أعلام وشخصيات

ملامح من شخصية المرجع الكبير السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم (قدّس سرّه)*

259-260

 

الذي رحل اليوم .. أكبر من سنوات وألقاب
رحل تاريخٌ لم يروَ حق روايته .. ورجل لم يُحكَ حق حكايته
رجل أثخنته الجراح مذ عاهد الحسين وارتبط بروح كربلاء..
وعجز الدهر أن يكسر شوكته بكل أنواع البلاء..

نعزّي مولانا صاحب العصر والزمان(عليه السلام)، والمراجع العظام (أيّدهم الله) وجميع المؤمنين في فقد المرجع الديني الكبير السيد محمد سعيد الحكيم (قدِّس سرّه)، فإنّه كان مصداقاً جليّاً وواضحاً لرواية الإمام الهادي(عليه السلام)، فقد كان مبيناً للعقيدة، وموضحاً لبراهينها وأدلّة معارف الدين، ودافعاً للشبهات والإشكالات بدقة وعمق، فكان بحقٍّ فقيه أهل البيت(عليهم السلام) كما عبّر عنه المرجع الديني الكبير السيد علي السيستاني(دام ظله) في تأبينه له. فهو الذي نذر نفسه الشريفة لنصرة الدين والمذهب، وكرَّس حياته لخدمة العلم و أهله.

وإنّ لشخصيته جملة من الصفات الفاضلة، والسجايا الحميدة، والخصال المحمودة، كما كانت سيرته العَطرة مدرسة للعقل والقلب، فالعظماء يشكّلون خريطة عمل ومنهج حياة لمن أراد أن يلقى الله تعالى بقلب سليم وعمل مستقيم.

وهنا سوف نحاول ذكر بعض الأمور التي تضمنتها شخصية هذا الرجل العظيم بكلّ ما تحويه الكلمة من المعنى .

🔹الفقاهة المستقلة والمتفردة

لقد كان الفقيد فقيه أهل البيت(عليهم السلام)، وكان في فقهه متميزاً بالاستقلالية، فلم يكن متأثراً بغيره من الأعلام بنحو يكون تابعاً ومتبنياً لأفكاره وطريقة بحثه في مجمل نتاجه، وإنّما كان نسراً محلّقاً في سماء العلم فارداً جناحيه يتنقل بين شموس المعرفة، ويقف في الوسط حيث لا تغلب عليه جاذبية شمس على جاذبية أخرى، وبهذا توهجت شمسه بين الشموس على مسافة متساوية، والمطلعون على نتاجه والحاضرون في مجلس درسه ومناقشاته يدركون هذه الحقيقة بجلاء، وشواهدها كثيرة في جميع كتبه.

وإنّ لهذه الاستقلالية أسباباً كثيرة:

١-منها: ما يمتلكه من ذكاء حاد مفرط، وعقلية وقّادة، فقد جاء في كتاب (لمحة موجزة من حياة المرجع الديني الكبير السيد محمد سعيد الحكيم رحمه الله) في ص 25 أنّ آية الله السيد مفتي الشيعة(رحمه الله) قال:(كان السيد الحكيم أصغرنا سناً في درس الشيخ – الشيخ حسين الحلي(قدِّس سرّه) – ولكنّه كان المبادر والأكثر مناقشة له، فكنا نتعجّب من سرعة استيعابه لمطالب الأستاذ، وقيامه بمناقشته)، كما جاء في الكتاب نفسه في ص 24 (ومن حيث تعرفنا على النشأة العالية التي تمتّع بها سيدنا المترجَم له، والرعاية المتميّزة من قبل والده الكريم، وما أحاط الإمام الراحل السيد المحسن الحكيم (قدِّس سرّه) به سبطه الأكبر سيدنا (دام ظله)من الاهتمام، حيث أدرك فيه النبوغ المبكر، والاستعداد الذهني، وما صدرت من آيات الثناء في حقه، تعبيراً عما يعقد عليه من آمال، وبما يحقق نبوءته في شخصيته العلمية، وبلوغه مراقي الكمال والنشاط العلمي، ولذلك فقد عهد إليه مراجعة مسودّات موسوعته الفقهية (مستمسك العروة الوثقى) استعداداً لطباعته، فقام بذلك خير قيام، وكان يراجعه في بعض المطالب فيجري بينهما التباحث والمناقشة، الأمر الذي اكتشف فيه الإمام الراحل السيد الحكيم (قدِّس سرّه) ما عليه سبطه من تفوّق علمي فطلب منه مراجعة بعض الأجزاء المطبوعة منها).

وقد كانت وفاة السيد محسن الحكيم(رحمه الله) سنة 1390هـ وكان عمر السيد محمد سعيد الحكيم (رحمه الله) عندئذ 36 سنة تقريباً، إلا أنّ نبوغه المبكر جعل فقيه عصره يطلب منه مراجعة ما طُبع من كتابه النفيس، مع أنّ المطبوع تمّت مراجعته إلى حد القناعة بالطبع، وما ذاك إلا لوجود ما يمكن أن يشكّل أضافة عند هذا الشاب الفتي بسبب ما يملك من عبقرية مبكرة.

