أخلاق

ربَّ ضارّة نافعة

213-214

بقلم: علي دخيل

 

تمهيد:

إنَّ الله جلَّ جلاله قادر على أن يجعل جميع عباده في نعيم وسرور، من بداية حياتهم حتى نهايتها، ولكن اقتضت حكمته أن يبتليهم ليزداد المؤمن ثواباً، وأيضاً: يكون البلاء رادعاً لأهل المعاصي، ومكفِّراً لهم عن خطاياهم إذا تابوا وأنابوا.

إنّ الفقر، والمرض، والبلاء من أعظم المضار التي يواجهها العباد، وسيمرُّ عليك إن شاء الله تعالى بعض ما ورد عن الصَّادقين (ع) ما أعطى الله جلَّ جلاله عباده المتضرّرين من الأجر على ما أصابهم في هذه الدنيا.

والإنسان بطبعه يتضايق من البلاء لجهله ما يعقبه من عطاء.

تأمّل قوله تعالى: “كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ” [البقرة: 216].

قال أمين الإسلام الطبرسي: هذه الآية بيان لكون الجهاد مصلحة لمن جاء به؛ قال سبحانه: “كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ  أي فُرِض عليكم الجهاد في سبيل الله  وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ أي شاقٌّ عليكم وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا معناه: وقد تكرهون شيئاً في الحال وهو خير لكم في عاقبة أمركم، كما تكرهون القتال لما فيه من المخاطرة بالروح  وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ  لأنّ في الجهاد إحدى الحسنَيين: إمّا الظفر والغنيمة، وإمّا الشهادة والجنَّة وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ” أي قد تحبون ما هو شرٌ لكم وهو القعود عن الجهاد لمحبة الحياة، وهو شرّ لما فيه من الذل في الدنيا، وحرمان الغنيمة، والأجر في العقبى وَاللَّهُ يَعْلَمُ  ما في مصالحكم ومنافعكم، وهو خير لكم من عاقبة أمركم وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ذلك، فبادروا إلى ما يأمركم به وإن شقَّ عليكم.

وأيضاً فقد جعل (سبحانه وتعالى) في هذه المضار منافع عظيمة في الدنيا، وسيمرُّ عليك بعض من لحقتهم المضار وأعقبها الفرج والرخاء.

الفقر

وهو أعظم ما يعانيه العباد. والأحاديث في ثوابه كثيرة، ونحن نكتفي بهذا الحديث الشريف:

قال الإمام الصَّادق (ع): إذا كان يوم القيامة أمر الله (عزّ وجلّ) منادياً ينادي: أين الفقراء؟ فيقوم عنق من النّاس، فيؤمَر بهم إلى الجنَّة، فيأتون باب الجنَّة، فيقول لهم خزنة الجنَّة: قبل الحساب؟

فيقولون: أعطيتمونا شيئاً فتحاسبونا عليه؟ فيقول الله (عزّ وجلّ): صدقوا؛ عبادي ما افتقرتكم هواناً بكم، ولكن ادَّخرت لكم لهذا اليوم، ثم يقول لهم: تصفَّحوا وجوه النّاس، فمن أتى إليكم معروفاً فخذوا بيده وأدخلوه الجنَّة(1).

وأحذّرك تمام الحذر من أن تعتمد على هذا الحديث ونظائره فتذنب، إنّ الله جلَّ جلاله يقول: “إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولَٰئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا” [التوبة: 17].

وأيضاً القاعدة الدينية: ترك الذنب أهون من الإستغفار منه؛ ألم تسمع قول أمير المؤمنين (ع): ترك الخطيئة أيسر من طلب التوبة(2).

وأيضاً: نحن ليس بأيدينا مستمسك على المغفرة، فربما لم يستجب المولى جلَّ جلاله لنا، لهذا يجب علينا الحذر من كل ذنب، صغيراً كان أو كبيراً.

المرض

وهو يتلو الفقر وقد يزيد عليه ولكن تأمَّل ما جاء في ثوابه:

قال رسول الله (ص): من مرض يوماً وليلة، فلم يشكُ إلى عوّاده، بعثه الله (عزّ وجلّ) مع خليله إبراهيم (ع)، يجوز الصراط كالبرق اللامع(3).

ومن حديث الإمام أبي جعفر الباقر (ع) قال: من مرض ليلة تقبّلها بقبولها، كتب الله له عبادة ستين سنة.

قلت: وما معنى قبولها؟

قال: لا يشكو ما أصابه إلى أحد(4).

وقال رسول الله (ص): ما من مسلم يمرض إلا حطَّ الله عنه من خطاياه كما تحطُّ الشجرة ورقها(5).

وعن عبد الله بن أبي يعفور قال: شكوت إلى أبي عبد الله (ع) ما ألقى من الأوجاع ـ وكان مسقماً ـ فقال لي أبو عبد الله (ع): لو يعلم المؤمن ما له من الأجر في المصائب لتمنّى أن يُقرَض بالمقاريض(6).

