الافتتاحية

نداء الحسين (ع) في كربلاء ما يزال يدّوي

257-258

 

كلما اقتربت الذكرى السنوية لنهضة أبي الأحرار الإمام الحسين بن علي (ع) وملحمة عاشوراء الخالدة، تتحفّز النفوس المؤمنة الأبية أكثر فأكثر ويتسارع خفقان القلوب العاشقة لأنوار أهل بيت النبوة (ع) استعداداً لاستقبال هذه المناسبة، الحاضرة أبداً في مشاعرهم وتفكيرهم، استقبالاً يليق بجلالها وبعظمة ومكانة رائدها وعنوانها ريحانة النبي الأكرم (ص)، كما يتناسب مع وهج جذوتها الساطعة كمنارة شامخة، تدلُّ بوضوحٍ على طريق الهدى والحياة الحرّة الكريمة، التي أرادتها رسالة الإسلام الخاتمة.

ولأن هذه المناسبة تتميّز عن غيرها من المحطات والوقائع الكثيرة التي مرّت في التاريخ الإسلامي، من حيث الدوافع والأهمية والأثر، فقد أُريد لها منذ البداية أن تبقى حيّة وباعثة ومحرّكة للعقول والقلوب. وهذا عين ما وجّه إليه الرسول الأعظم (ص) حتى قبل أن تحدث الواقعة الفاجعة، عندما أخبر نقلاً عن الروح الأمين بعض تفاصيل ما سيحدث لسبطه وصحبه الأبرار على صعيد كربلاء. وإظهاراً لحزنه وأهل بيته الأطهار ودعوةً للاقتداء به، أقام أول مجلس عزاء ومأتمٍ لحفيده الحسين (ع) وهو ما يزال طفلاً بين يديه، كما أطلق قولته الشريفة: «إنّ لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لن تبرد أبداً».

والاستقبال اللائق لهذه الذكرى مع الحرص على إقامة شعائرها المميزة، يتطلّب أولاً قدراً من التهيؤ النفسي والروحي يمكّن المؤمنين من فهم منطلقات الثورة الحسينية ومجرياتها فهماً حقيقياً، ومن استيعاب مفاهيمها ودروسها التي لا تنضب، ومن ثم التماهي مع قيمها وأهدافها التي ستبقى محل امتحان دائم للأجيال، في إقامة الحق والعدل على الأُسس التي ارتضاها الله تعالى ورسوله (ص)، وصدّقها عملياً المولى سيد الشهداء (ع) وأصحابه الميامين.

وهذا يعني أن لا تستعاد عاشوراء وما يتّصل بها بصورة احتفالية مفجعة فقط، كما يفعل البعض، مع أهمية ذلك وضرورة ديمومته وتفعيله، بل يجب استحضار هذه الواقعة واستنطاقها ومعايشتها كأنها حادثة حيّة وقعت للتو، والحسين (ع) ما يزال منظوراً واقفاً بين الصفوف، يفرق بين الحق والباطل وينادي أين أنصاري إلى الله تعالى.. هل من ناصرٍ ينصرنا؟! ولا يستطيع تلبية نداء الحسين (ع) الرباني هذا، إلا من امتحن نفسه بمقاييس أصحاب الحسين (ع) وجاهدها الجهاد الأكبر ومحضه الولاء الصادق، ليمضي من ثم تحت لوائه إلى الجهاد الأكبر دفاعاً عن الحق وبسطاً للعدل.. وما أحوجنا في هذه الأيام الحالكة، التي تتظافر فيها أمواج الإنحلال الفكري والخلقي مع تحكّم الفساد الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، إلى جانب ضروب الفتن والأطماع الدولية، وصولاً إلى الهجمة التكفيرية الأموية الوحشية المتعاظمة وما تجرّه من ويلات وآثام كبرى.. ما أحوجنا إلى هذه التلبية الصادقة المتبصرة للنداء الحسيني المستمر، لمواجهة كل هذه الآفات والاستهدافات الخطيرة.

ولعلّ هذا حقيقة ما يجسّده ويقوم به اليوم، الرجال الحسينيون الصادقون المضحّون، الذين يلبون نداء المرجعيات الدينية الرشيدة واستغاثات المتألمين، من أجل وضع حدٍ لاستفحال هذا الشرّ الأسود المتمادي، وإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح.

«السلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين»

إغلاق