أعلام وشخصيات

السيّد هاشم معروف الحسني … حياة حافلة بالعلم والعطاء

257-258

بقلم: د. يحيى شامي

 

من الأعلام الذين عرفتهم، وكانوا يتناوبون زيارة المغفور له آية الله حجة الإسلام السيد عبد الرؤوف فضل الله في دارته القائمة وسط بنت جبيل، في ستينيات القرن الفائت، قاضي بنت جبيل الشرعي المرحوم السيّد هاشم معروف الحسني.. وكم كان إعجابي بهذا الرجل كبيراً حينما كنت أسترق إليه السمع وهو يخوض مع حجة الإسلام في حديث العدل والتوحيد والقدر والقضاء، وما يقوله الشيعة بهذا الخصوص، وما يقوله المعتزلة والأشاعرة، وسواهما من الفرق الكلامية الإسلامية.. كان إعجابي به كبيراً لأنه كان يصدر عن نفسٍ مؤمنة، ويقينٍ ثابت، وذهنٍ نيّرٍ ثاقبِ منفتح، وزاد من إعجابي به أنّ حجة الإسلام، وهو الذي كان ينظر بعين الريبة إلى قضاة الشرع ــ من كان منهم، متهماً في سلوكه واجتهاده وعلمه ــ كان يرتاحُ إليه، ويثني عليه، ويُطري فهمه وعلمه وعقله ودينه، ما جعلني أقفو أثر هذا القاضي، أتبعه في مجالسه ومحاضراته ومذاكراته ومكاتباته ومؤلفاته. فمَن هو هذا الرجل الذي هو محطّ أنظار الثقاة من العلماء، والذي يُعدّ بحقّ واسطة العِقد في قلادة قضاة الشرع أولي الفطنة والنباهة والذكاء؟

هو السيّد هاشم بن السيّد معروف الحسني، من الأشراف السادة.. وُلد في قرية جتاثا من أعمال صور، حاضرة بلاد عاملة، في سنة 1919م، وكان أبوه من أهل الفضل والعلم، ومن ذوي الأملاك ويُسر الحال، فرعاه أحسن رعاية، واهتم به أحسن اهتمام، مصطنعاً إياه لنفسه ليكون قرة عين له في العلم، وهذا ما حصل بالفعل، إذ ما إن تلقى على يديه مبادئ العلوم الدينية والفقهية، فأحس الوالد منه نبوغاً، حتى أرسله به إلى النجف حاضرة العلوم الدينية، ليهصر من أغصان دوحة جامعتها الباسقة أفانين مثقلة بأشهى ثمار العلم والمعرفة، فكان المجلّي بين أقرانه، محرزاً قصب السبق في ميدان العلوم النقلية والعقلية والدينية، ما جعله موضع إكبار أساتذته وعارفيه، وعلماً من أعلام الفكر، وقطباً من أقطاب الحلقات العلمية، والمجالس الأدبية، والندوات الفكرية. ولما أن استوى عوده، وعلا كعبه، وعركته الأمور، اشتدَّ به الحنين إلى الوطن الأمّ، فرجع إليه حاملاً معه زاداً من القيم الخلقية، والعلوم الدينية التي راح يبثها، كعالم دينٍ، في صفوف الناشئة وكبار السن من العامليين، فكان موضع احترام وتقدير الأوساط العلمية والاجتماعية، نائياً بنفسه عن الخوض في السياسة، لكن هذا وحده لا يكفي، ولا يؤمّن عيشاً كريماً لرجل دين عفّ عن التماس صدقات المؤمنين، وجلُّهم من الفلاحين والكادحين، ما اضطرّه إلى الانخراط في سلك القضاء الشرعي الجعفري، ولا أدري أيّهما كان به أسعد، القضاء الذي شرّفه السيد في الانخراط في سلكه، أم عالم الفكر الذي ولج السيّد بابه، فوجد فيه ضالته المنشودة إذ انصرف وهو في قمّة العمل والعطاء الوظيفي، إلى التعمق في الدراسة القانونية، والمسائل الشرعية، والأحكام الفقهية، والمبادئ الدينية والفلسفية والكلامية، ضاق بها صدره، فأرسلها فيضاً من المؤلفات التي أغنت المكتبة الإسلامية، وهي: عقيدة الشيعة الإمامية، ودراسات في الكافي والصحيح، والموضوعات في الآثار والأخبار، والمسؤولية الجزائية في الفقه الجعفري، والشيعة بين الأشاعرة والمعتزلة.

وهذا الأخير يعتبر جماع مؤلفات السيّد، ضمّنه ردوداً وافية مستفيضة مدعومة بالحجّة والبرهان والدليل العقلي والنقلي، تدحض حجّة من زعم أنّ مذهب الشيعة الإمامية إنما هو مستنسخ أو شبه مستنسخ عن مذهب المعتزلة.. والمعتزلة، كما نعلم، حركة نشأت في أواسط العصر الأموي على يد واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، إثر الخلاف القائم بينهما وبين الحسن البصري حول مصير مُرتكب الكبيرة. وتعدُّ المعتزلة من أهم الفرق الكلامية الإسلامية، إذ تجمّعت فيها(1) حصيلة الآراء التي دار حولها الجدل بين الجبرية والقدرية والمرجئة. وإنّ من أهم مبادئها اعتماد العقل في المسائل الدينية، وتأويل النص الديني بحسب المدلول العقلي، وتنزيه الله عن الصفات الجسمانية، والقول بالعدل، بمعنى أن الله لا يخلق أفعال العباد الذين هم مسؤولون عن أعمالهم وأفعالهم، والقول بالتوحيد، بمعنى أن الله هو خالق الأعراض والجواهر، وأنه هو واجب الوجود(2)، وهي أمور تتفق إجمالاً وما ذهب إليه الشيعة.. ثم إن المعتزلة كانت مقدّمة للحركة الفكرية التي عقبتها وتعرف باسم الأشعرية، نسبة إلى أبي حسن الأشعري، وهي فرقة كلامية خالفت المعتزلة في الكثير من آرائها فقالت بأنّ الله يعلم كل ما في الكون بعلمٍ مباشر، وأنّ القرآن كلام الله الأزلي، وأنّ رؤية الله في الآخرة ليست بالأمر المحال، وأنّ أفعال العباد كلها مخلوقة، والله هو الذي خلقها، وأنّ الخير والشرّ وليد المشيئة الإلهية يثبتهما الشرع، فهما ليسا اعتبارين ذاتيّين يُثبتهما العقل كما ذهب إليه المعتزلة(3).