وتأمّل ما جاء في دعاء الإمام زين العابدين (ع) في ثواب المرض:

«اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا لَمْ أَزَلْ أَتَصَرَّفُ فِيهِ مِنْ سَلاَمَةِ بَدَنِي، وَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا أَحْدَثْتَ بِيْ مِنْ عِلَّة فِي جَسَدِي. فَمَا أَدْرِي يَا إلهِي، أَيُّ الْحَالَيْنِ أَحَقُّ بِالشُّكْرِ لَكَ، وَأَيُّ الْوَقْتَيْنِ أوْلَى بِالْحَمْدِ لَكَ، أَوَقْتُ الصِّحَةِ الَّتِي هَنَّأْتَنِي فِيهَا طَيِّبَاتِ رِزْقِكَ، وَنَشَّطْتَنِي بِهَا لابْتِغاءِ مَرْضَاتِكَ وَفَضْلِكَ، وَقَوَّيْتَنِي مَعَهَا عَلَى مَا وَفَّقْتَنِي لَهُ مِنْ طَاعَتِكَ أَمْ وَقْتُ الْعِلَّةِ الَّتِي مَحَّصْتَنِي بِهَا، وَالنِّعَمِ الَّتِي أَتْحَفْتَنِي بِهَا تَخْفِيفاً لِمَا ثَقُلَ بِهِ عَلَى ظَهري مِنَ الْخَطِيئاتِ وَتَطْهيراً لِمَا انْغَمَسْتُ فيهِ مِنَ السَّيِّئاتِ، وَتَنْبِيهاً لِتَنَاوُلِ التَّوْبَةِ، وَتَذْكِيراً لِمَحْوِ الْحَوْبَةِ بِقَدِيمِ النِّعْمَةِ، وَفِي خِلاَلِ ذَلِكَ مَا كَتَبَ لِيَ الْكَاتِبَانِ مِنْ زَكِيِّ الاعْمَالِ، مَا لا قَلْبٌ فَكَّرَ فِيهِ، وَلا لِسَانٌ نَطَقَ بِهِ وَلاَ جَارِحَةٌ تَكَلَّفَتْهُ بَلْ إفْضَالاً مِنْكَ عَلَيَّ، وَإحْسَاناً مِنْ صَنِيعِكَ إلَيَّ»(7).

وما أجمل كلمة عبد الله بن العباس (رحمه الله)، قال: لما علم الله أنَّ أعمال العباد لا تفي بذنوبهم، خلق لهم الأمراض، ليكفِّر عنهم بها السيئات(8).

البلاء

وهو أعظم المضار وأشدّها على العباد، ولكنه يهون بما ورد عن الصَّادقين صلوات الله وسلامه عليهم في ثواب المبتلين:

قال رسول الله (ص): إذا نشرت الدواوين ونصبت الموازين،  لم ينصب لأهل البلاء ميزان، ولم ينشر لهم ديوان. ثم تلا هذه الآية: “إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ” [الزمر: 10](9).

وقال الإمام الصَّادق (ع): من ابتلى من المؤمنين ببلاء، فصبر عليه، كان له مثل أجر ألف شهيد(10).

وقال الإمام الصَّادق (ع): إنّ في الجنَّة المنزلة لا يبلغها عبد إلا ببلاء في جسده(11).

وبعد هذه المقدمة الوجيزة التي مرّت عليك في الفقر والمرض والبلاء، وهذه أهم ما تواجه العباد، وقرأت شيئاً من عطاء الله (عزّ وجلّ) جلاله لعباده المتضرّرين عوضاً عما أصابهم، حتى تمنّوا أن يكون قد طال فقرهم ومرضهم وبلاؤهم، لعظيم ما حصلوا عليه من العوض.

نعود الآن لنذكر بعض عطاء الله جلَّ جلاله لعباده الذين أصابهم ضرّ ولكن ما أسرع أن إنقلب  ضرّهم  فرجاً وسروراً.

1 ـ الميرزا الخوئي:

إنَّ العلّامة الكبير الميرزا حبيب الله الخوئي، المتوفى سنة ١٣٢٤هـ، رجع إلى بلده بعد التّحصيل في النجف الأشرف عالماً وزعيماً مطاعاً، والتفَّ الناس حوله، ويحضرون دروسه، وشاءت الصّدف أن حدث بين أبيه وأحدهم خصومة، وطلب الخصم أن ينظر السَّيد حبيب الله في المشكلة ويحكم؛ وارتاح الوالد لهذا الطلب، ولكن السَّيد رفض أن ينظر في الموضوع، وبعد إصرار الطّرفين نظر، فإذا الحقّ مع الخصم، فحكم بذلك، وصعب على الوالد ذلك، فأخذ في توهينه، مما اضطر السَّيد أن يترك البلد وزعامته ويرحل إلى غيره تفادياً للمشكلة. في موطن الغربة وقد تفرّغ فكتب كتابه القيِّم (نهج البراعة في شرح نهج البلاغة) من واحد وعشرين مجلداً، ويرى بعض العلماء أنه يفوق شرح العلّامة ابن أبي الحديد.

