الافتتاحية

لتحصين الشباب في عقيدتهم وسلوكهم

211-212

 

الإصرار الدائم على استهداف المسلمين ـ من الجنسين ـ في عقائدهم الدينية وتوجّهاتهم الفكرية، وفي أنماط حياتهم الشخصية والاجتماعية، أي في مجمل هويتهم، ليس أمراً مستجدّاً أو عابراً.. فلطالما جهد المستعمرون الغربيون منذ بدأت غزواتهم العسكرية الاحتلالية لبلادنا العربية والإسلامية، أن يرفقوها بغزوٍ ثقافيٍّ هادفٍ ومركّز، وضعوا له الخطط ووفّروا له الإمكانات الكبيرة وحشدوا له الطاقات، ووجّهوه منذ البداية بشكلٍ خاص نحو الفئات الشابة في مجتماعاتنا. وكان القصد وما يزال، هو سلخها عن دينها القويم، الذي ارتضاه الباري تعالى لها وللبشرية كافة. وما ذلك إلا لأنهم أدركوا أنه ما دام هذا الدين العظيم محرّكاً وموجّهاً لنفوس الشباب وعقولهم، فسيبقى هذا العامل الأساس في قوة الممانعة لعملية الاستتباع والهيمنة الغربية على بلاد المسلمين ومقدّراتهم. وبدأوا العمل المكثّف لاستلاب الشباب والفتيات المسلمين من الداخل لتفريغ محتواهم العقائدي والثقافي بأساليب شتّى وتحت ستار التمدّن والتطوير والعصرنة الخادعة.

ولذلك أنشأوا إلى جانب من استقطبوهم من العرب والمسلمين المؤسسات التعليمية والتربوية والثقافية والفنية، ودور الصحافة والإعلام إضافة إلى التشكيلات السياسية والهيئات المدنية، ومع غياب الوعي الكافي والقصور عن المواجهة ظهرت إثر ذلك قاعدة عريضة في بلادنا من النُخب التي تلبّست بمفاهيم حضارة الغرب المادية وقيمه الثقافية والأخلاقية، ومنذ البداية سار خط التبشير الديني الغربي في بلادنا مع الفكر العلماني حتى المتطرّف منه بمحتواه اللاديني والإلحادي العابث ولم يكن في ذلك تناقضاً بالنسبة لهم طالما أن الغاية واحدة.

وكلما لاحت بارقة استفاقة أو صحوة إسلامية واعدة مبنية على الوعي وفهم الواقع، لتعيد للدين الحنيف حضوره وبريقه لدى الشباب والمجتمع، سارع أولئك المتربّصون دائماً بأمتنا مباشرة أو عبر وكلائهم الكثر، إلى تطويقها ومحاصرتها بشتى السُّبل والأدوات، ليبقى الميدان متاحاً لهم كي يتلاعبوا بعقول الشباب ونفوسهم الحائرة. وفي الوقت عينه فهم لا يغفلون عن استغلال أي فساد أو ظلم أو تخلّف مما تضجّ به مجتمعاتنا وإداراتنا وحكوماتنا المفروضة، ليجعلوا لديننا الشريف نصيباً منه مع أنهم هم من ساهموا بإيجاده ورعايته، وما ذلك إلّا ليزرعوا الشك في العقول الشابة وليوجدوا الهوّة بينهم وبين دينهم الذي هو عنوان هذه الأمة وأساس نهضتها، ولنا في ما نعيشه اليوم من مآسي وحش التطرّف الديني التكفيري الأعمى وإرهابه وجرائمه المنكرة والذي يرفضه ويحاربه كل مسلم غيور، أوضح مثال. فإن من عمل على استنهاضه وتمكينه واستغلاله لأغراضه المشبوهة، فهو من يوجّه الأقلام والإعلام وكذلك التشكيلات السياسية والاجتماعية التي تدور في فلكه، لكي ينسبوا أفعاله الإجرامية إلى الإسلام، بغية تشويه صورته الناصعة، وتنفير الفئات الشابة المضللة منه. ولذا نشطت في الحقبة الأخيرة وبشكل ملحوظ بين الشباب والشابات، ممن هم من محدودي الثقافة والفكر، دعوات وحملات مسعورة لإدانة الإسلام والتجريح به، وصولاً إلى مجاهرة أعداد ومجموعات متزايدة منهم بعدائها للدين وبتبنيها للإلحاد واللاإدارية العبثية عقيدة لهـا. وقد تلقّفها ذلك الإعـلام المضلل، فراح يُجـري الاستطلاعات والإحصـاءات، ليبيّن أن قـاعـدة الإلحاد والمعاداة للدين آخذة بالاتساع والتجدّد في بلادنا الإسلامية، مشيراً بشكل خاص إلى بلاد عُرفت بالمحافِظة: كمصر ودول الخليج كأمثلة صارخة على ذلك، وهذا الأمر هو محل شك وريبة طبعاً.

فإذا أضفنا هذا الخطر العقائدي الداهم إلى ما هو سائد بشكل واسع من إعراض سلوكي وعملي عن قيم الدين والأخلاق والضوابط الشرعية لدى شرائح واسعة من الشباب، فإن ذلك كله يجب أن يكوِّن حافزاً أكبر وشعوراً أعظم بالمسؤولية لدى كل أصحاب الشأن الذين يحملون همّ المحافظة على الدين وأهله، وعلى سلامة أجيالنا وبلداننا من كل ما يتهدّدها من عوامل النقص والضعف، فيدرسوا هذه الظواهر السلبية بجدّية أكثر ويستخدموا كل الوسائل المتاحة فكرياً وإعلامياً، وعلى أرض الواقع حيث توجد محاضن استهداف الشباب واستقطابهم لهذه التوجّهات المدمّرة، من أجل إنقاذهم وحمايتهم منها.

ولا يسعنا في هذا المجال إلّا أن نشدَّ على أيدي الشباب والشابات المخلصين الداعين التائبين، وهم باتوا كُثراً والحمد لله تعالى، فهمْ في طليعة من يُعتمد عليهم في خوض هذه المواجهة مع الباطل وأهله وفي الانتصار للحق وأهله.

ومع اقتراب موسم أداء فريضة الحجّ إلى بيت الله تبارك وتعالى والمشاعر المقدّسة، فإننا نرفع أكُفّ الدعاء لله سبحانه، كي يسهّل أمرهم ويحفظ أمنهم ويتقبّل طاعاتهم، وأن يديم على أمتنا الخير والبركة وعزّة الإيمان والأوطان.

نور الإسلام

إغلاق