٢- ومنها: وقوفه (قدِّس سرّه) على أهم المدارس العلمية في النجف الأشرف، فقد تتلمذ عند جدّه المرجع الأعلى السيد محسن الحكيم(قده) وهو متأثر كثيراً بمدرسة المحقق العراقي(قده)، كما أنه كان تلميذاً للمحقق النائيني(قده)، وتتلمذ- أيضاً -عند آية الله الشيخ حسين الحلي(قده)، وهو من ألسنة المحقق النائيني (قده) الناطقة، وتتلمذ عند المرجع الأعلى السيد الخوئي(قده) مدة سنتين في الأصول، وهو مجمع للمدارس الثلاث (مدرسة المحقق النائيني، المحقق الأصفهاني، المحقق العراقي)، وتتلمذ عند والده آية الله السيد محمد علي الحكيم (قده)، وكان تلميذاً للمحقق الأصفهاني(قده)، وكانت علاقة والده بآية الله الشيخ محمد طاهر آل الشيخ راضي(قده) قوية جدّاً، فكان سماحة السيد يلازم المجلس العلمي للشيخ آل راضي، وقد كان مجمعاً للمدارس الثلاث، وبهذا وغيره صار السيد محمد سعيد الحكيم (رحمه الله)، واقفاً على أهم المدارس بعمق، بواسطة روادها، ومكتسباً لملكات جملة من المحققين البارعين، فأخذ من جدّه ومن المحقق الخوئي التفكير الرياضي، وطريقة الجزم وعدم التردّد، والاختزال وعدم الاسهاب والاسترسال، كما أخذ من الشيخ الحلي والشيخ آل راضي القدرة الفائقة على تحليل آراء الأعلام وتوضيحها.

لقد كان تقلّبه الفاحص بين نتاجات الباحثين سبباً قويّاً لكسب القدرة على المقارنة والمحاكمة والإبرام والنقض، وشُفِع هذا بولعه(رحمه الله) بالتتبع، ومتابعة المسائل في جميع الكتب المتاحة لا سيما كتب المتقدمين، فهو في تحضيره يضع أمامه صفاً أو أكثر من الكتب، ويتنقل بينهما حتى يأتي عند آخرها، ولا يكتفي بالتعويل على المنقول والمحكي، أو ما يقرر في توضيح رأي عالم كان يجد سبيلاً إلى نص كلامه.

٣- ومنها: حافظته القوية، وقدرته الفائقة على الاستذكار، واستحضار النصوص، والشواهد، والأشباه، والنظائر، وهذا أمر يدركه كل من جلس معه حتى من غير طلاب العلوم الدينية، فإنه إذا تحدث في الأخلاق أتى بنصوص مختلفة، وبنقل دقيق وعن أكثر من معصوم في نقطة بحثه، وإذا تناول شأناً يرتبط بالنهضة الحسينية تحسبه خطيباً مُجيداً أفنى عمره في حفظ تاريخ، ونصوص، وشواهد، وأشعار النهضة المباركة، وكذلك الأمر في التاريخ، وبطبيعة الحال في الفقه والأصول والرجال، والعقيدة والكلام والتفسير لكون هذه المواد مجال عمله طيلة عمره الشريف.

٤- حرصه الشديد على استثمار كل وقته ما استطاع في الدرس والتدريس، والبحث، والتحقيق، والتنقيب، والتدقيق، فقد درّس أكثر من مرة كتب السطوح العالية، وله عليها تعليقات رشيقة منها (التنقيح) على رسائل الشيخ الأعظم.

وبدأ بتدريس البحث الخارج سنة 1388هـ وعمره 34 سنة، واستمر قرابة 56 سنة، ولم ينقطع عن الدرس حتى في سجنه، فقد جاء في (لمحة موجزة) ص 40: (ومنذ الفترة الأولى من انتهاء التحقيق في مديرية الأمن العامة في بغداد تكيّف سماحته مع جوّ الاعتقال، وكان يؤكد على باقي المعتقلين باستمرار على أهمية التسليم لله تعالى وإيكال الأمر إليه وتقوية العزيمة والصبر، رافضاً كل فكرة للمساومة والتنازل للسلطة، كما بدأ بدرس في تفسير القرآن الكريم ـ رغم عدم وجود أي مصدر سوى مصحف صغير متآكل ـ إلاّ أنّ عملاء السلطة احسّوا بالدرس وفتحوا تحقيقاً حول الموضوع علماً أن التثقيف الديني داخل السجن حُكمه الإعدام لدى نظام الطاغية صدام، فاضطرّ لترك الدرس المذكور، إلاّ ان مجالس المناقشة العلمية ـ السّرية طبعاًـ بقيت.

كما تصدى سماحته لإحياء المناسبات الدينية من خلال المحاضرات، وتحفيظ بعض شباب الأُسرة القصائد الدينية التي كان يحفظها في ذاكرته ليلقوها – بسّرية – في تلك المجالس التي كانت تقام بسرّية تامة بعيداً عن مراقبة أعوان السلطة… وفي الشهر الثالث من عام 1985م نقلت السلطة المعتقلين من السادة آل الحكيم من معتقل مديرية الأمن العامة في بغداد إلى الأقسام المغلقة التابعة لقسم الأحكام الخاصة في سجن أبي غريب، بعد أن أعدموا منهم 16 شهيداً خلال وجبتين، وادخلوهم إلى ما يسمى “ق 2” وجمعوهم في غرفتين مستقلتين مقفلتين بحيث لا يمكن لأية مجموعة الالتقاء ورؤية المجموعة الأخرى.