2 ـ التاجر النجفي الكبير الحاج مهدي البهبهاني

إنَّ التاجر النجفي الكبير الحاج مهدي البهبهاني(12) أسمعه بعضهم ما يليق به، فرأى ذالك هواناً عليه فهاجر إلى الشام، وهناك تفرّغ لتجديد حرم السَّيدة زينب بنت الإمام أمير المؤمنين (ع) بأمواله وأموال المحسنين من زائريها ومجاوريها، فجاء بأحسن ما يكون من الفنّ والإبداع، فجزاه الله خير جزاء المحسنين، وأخذ بأيدي أغنيائها إلى المزيد من تشييد المساجد(13) والعتبات المقدسة.

3 ـ السَّيد

إنَّ السَّيد من أهل المشخاب(14) تسوّر السارق على داره، وأحسَّ به، فأخذ في المقادمة، ولكن السارق أصابه بطلقة، ودخل المستشفى، وتبيّن أن الطلقة أصابت رئته التي أكَّد عليه الأطباء سابقاً بقلعها، فخرج من المستشفى معافى من جرحه ورئته.

ونحن نكتفي بهذا القليل، لأنّ هذا باب واسع أُلِّفت فيه الكتب(15) بل أنَّ كل واحد منّا مرّت عليه شدائد ومحن، ثم أعقبها يسر ورخاء.

4 ـ موضوع السكن:

إنَّ معظم الطبقة الوسطى والفقيرة من الناس حصلوا على السكن نتيجة لضغط الملّاكين عليهم، وتهديدهم لهم بالخلوّ، وإقامة الدعوى بالمحاكم، وحتى أنَّ بعض المستأجرين نقل أمتعته إلى الشارع ريثما يجد بيتاً، ولكن ما أسرع أن حصلوا على بيوت شراء، ولعلَّ بعضهم اشترى بيتاً أفضل من البيت الذي كان قد استأجره، ولولا ضغوط الملّاكين لم يفكّروا بالشراء، لقلّة ما بأيديهم، ولأنهم لم يروا الحاجة إلى البحث عن الشراء لا سيما وهم في طمأنينة من حسن سلوك الملّاكين معهم، ولكن بعد أن تغيَّر وضع الملّاكين اتّجهوا بكلِّ قواهم إلى الشراء؛ يبيعون ما عندهم من مصاغ، ويستقرضون، وربما بعضهم يستجدون، فكان الخير فيما وقع.

وكلمتنا الأخيرة

أن يتوجّه الذي يعاني ضراً أو فقراً أو مرضاً، أو أي شدّة إلى قاضي الحاجات، ومنفّس الكربات، والله جلَّ جلاله لو اقتضت حكمته عدم الإستجابة، فهو يجزل له العطاء يوم القيامة.

قال رسول الله (ص): يودُّ أهل العافية  يوم القيامة أن لحومهم قرضت  بالمقاريض لما يرون من ثواب أهل البلاء(16).

وقال الإمام أبو جعفر الباقر (ع): لو يعلم المؤمن ما له في المصائب من الأجر لتمنّى أن يقرض بالمقاريض(17).


المصادر:

(1) قرب الإسناد، ١٨٣.

(2) الكافي: ٢/٤٥١.

(3) من لا يحضره الفقيه: ٤/١٠.

(4) من لا يحضره الفقيه: ٤/١٠.

(5) المستطرف: ٢/٢٤٤.

(6) الكافي: ٢/٢٥٥.

(7) الصحيفة السجادية: ٨٣.

(8) الدعوات: ١٦٦.

(9) بحار الأنوار: ٨٣/١٤٥.

(10) مسكّن الفؤاد: ٤٧.

(11) مشكاة الأنوار: ٢٦.

(12) وفاته في الشام سنة ١٣٩٤هـ وقبره في حرم السيدة زينب (ع).

(13) قال السيد بحر العلوم:

ومن بنى لله مسجداً هنا

في الجنة الله له بيتاً بنى

وإن يكن كمفحص القطاة

بنسبة الفحص إلى الصلاة

(14)  المشخاب: بلد على الفرات، يبعد عن النجف الأشرف ٣٠ كيلو متراً.

(15) انظر كتاب (الفرج بعد الشدة) للقاضي التنوخي وغيره كثير.

(16) إرشاد القلوب: ١/٦٢.

(17) الصدف: ١٦٠٢.

إغلاق