشعر بذلّ العبودية، وصارت ترى المعروف منكراً والمنكر معروفاً، وفي هكذا حال لن يكون للخطابات والمواعظ الأثر البالغ، بل لا بُدّ من صدمة توقظهم من سباتهم، فكان أن قدَّم نفسه وأولاده وأصحابه شهداء، فأحدث هزّة عنيفة في الأمة، وحقَّق فتوحات دينية كما قال (ع): «من لحق بي استشهد، ومن لم يلحق لم يبلغ الفتح».

قال الشيخ محمَّد مهدي شمس الدِّين (رحمه الله): «والَّذي اعتقده هو أنَّ وضع المجتمع الإسلامي إذ ذاك كان يتطلب القيام بعمل انتحاري فاجع يلهب الروح النضالية في هذا المجتمع، ويتضمن أسمى مراتب التضحية ونكران الذات  في سبيل المبدأ لكي يكون مناراً لجميع الثائرين حين تلوح لهم وعورة الطريق، وتضمحلٌّ عندهم احتمالات الفوز، وترجح عندهم أمارات الفشل والخذلان»(12).

وقال (رحمه الله): «إنَّ الحسين لم يكن ذا مال لينافس الأُمويين وبيدهم خزائن الأموال، ولم يكن ليتجافى عن روح الإسلام وتعاليمه فيجلب الناس إليه بالعنف والإرهاب، ولذا فليس من المعقول أن يطلب نصراً سياسياً آنياً في مجتمع لا يحارب إلّا في سبيل المال وبالمال، أو بالقسر والإرهاب، ولكن كان في وسعه أن يقوم بعمله الذي قام به ليهزّ أعماق هذا المجتمع، وليقدِّم له مثلاً أعلى طُبع في ضمائر أفراده بدم ونار»(13).

علم الامام الحسين (ع) باستشهاده:

قال المرجع الكبير السيِّد محمد سعيد الحكيم حفظه الله: «والناظر في تفاصيل واقعة الطّف ـ بموضوعية وإنصاف ـ يرى أنَّ الإمام الحسين (صلوات الله عليه) منذ امتنع عن بيعة يزيد في أواخر شهر رجب، وتحرَّك ركبه من المدينة المنوَّرة إلى مكَّة المُكرَّمة، صمَّم على المُضيّ في مشروعه وتحقيق هدفه عالماً أنَّ ذلك ينتهي بقتله وقتل أهل بيته نجوم الأرض من آل عبد المطلب – كما تقول العقيلة زينب (ع) في خطبتها الجليلة ـ مع الصّفوة من أصحابه.  مع ما يترتَّب عن ذلك من نهب رحله، وانتهاك حرمته، وسبي عياله والتشهير به وبهم، وتركهم غنيمة بأيدي تلك الوحوش الكاسرة والنفوس المغرقة في الجريمة والرذيلة. ولم يمنعه شيء من ذلك عن التصميم والتخطيط والإصرار والإستمرار حتى النهاية التي حصلت بعدما يقرب من ستة أشهر»(14).

وإليك بعض من الروايات في هذا المجال:

عن الإمام محمَّد بن عليٍّ بن الحسين (ع): «لمَّا تجهَّز الإمام الحسين (ع) إلى الكوفة أتاه ابن عبَّاس فناشده الله والرَّحم أن يكون هو المقتول بالطَّف، فقال: «أنا أعرفُ بمصرعي منك، وما وكدي(15) من الدُّنيا إلَّا فراقها»(16).

عن الأوزاعي قال: «بلغني خروج الحسين إلى العراق فقصدت مكَّة فصادفته بها، فلمّا رآني رحَّب بي وقال: «مرحباً بك يا أوزاعي، جئت تنهاني عن المسير، ويأبى الله إلَّا ذلك، إنَّ من هاهنا إلى يوم الإثنين منيتي» فجهدت في عدد الأيَّام فكان كما قال(17).

أمنية الشُّهداء:

عن الإمام الصَّادق (ع): «ما من شهيد إلَّا وهو يُحبُّ لو أنَّ الحسين بن علي حيّ حتى يدخلون الجنَّة معه»(18).


المصادر:

(1) موسوعة كلمات الامام الحسين (ع).

(2) عشاق الشهادة: ص ١٢.

(3) المصدر نفسه.

(4) الشهادة: ج١، ص ٢٩٨.

(5) بحار الأنوار: ج٩٨، ص ٣٦.

(6) عوالم الامام الحسين (ع)، ص ١١٨.

(7) نفس المصدر: ص ٣٤٨. بحار الأنوار: ج ٤٥، ص ٢٠٣.

(8) الشهادة: ج ١، ص ٣٤٤.

(9) الشهادة: ج ١، ص٢٣٦.

(10) موسوعة كلمات الإمام الحسين (ع)، ص ٣٨٧.

(11) موسوعة كلمات الإمام الحسين (ع)، ص ٤٨٣.

(12) ثورة الإمام الحسين، ص ٢٠١.

(13) المصدر نفسه، ص ٢٠٤.

(14) فاجعة الطف، ص ٤٨.

(15) الوكد: أي القصد.

(16) موسوعة كلمات الإمام الحسين (ع)، ص ٣٠٩.

(17) موسوعة كلمات الإمام الحسين (ع)، ص ٣٢٦.

(18) بحار الأنوار، ج ١٨، ص ٤.

 

إغلاق