ورغم الظروف المعيشية القاسية في هذه الأقسام المغلقة -والتي لا مجال لشرحها هنا – إلاّ أنها من ناحية أخرى فتحت مجالاً رحباً نسبياً للنشاط العلمي والتربوي والتثقيفي للسادة آل الحكيم بسبب كثرة عدد السجناء واهتماماتهم الدينية والثقافية، بالإضافة إلى ابتعاد السجن عن رقابة السلطة نسبياً، بسبب قلة تردد عناصر جهاز الأمن وحذرهم من عدوى مرض التدرن المنتشره بين السجناء، حتى كان بعضهم يلبس الكمامات عند دخوله إلى السجن.

وقد منح كلّ ذلك فرصة للسيد الحكيم لمزيد من النشاط العلمي والتربوي والاجتماعي داخل السجن.

🔹النشاط العلمي والثقافي

تنوع نشاط سماحته بين تدريس فضلاء السادة خاصة انّ العديد من المعتقلين من السادة آل الحكيم كانوا طلاّب درسه – البحث الخارج – قبل الاعتقال فابتدأ سماحته درسين على مستوى البحث الخارج أحدهما في الفقه والآخر في علم الأصول.

كما اهتم سماحته بإحياء المناسبات الدينية بإلقاء المحاضرات الثقافية العامة التي كان لها تأثير كبير في تلك الظروف القاسية، وكذلك تصديه للإجابة على المسائل العلمية المتنوعة.

وكان من ضمن النشاط العلمي تأليف عدد من الكتب المتنوعة نذكر منها:

  1. دورة في تهذيب علم الأصول، حيث أكملها بعد الاعتقال وطُبعت بعنوان “الكافي في الأصول”.
  2. كتاب الخمس، وهو كتاب فقهي استدلالي، يتضمن جانباً من البحوث الفقهية التي درّسها في السجن.
  3. كتاب في مباحث الأصول العملية، ألفّه اعتماداً على ذاكرته، لكنه أُتلِف خشية عثور السلطات الأمنية عليه عند قيامها بتفتيش السجن.
  4. كتاب في سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) : كتبه اعتماداً على ذاكرته ليكون مرجعاً لمحاضرات ثقافية إسلامية حيث لم يكن هناك أي مصدر. لكن هذا الكتاب أُتلف أيضاً بعد أن تسربت أخبار عن قيام السلطات الأمنية بتفتيش السجن، حيث كان العثور على أي كتاب -بل أية قصاصة ورقية – تعرّض صاحبها للإعدام حسب قوانين الطاغية.( ننوّه أن بعض هذه الكتب قد كتبت على أوراق علب السجائر، التي كان لطريقة تهيئتها وتوفير الأقلام التي يكتب بها قصة طويلة لا يسعها المجال هنا).

وقد كتب سماحته (رحمه الله) في خاتمة كتاب الخمس ص 433: (وقد قدر لنا تحرير أكثر هذا الكتاب في السجن، كما قدر لنا أن تكون ملاحظته وإعادة النظر فيه في ظروف مشابهة للسجن في قلة المصادر المتيسرة)، ولما أجرى عملية في عينه يوم الخميس، كما نقل عن بعض حضّار درسه الشريف. درّس يوم السبت وعينه محمرة كأنها قطعة دم، وبهذا استطاع (رحمه الله) أن يجعل ذاته الشريفة شمساً من شموس المعرفة في حوزة النجف الأشرف والعالم الإسلامي، وصار متميزاً في عصر يتحدى فيه التميز الأذكياء؛ لكثرة رواد العلم، ومساهمات العباقرة، وإن في قول المرجع الكبير السيد علي السيستاني(حفظه الله) في حقه:( لقد خسرت الحوزة العلمية في النجف الأشرف بفقده أحد أعلامها وفقهائها البارزين، الذي نذر نفسه الشريفة لنصرة الدين والمذهب، وكرّس حياته المباركة لخدمة العلم وأهله، وخلّف تراثاً علمياً جليلاً يحظى بمكانة سامية)؛ دلالة واضحة على أنّ السيد الحكيم(قده) كسر قاعدة (ذهب عصر التأليف وجاء عصر التجميع)، فجاد يراعه بتراث جليل، له مكانة سامية في نظر عالم متميز في علمه ومنهجه، وهو الفقيه الكبير السيستاني(دام ظله).