والذي يهمّنا، بهذا الخصوص، هو أنّ السيّد 5، في كتابه هذا الذي أطلقنا عليه صفة جماع كتبه، ردّ مقولة الفريقين التي لا تنسجم ومقولة الشيعة المأخوذة عن النبيّ وأهل بيت العصمة، داحضاً حجج الفريقين مبيّناً أن الشيعة الإمامية لم تأخذ مذهبها الكلامي عن المعتزلة، وإنما نشأ الكلام الإمامي أوّل ما نشأ حول الإمامة التي هي عندهم إمامة إلهيّة، هذا ما يوضّح الخلاف بينهم وبين سائر الفرق الكلامية، ثم إنّ هذا الخلاف تجاوز الإمامة، ليمتدّ إلى غير ذلك من المسائل التي منها مسألة الجبر والتفويض، والتشبيه، والتجسيم.. إلخ وغير ذلك ممّا بحثه علماء الشيعة من قبل، فكان السيد هاشم امتداداً لهم، وبخاصة للشيخ المفيد (ت 413هـ) صاحب المؤلفات ذات الصلة بالموضوع عينه، وإنّ منها كتبه التالية:

ــ أوائل المقالات في المذاهب المختارات.

ــ الحكايات في مخالفات المعتزلة من العدلية والفرق بينهم وبين الشيعة الإمامية.

ــ نقض فضيلة المعتزلة.

ــ الإفصاح في الإمامة..

إنّ مؤلفات السيّد، وبخاصة (تاريخ الفقه الجعفري) و(المبادئ العامة للفقه الجعفري) لها فضل على الفقه الجعفري قد لا يُنسى لعقود طويلة لجهة إظهار دقائقه، وتبيان معالمه، والكشف عن تفاصيله، كما أنّ لها فضل آخر لا سيما كتابه (عقيدة الشيعة الإمامية)، لجهة إثبات أحقيتها، والتدليل عليها، والردّ على خصومها.

هذا في الفقه والإمامة، أما في علم الحديث، وتبيان صحيحه من سقيمه، وغثّه من سمينه، فإنّ للسيّد فيه كتابين اثنين هما: (دراسات في الكافي والصحيح) و(الموضوعات في الآثار والأخبار).. وأما في القضاء، وفي التشريع، وبخاصة في التشريع الجنائي والمدني، فله كتابان اثنان، الأول (نظرية العقد في الفقه المقارن)، وهو مختصٌّ بالتشريعِ المدني، والثاني عنوانه (المسؤولية الجزائية في الفقه الجعفري)، سدّ به نقصاً كانت تشكو منه مكتبة الفقه الإسلامي الجعفري، إذ هو عرض في هذا الكتاب، بأسلوب جديد يضع المعنى في متناول القارئ بسهولة ويسر بعيداً عن تكلف الجهد في التفكير، وعناء فهم المصطلحات والتراكيب، عرض النواحي الجنائية في الفقه الجعفري، مقارناً أكثر مواضيعه بالفقه الوضعي، وفقه المذاهب الأربعة.. كل هذا عرض له بأسلوب يتناسب وروح العصر، مبرزاً غنى هذا الجانب من الفقه بكل ما فيه من آراء ونظريات، كاشفاً زيف الأسطورة القائلة بأنّ القسمين المدني والجنائي من هذا الفقه ــ والكلام هنا للسيد كما جاء في مقدمة الكتاب ــ لا يصلحان لهذا العصر، ولا يبلغان مستوى القوانين الوضعية بعد أن بلغت مرحلتها الأخيرة من مراحل كمالها وتطورها.

ختاماً، وبعد أن مرّ نيفٌ وعشرون عاماً على وفاة علاّمتنا الجليل ــ انتقل إلى رحمته تعالى سنة 1983، ما أحرانا أن نعود إليه، مستذكرين شذى سيرته العطرة، ونبوغه العلمي الملوّن بمداد حروفه وكلماته.

 

 


المصادر:

(1)  انظر: اليازجي، كمال وكرم انطوان في أعلام الفلسفة العربية، ص 126 ــ 146، ط1، لجنة التأليف المدرسي، بيروت.

(2) مشكور، محمد جواد، موسوعة الفرق الإسلامية، ص 109 و474، مجمع البحوث الإسلامية ط1، بيروت.

(3)  موسوعة الفرق الإسلامية ص 112 ــ 113.

(4) الحسني، هاشم معروف: المسؤولية الجزائية في الفقه الجعفري، ص 106، المطبعة الحديثة، صور.

إغلاق