🔹تعدّد الملكات العلمية واختلاف نشاطه الفكري

فلم يتمحض دوره الرّسالي في الفقه والأصول وعلومهما، فلقد أعاد ما كان عليه سلفنا الصالح من تصدي الطبقة الأولى أولاً لبيان المعتقد ورد الشبهات والتيارات المنحرفة، والمذاهب الباطلة، فمن يراجع تاريخ المصنفات الإمامية يقف بجلاء على تصدي الطبقة الأولى من العلماء لمسائل العقيدة والمعارف قبل غيرهم، فالفضل بن شاذان -وهو من تلامذة الإمام الجواد (عليه السلام) ووجه الشيعة في زمانه- تصدى لبيان المعتقد ورد شبهات المنحرفين.

ومثله محمّدٌ بن عيسى بن عُبيد بن يقطين.

ووالد الشيخ الصدوق(رحمه الله) كتب الإمامة والتبصرة من الحيرة، ورد فيه على المخالفين والزيدية.

وولده الصدوق(ره) كتب (إكمال الدين وإتمام النعمة)، والشيخ المفيد والسيد المرتضى (رحمهما الله) كتبا عدة كتب للرد على المعتزلة وغيرهم، واستمر الحال إلى زمن الخواجة نصير الدين الطوسي(ره)، والعلامة الحلي (ره)، وكان البلاء بغلبة الأشاعرة وشبهاتهم، وتصدى العلمان لذلك، والعلامة الحلي في زمانه فقيه الشيعة الأول، وحتى الشيخ الكبير كاشف الغطاء (رحمه الله) وهو فقيه أهل البيت(عليهم السلام) والأبرز في زمانه كتب كتاب (منهج الرشاد لمن أراد السداد) للرد على التيار الحادث في زمانه والمفرخ للشبهات المختلفة في عدة قضايا.

وعلى هذا النهج كان سيدنا المعظّم (رحمه الله)، فقد أعطى مع تخصصه الفقهي مساحة واسعة من وقته لتطوير قلمه وخطابه، ومتابعة الأطروحات الوافدة والتيارات المنحرفة، وتأصيل العقيدة والمعارف، ودفع الشبهات عنها، وقد كان في فترة انتشار المد الشيوعي والاشتراكي في العراق متصدياًّ بقوة للدفاع عن الإسلام، وبيان الحقيقة، ورد الشبهات، فقد جاء في (لمحة موجزة) ص 32:(منذ أن انتمى سماحة السيد الحكيم في بداية سني حياته للحوزة العلمية عايش التحديات التي تواجهها الأمة الإسلامية ووعى مسؤولية علماء الدين وتصديّهم للتيارات المنحرفة الوافدة والأنظمة الدكتاتورية المتعاقبة. فبدأ بتحمّل تلك المسؤولية من خلال الجلسات والحوارات المستمرة في الأندية العلمية النجفية التي كانت تزخر بها النجف الأشرف آنذاك حيث كان يطرح الرؤى الأصيلة الواعية، وإبان المدّ الشيوعي العارم في العراق المدعوم من جانب الاتحاد السوفيتي السابق تعاون سماحته مع(جماعة العلماء) التي كان يرعاها جدّه مرجع الطائفة الراحل السيد محسن الحكيم(رحمه الله) فكانوا يستعينون بسماحته لنشر البيانات الصادرة منهم، لمِا عُرف عنه من شجاعة وإقدام.

وبعد استيلاء الديكتاتور عبد السلام عارف على الحكم في العراق عام 1963م ومحاولته فرض القوانين الاشتراكية تصدت مرجعية المرجع الأعلى السيد محسن الحكيم (رضوان الله عليه) والحوزة العلمية بعلمائها وفضلائها لمحاولة السلطة الغاشمة، وكان سماحة سيدنا المترجم له من جملة الموقّعين على الرسالة الاستنكارية الرافضة لفرض الاشتراكية وقوانينها على العراق والموجهة إلى الدكتاتور عبد السلام عارف.

وبعد استيلاء عصابة البعث على الحكم في العراق والبدء بعمليات الاعتقال والقتل والإعدام بحجج واهية وكاذبة بهدف ترويع المواطنين والسيطرة على مقدّرات الامة، وفي وقت لم يستوعب الكثيرون نوايا الطغمة الحاكمة وخططهم كان سماحته يحذر من البداية من خلال الجلسات والحوارات من الانجراف والتأثر بإعلامهم ودعاياتهم ويحّذر منهم ومن مخططاتهم. وقد أشاد -فيما بعد -العديد من فضلاء الحوزة العلمية والمثقفين بموقف السيد الحكيم (مد ظله) وتحذيراته في تلك الفترة ودقة تحليله.

ومن هنا نجد أن حكومة البعث فرضت منع السفر على سماحته منذ أوائل تسلطها على العراق عام 1968م. وقد استمر منع السفر سارياً ولم يرفع إلاّ بحدود عام 1974م حيث سمح له بالسفر لحج بيت الله الحرام، وبعد فترة عاود قرار منع السفر والمراقبة الشديدة ليستمر إلى باقي سنوات حكمهم العجاف.

وقد تنوعت نشاطات سماحته التبليغية في العقيدة والمعارف والشؤون الفكرية المختلفة، فقد كتب في العقيدة عدة كتب، ومن أهم ما جادت به يراعه المبارك في العقيدة كتابيه الشهيرين (في رحاب العقيدة) و (فاجعة الطف ) فكان كل منهما سفرا قيما طرح طرح فيه رؤى مبتكرة ونكات عقائدية غير مسبوقة تكشف عن تبحر سماحته (رحمه الله) في علم العقيدة والكلام، والتاريخ، والرجال، والتفسير، واللغة، وطرق الاستدلال وكيفية بيان مواطن الخلل في الشبهات والإشكالات، وفيه من الوجوه العلمية التي تفرد بها، وكل ذلك كان بعبارات رصينة دقيقة، وجميلة جذابه تسحر القارئ في عذوبتها، وتبهره في دقتها وعمقها.

🔹أهمية تراثه في الشؤون الفكرية

كما كتب في الشؤون الفكرية والتوجيه العام وقدم رسائل خاصة، وفي أجوبته النفيسة عن الاستفتاءات عالج أموراً فكرية ملحة، فكتب مخاطباً المغتربين والمبلغين، وتحدث عن دور المرجعة، وتناول جهاتها المختلفة بعقلانية عالية ومتانة علمية، وإن كل جملة يكتبها تشتمل على حدود الدقة وسلامة المعنى، وثرائه، ومما تأسف له النفس عدم تفاعل الشباب بالنحو المناسب مع التراث التبليغي لهذا الرجل العظيم، فإنه تراثه لا يشتمل على أي انهزامية فكرية، أو تطويع لمعارف الدين لتكون منسجمة مع الأطروحات الوافدة، ولو بهدف تسويق الإسلام أو الدفاع عنه، وإنما هو ينطلق من أصالة إسلامية، فلقد قال ذات يوم: “إن من الأمور الخطيرة أن نشوّه الإسلام، فنعرضه على صورة أخرى لكي يقتنع بنا الآخر، من الواجب علينا أن نعرض الإسلام كما هو، ونبيّن أحكامه كما هي، دون أن ننكر ثوابته”.

🔹معالجته لفائدة الغيبة

وللمقدس السيد الحكيم معالجات دقيقة وجميلة يتميز به ، منها ما كان يذكره في مجالس المذاكرات عن وجه الحكمة التي يمكن أن تكون لغيبة الإمام المنتظر (عجل الله فرجه الشريف) إذ أن إقامة دولة العدل الموعودة التي تكون على يديه ‏مرهونة بظروف خاصة ولها زمانها المحدد الذي لا يعلمه الا الله سبحانه وتعالى …

ولقد طال إنتظارها طيلة هذه القرون ولربما ستطول ويمتد الزمان ولم يحن وقتها بعد …

فلو أن الإمام (عليه السلام) كان مع الناس ويعيش بين ظهرانيهم خلال هذه المدة المديدة مع اختلاف  ظروفها وتقلب الأحوال فيها لتعرض مباشرة من  المؤمنين إلى المطالبة بالقيام وتعجيل الفرج نتيجة قساوة المحن وشدة الفتن التي يمرون بها أو لتوقعهم وجود الأنصار الذين يمكن من خلالهم تحقيق الهدف المنشود. ومن الطبيعي أن لا يعرف الناس الظروف المناسبة لموعد قيامه (عجل الله تعالى فرجه الشريف) ويخفى عليهم وجه الحكمة من صبره فلا يتحملوا الانتظار وطول مدته وعندها يلقون باللائمة على شخص الإمام المعصوم (صلوات الله عليه) ويضعف الدين في أنفسهم

بينما لو لم يكن هو صلوات الله ‏في واجهة الأحداث وقام العلماء بما يرونه تكليفا عليهم بحسب اجتهاداتهم كانت الآثار السلبية على غير المعصوم وكان من أدى الوظيفة الشرعية معذورا مادام قد بذل جهده في تشخيص وظيفته.

🔹اهتمامه بالشعائر الدينية

لقد أولى اهتمامهاً بالغاً بالشعائر الدينية لاسيما شعائر سيد الشهداء (عليه السلام)، فقد كان منصهراً في الحسين (عليه السلام)، وفي شعائره، والممارسات الحسينية التي تحيي الإيمان، والعزة، والكرامة في قلب المؤمن، ولم يكن اهتمامه يقتصر على القول والتوجيه، بل كان في صف الممارسين الأول، فقد جاء في (لمحة موجزة) ص 34: (وفي أحداث شهر صفر عام 1977م بسبب قرار سلطة (البعث) الغاشمة بمنع المشي لزيارة الإمام الحسين(عليه السلام)ـ وهو ما اعتاد عليه شيعة آل البيت(عليهم السلام) في العراق ـ ومواجهتهم للمشاة الزائرين من المدن العراقية المختلفة بقوات الجيش من الطائرات والدبابات والمدّرعات وغيرها، أصرّ سماحة سيدنا المترجم له مع ثلّة من فضلاء الأسرة وشبابها – والذي استشهد بعضهم فيما بعد – على مواصلة المسير حتى وصلوا كربلاء وحرم الإمام الحسين(عليه السلام) متجاوزين سيطرات النظام، وبعد عمليات القتل والاعتقال الجماعي في صفوف المؤمنين المشاة أُخبر سماحة السيد الحكيم من قِبَل بعض الوجهاء، أنّ اسم سماحته ضمن المطلوبين للنظام، مما اضطره أن يغادر بيته مع أبنائه للاختفاء في إحدى البيوت المهجورة لفترة حيث لم يكن يعلم بمكان الاختفاء سوى العلوية حليلته التي كانت تتردّد خفية ومن دون أن ينتبه أزلام النظام وعيونه، واستمر اختفاء سماحة السيد الحكيم وأبنائه إلى ما بعد صدور أحكام الاعدام والسجن المؤبد الجائرة في حق مجموعة من المعتقلين والمشاة إلى زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) وإلى ما بعد غلق ملف القضية من جانب السلطة.

وبعد استيلاء الدكتاتور صدام حسين على السلطة وإزاحته لسلفه أحمد حسن البكر في 17/7/1979م، اشتدت ضغوط وقساوة النظام على العراقيين، خاصة على الحوزة العلمية في النجف الأشرف بعلمائها وفضلائها، وقد آثر سماحته البقاء في الحوزة العلمية وعدم مغادرة العراق متحمّلاً تلك الضغوط والمخاطر في سبيل المساهمة في الإبقاء على هذا الكيان العلمي والثقافي العريق وعدم تحقيق أماني السلطة الغاشمة في تفريغه من العلماء الأفاضل والسيطرة عليه.

وجاء في ص 40 عند الحديث عن فترة سجنه:(كما تصدّى سماحته لإحياء المناسبات الدينية من خلال المحاضرات، وتحفيظ بعض شباب الأُسرة القصائد الدينية التي كان يحفظها في ذاكرته ليلقوها –بسّرية- في تلك المجالس التي كانت تقام بسرّية تامة بعيداً عن مراقبة أعوان السلطة).

وقد شوهد في عدة سنوات يخرج مع كبر سنّه، وضعف بدنه، وحالته الصحية غير الجيدة، والوضع الأمني المتدهور؛ للمشي بالمقدار الممكن مع زوار الأربعين، وكان يقوم بالخدمة من خلال دفع عجلة بعض الزوار غير القادرين على المشي، وكان لهذا أثره الكبير في نمو حب الشعائر، وإحيائها في نفوس المؤمنين، وقد كتب كتاب (فاجعة الطف) في تحليل النهضة الحسينية، وبيان وجه شعائرها المشرق، فبيّن أن النهضة حلقة تسبقها حلقات من أحداث، وملابسات،وظروف مترابطة، وتلحقها نتائج وأحداث متعاقبة، وثمرات ومكتسبات، وكان في تتبّعه بارعاً، وفي تحليله عبقرياً نابهاً، وخصّص عناوين قيمة جداً ترتبط بالشعائر وإحيائها كعنوان (أثر إحياء المناسبات المذكورة في حيوية الشيعة ونشاطهم)، و( أثر الإحياء المذكور في تثبيت هوية الشيعة)، و( نشر الثقافة العامة والدينية بسبب الإحياء المذكور) و(تأثير إحياء تلك المناسبات على إصلاح الشيعة نسبياً)، و(إيصال مفاهيم التشيع بإحياء تلك المناسبات)، وكان من العناوين الفريدة والجاذبة جداً عنوان (أهمية الممارسات الصارخة)، فقد قسم الشعائر إلى صارخة تلفت نظر الآخر إلى التشيع، وغير صارخة، وبيّن أهمية ودور كل قسم منهما.وقد كانت قراءته للشعائر والممارسات الحسينيّة قراءة الفقيه الخبير، والحاذق بالمرتكزات العقلائية، التجارب البشرية،، ومما أذكره أنه دخل عليه أحد أهل العلم، فقال سائلاً: إنّ بعض الممارسات تشوّه المذهب، وأنتم تحكمون بجوازها، فأجابه سماحته (رحمه الله) بأنّ ما سألت عنه يحقّق عنوان الإحياء، فمن يمارسه يجد أن ارتباطه بالحسين(عليه السلام) يشتد، وعلاقته تقوى، وهو محقق للممارسة الصارخة ولأهدافها، ومجرد أن يعترض بعض الناس أو يسخروا لا يوجب الحكم بالحرمة، وكأنه (رحمه الله) يلفت نظره إلى أن من لا يدرك العمق العقلائي لبعض الممارسات يسخر ويعترض بلا علم، وقد قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ، وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ، وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَىٰ أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ، وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَٰؤُلَاءِ لَضَالُّونَ(المطفيين:29 – 32)

    وقال الإمام الصادق (عليه السلام): (اللّهُمَّ إنَّ أعْداءَنا عابُوا عَلَيهم بخُروجهم، فَلم يَنْهِهم ذلِكَ عَنِ الشُّخوصِ إلينا خِلافاً مِنْهم  عَلى مَنْ خالَفَنا، فارْحَم تِلْكَ الْوُجُوهَ الَّتي غَيْرتها الشَّمْسُ، وَارْحَم تِلكَ الخدُودَ الَّتي تَتَقَلّبُ علىُ حُفْرَةِ أبي عَبدِاللهِ الحسينِ عليه السّلام، وَارْحَم تِلكَ الأعْيُنَ الَّتي جَرَتْ دُمُوعُها رَحمةً لَنا، وارْحَم تِلْكَ الْقُلُوبَ الَّتي جَزَعَتْ واحْتَرقَتْ لَنا، وارْحَم تِلكَ الصَّرْخَةً الَّتي كانَتْ لَنا، اللّهمَّ إني اسْتَودِعُكَ تلْكَ الأبْدانَ وَتِلكَ الأنفُس حتّى تَرْويهمْ عَلى الحَوضِ يَومَ العَطَشِ [الأكبر]) كامل الزيارات : ص 127.

ثم قال سماحة السيد(رحمه الله) له: لا تذكر اعتراض أعداء التشيع الذين ينطلقون من الحقد، ويرون حسنات الشيعة سيئات، وإنما اذكر منصفاً واحداً عاقلاً يسفّه الممارسة بوجه عقلائي مقبول.

إنّ الممارسات الشعائرية والرمزية موجودة في جميع الثقافات، ولها أهدافها، والعقلاء يحترمون الثقافات المختلفة ما دامت معبرة عن أهداف سامية وتحقق أغراضها، وليس وهن الدين باعتراض الجهال أو السفهاء.

🔹روح التفاؤل والاطمئنان التام

لطالما كانت نظرته إيجابية  إلى الأحداث والظروف مهما كانت قاسية ومؤلمة، وهذا ما تجسد في سني الاعتقال، فقد حوّل الابتلاء إلى فائدة عامة تستحق الشكر الله تعالى، فقد جاء في (لمحة موجزة) ص 43: (كانت أوضاع السجن السيئة وانتشار الأمراض الفتاكة وانقطاع السجناء عن ذويهم – حيث لم يكن يسمح لهم بمقابلة أهاليهم، بل كان أهلهم يجهلون مصيرهم تماماًـ وفيهم الشاب والمراهق الذي انقطع عن أبويه العجوزين، والزوج الذي انقطع عن أسرته وأطفاله، والشيخ العجوز المبتلى بمجموعة من الشكاوى والأمراض، وكثير منهم كانوا يعانون من آثار التعذيب الفظيع في فترة التحقيق، وكان أكثرهم شباباً يافعين غير مهيئين لظروف الاعتقال القاسية، إذ لم يكن لهم نشاط فاعل يوجب أدنى من هذه العقوبة، وإنما جرفهم طغيان النظام وظلمه العابث، فكان من الطبيعي في مثل هذه الظروف أن يعاني هؤلاء المعتقلون من إفرازات نفسية واجتماعية، وكذلك في مواجهة التهديدات والضغوط الأمنية المتكررة التي كانت تلاحقهم وهم في زنزاناتهم الرهيبة، فكانوا بحاجة إلى من يجسّد الأبوّة والرعاية والاهتمام، والذي تمثل في شخص سيدنا المرجع الحكيم الذي تحمّل هذه المسؤولية وأدّى هذا الدّور بالنسبة لآلاف المعتقلين الذين كانوا يقبعون في تلك الزنزانات، فكان سماحته يسأل عن المريض الذي يصارع مرضه من دون علاج أو طبيب أخصّائي، ويتابع المتأزم نفسيّاً ليخفف عنه، ويقوي عزيمة الشاب الذي تُضعف قسوة السجن عزيمته، بالإضافة إلى تصديه لحلّ العديد من المشاكل الاجتماعية التي كانت تحدث بين فترة واخرى، وبعد أن سمحت السلطات -بعد سنوات طويلة- لبعض السجناء ومنهم السادة آل الحكيم بلقاء أهاليهم كان سماحته – وكذلك باقي السادة – يكلّف الأهل بجلب كميات كبيرة من الأدوية والملابس والمأكولات التي كان يحتاجها السجناء ـ وبالتنسيق مع الدكتور سعد محمد صالح والمهتمين بشؤون السجن، وكلهم من السجناء المؤمنين ـ فكانت العلويات وأطفالهنّ يتحملن معاناة تهيئة تلك الأدوية والملابس والمؤن الكثيرة ـ خاصة في ظروف الرقابة الأمنية المشدّدة ـ وحملها إلى السجن، لإعانة باقي السجناء الذين لا تتوفر لهم فرصة لتوفيرها. وفي نفس الوقت كان سماحته يتجنب شخصياً ويوصي أولاده والمحيطين به من الاستفادة مما يجلبه الأهل من ملابس ومآكل بما يثير شجون السجناء المحرومين من ذلك، ويوصي دائماً بمواساتهم ورعايتهم. ويحتفظ كثير من السجناء بقصص وحوادث مؤثرة كانت بينهم وبين سماحته يحفظونها ويتناقلونها تعبّر عن اهتمام سماحته وأبوّته.

ولم يكن اطمئنان وتفاؤل سماحة المرجع الراحل(قده) على المستوى المعيشي والاجتماعي فقط، بل كان حتى على المستوى الفكري والثقافي، فعندما سأله أحدهم عن الموقف من أصحاب الشبهات، وبالخصوص من طرح نظرية جواز التعبد بكل دين ومذهب، وأن أصول الدين مجرد أطروحات، ولا يمكن الجزم بحقانيتها، وأنه لا علم بالمطابقة للواقع في إمامة أهل البيت (عليهم السلام)، وتأثر بعض الناس به.

فأجاب(رحمه الله): بأن التاريح قد نقل وجود أشخاص مثل هذا، انحرفوا، وانحرف معهم بعض البسطاء، ووقف معهم مَن هو مثلهم، ولكن لا جرأة له على التصريح بما يصرّحون به، ثم تحركت عجلة التاريخ،  وذهبوا، وذهبت أفكارهم معهم، وبقي المذهب قويّاً متماسكاً، ولو كان الدين ضعيفاً ويُخاف عليه من أمثال هذا لزال من قرون، ولكنه قوي، ونحن موعودون ببقائه واستمراره إلى ظهور الإمام (عليه السلام)، ونحن قبل 50 سنة عشنا انتشار الفكر الشيوعي والدعايات الكاذبة حول العدالة، والرخاء، والازدهار، الذي يعيشه الناس في الدول الشيوعية كألمانيا الشرقية، وروّجت الأفكار الشيوعية بقوة، وكل هذا انتهى، وبقي الناس على إيمانهم والتزامهم، وأصحاب الفكر المنحرف قلة جدّاً.

وفي جوابه عن سؤال عدم ثقة بعض الناس بطلاب العلم أجاب (رحمه الله) بأنّ هذا يحفّز طالب العلم ليكون أكثر إخلاصاً واستقاماً، ويجعل الناس أكثر تدقيقاً في التعامل مع طلاب العلم، فلا يقبلون من أي شخص، ولطالب العلم دوره، ولسائر أفراد المجتمع دورهم، وينبغي أن يكمل كل طرف الآخر، ولا ينبغي أن نتحسس من عدم ثقة بعض الناس بطلاب العلم، فهذا له أسبابه وظروفه التي لا يمكن التخلص منها مطلقاً.

وفي جوابه عن سؤال تعدد المراجع وعدم توحيدهم في مرجع واحد يكون قائداً للأمة فلا تتضارب المشاريع والجهود أجاب (رحمه الله) بأن تعدد المراجع فيه جهات إيجابية، ولو لم يكن إلا أن التعدد يوجب تكامل الأدوار وتبادل الخبرات، وتفعيل أكبر عدد من الطاقات، ويمنع شمول ضرر الخطأ لكل الأمة فيما إذا وقع الخطأ، فلا يكون مصير الشيعة تحت تشخيص رجل واحد -مع عدم عصمته – لكفى.

وهكذا في عدة من المشاكل الفكرية والاجتماعية أو الأحداث والوقائع، فإنه  كان يقرأ الأمور قراءة الحكيم المتأمل، ويرصد الوجوه الإيجابية، ويبرز التفاؤل، والثقة بمقادير الله تعالى، وهذا ما عكس جواً من الاطمئنان في محيطه، فلا تكاد ترى شخصاً قريباً منه، إلا ويملك السكينة وروح التأني، والقراءة الإيجابية، والتسليم لله تعالى.

🔹كرامة ظاهرة

لقد كان سماحته عالماً ربانياً بما تحوي الكلمة من معنى، ولشخصيته جوانب معنوية عالية جدّاً، وكمالها العملي يكشف عن كمالها الروحي، وقد كان(رحمه الله) وجيهاً عند الله تعالى، فكم جرت على يده المكرمات والكرامات، وأختم كلامي بما سمعته مباشرة من سماحة العلامة الشيخ علي العبيدي(حفظه الله) وكيل السيد السيستاني(حفظه الله)، والسيد الحكيم(رحمه الله) في مدينة كربلاء المقدسة، وهو من أهل الصفاء، والورع، والأخلاق العالية، فقد ذكر لي أنه كان سجيناً مع سماحة السيد (رحمه الله)، وبين زنزانته وزنزانة السيد(ره) جدار، وكان معهم شخص مريض جدّاً، حتى حصل عنده احتباس للبول وتورم بدنه وتغير لونه حتى أوشك على الهلاك، فطلبنا من سماحة السيد الدعاء له، وبالفعل بين صلاة المغرب والعشاء، ضرب سماحة السيد حديدة الزنزانة، وتوجهنا إليه، وقال قولوا للمريض يذهب الآن إلى دورة المياه، وبالفعل لما ذهب تخلص من سموم بدنه، وكأنه غير مريض، وعافاه الله تعالى.

ولا غرو فإنه -كما ذكر المرجع الكبير  السيد السيستاني(حفظه الله) – قد نذر نفسه الشريفة لنصرة الدين والمذهب، وكرس حياته المباركة لخدمة العلم أهله، فصار من أهل كرامة الله تعالى، ووجيهاً عنده في الدنيا والآخرة.

نسأل الله تعالى أن يرفع درجاته، وأن ينفعنا بعلمه وسيرته وهديه، وأن يعوض الحوزة العلمية المباركة بأمثاله، وأن يعجل فرج مولانا صاحب العصر (عليه السلام).

والحمد لله رب العالمين

*مستفاد بشكل اساسي من مقال لسماحة الشيخ حيدر السندي ومن مقالات أخرى
إغلاق